مفاتيح للراحة

هل من أُمور تُضايقك وتضغط عليك ، تُفقدك هدوءك وسلامك؟
هل صـرت عصبياً ، مُحتـد الطباع ، تنفعل لأتفه الأسباب ؟
وهل تُريد أن تتمتع براحة داخلية لا تقدر أن تؤثر عليها أية مفاجأت تأتي بها الأيام ؟
هل تُريد أن تستريح ؟ هل تبغي راحة لقلبك ، راحة مستقرة تحفظك هادئاً مهما قست الظروف ، واشتدّت العواصف ؟
هذا المقال لك ، فهو يضع في يدك أربعة مفاتيح رئيسية لاقتناء هذه الراحة الداخلية التي لا تُقَدر بثمن ..
والمقال يتخذ من يوسف مثالاً .. فكم كانت الأحداث التي أحاطت به قاسية إلي أقصي حد ، يشهد الوحي : « مررتـه ورمته واضطهدتهُ أرباب السهام» ( تك ٤٩ : ٢٣ ) .. كان مميزاً بين اخوته فحسدوه ، وألقوه في البئر ليتخلصوا منه وادعو أن وحشاً قد فَتَك به .. كم جَرَحَ هـذا مشاعره جداً !! وكم كان صعباً علي نفسيته الرقيقة أن يُلقي في السجن مُتهماً بذنب لم يرتكبه !!
لكن هذه هي نصف الحقيقة ، أما نصفها الثاني فمُشرق جداً ومُشجع للغاية .. إنه يشهد لإلهنا العظيم الذي يُحـَول اللعنة إلي بركـة ( تث ٢٣ : ٥)، الذي يُخرج من الجافي حلاوة (قض ١٤ : ١٤ ) .. الإله الذي يُريح التعابي ..
لقد داوي جروح يوسف ، فهو الطبيب العظيم .. لقد عوضه بإحسانات كثيرة فهو « الغني في الرحمة » ( أف ٢ : ٤ ) ، لقد أراحه من كل جهة ، فهو « إله كل نعمة » ( ١ بط ٥ : ١٠ ) الذي يعطي من ملئه « نعمـة فوق نعمة » ( يو ١ : ١٦ ) ..
تأمل كلمات الوحي « الرب كان معهُ ومهما صنع كان الرب يُنجحهُ » ( تك ٣٩ : ٢٣ ) .. ضع خطاً تحت كلمة مهما ، فهذا هو حب وغني إلهنا .. هذا هو فيض نعمته .. تأمل أيضاً كلمات يوسف نفسه التي تشهد لشفاء الله لمشاعره .. « أنساني كل تعبي .. وكل [ ما عانيت منه في ] بيـت أبـي [ مـن إخوتـي ] » ( تك ٤١ : ٥١ ) ..
تأمل أيضاً كلماته التي تشهد لإحسـانات الله معه « الله جعلني مُثمراً » ( تك ٤١ : ٥٢ ) .. إن الوحي يُقدم لنا مفاتيح انتصار يوسف علي ظروفه المريرة ، ليتمتع بالراحة، وذات المفاتيح هي لك وبإمكانك أن تستـخدمها ، لأن إله يوسـف هـو إلهك ..
ثق أيهـا الحبيب أنك مدعو للراحة ..

المفتاح الأول : أن تثق أنه يحبك

لقد وثق يوسف في محبة الله له ولم يسمح قط للظروف أن تسلب منه هذه الثقة ..
لقد وثق أن محبة الله له أقوي من كل شــئ « ميــــاه كثيرة لا تســتطيع أن تطفــــئ المحبـــة والسـيول لا تغمــرها » (نش ٨ : ٧ ) ..
تأمل هذه الكلمات التي قالها عنه الوحي « [ بركات ] من رِضي الساكن في العليقة [ شجرة شوك thorny bush] ، فلتأت علي رأس يوسف » ( تث ٣٣ : ١٦ ) ..
لقد عرف يوسف رِضيَ [favor] الساكن في شجرة الشوك [thorny bush] ..
تذكر كيف شاهد موسي هذه الشجرة الشوكية وهي تتقد بالنار ولا تحترق ( خر ٣ : ٢ ) ..
أيها الحبيب ، ربما تكون الظروف الضاغطة قد نجحت في أن تسلب منك هدؤك ، وربما تكون قد استطاعت أن تدفعـك إلي متاهات الجـنس أو الإدمان .. هل امتلأت بالشوك ؟ هل صرت مستعبداً لخطايا تجرحك في الأعماق ، وتجرح غيرك ؟ هل صرت سيئاً جداً في عيني نفسك ولا تقدر أن تحتمل نفسك ؟
أيها الحبيب لا تخجل من أن تعترف بهذا ، أياً كان الشوك الذي امتلأت منه ، فإلهك لن .. لن يحرقك .. إنه إله النعمة !!
إنه يُريد أن يملأك بحبه الناري الذي يخفي الأشواك بنوره الساطع ..
كلا ، إنه ليس بعيد عنك « الرب قريب » ( في ٤ : ٥ ) ، حين يلمحك آتياً إليه ، يركض إليك بكل سرعة لكي يُعانقك .. إنه يُريد راحتك ..
هل سئمت الحياة ؟ هل كرهت نفسك ؟ هل تشعر بأنك مرفوض ممن تحبهم ؟ .. آه ، تستطيع أن تغلق عينيك الآن ، وتتخيل الرب وهو يحتضنك ، وهو يداوي جـروحك .. تـراه وهو يحمـلك علي يديه ويُدللك علي رُكبتيـه ( إش ٦٦ : ١٢ ) ..
الله قط ليس لتدميرك .. إنه لعلاجك ، لسعادتك .. لراحتك الكاملة .. لراحتك الكاملة ..
هل تُـريد أن تتـوب توبـة حقيقيـة ؟ .. ابدأ بهذا المفتاح.. ثق أن الله يحبك جداً جداً .. استرح في أحضان محبته الأبوية الغافرة .. اشبع بهذه المحبة وستقدر أن تدوس بقدميك علي كل لذة للخطية « النفس الشبعانـــة تدوس العســـل » ( أم ٢٧ : ٧ ) ..
هل تُريد أن تنال شفاءً أو تحريراً من سلاسل قيّدك بها إبليس ؟.. ابدأ أيضاً بهذا المفتاح ، ثق في حب الرب لك .. إنه لن يتركك ولن يهملك ولن يهدأ حتي يُكملُ شـفاءك وحريتك .. لا تُرَكّز النظر في الشوك .. لا تُرَكّز التفكير في خطاياك التي جرحتك أو في قيودك .. تأمل حبه العظيم ، تأمل دمه الغافر ، تأمل الروح القدس الذي يُعطي قوة ..
لا ، لا تُرَكّز النظر في الشوك بل في نار حبه التي لا تُحـرقك بل تُنقـيك ، وتجعلك مُشرقاً مضيئاً ، « لأنكم كنتم قبلاً ظلمة وأما الآن فنور في الرب » ( أف ٥ : ٨ ) ..
المفتاح الأول ، أن تثق أنك مازلت محبوباً جداً بالرغم من كل ما أرتكبته من أخطاء وحماقات .. الله يحبك بلا حدود.. وهو لراحتك ..

المفتاح الثاني : أن تدع يد الرب تلمسك

تأمل معي ما يقوله الوحي في هذه الآية عن يوسف « تشددت سواعد يديه من يدي عزيز [Mighty God] يعقـــوب » (تك ٤٩ : ٢٤) ..
ما معني أن سواعد يدي يوسف قد تشددت ؟..
لقد تعرضت للإرهاق نتيجة لعنف المعارك وصارت في احتياج إلي من يُشَددها ..
الرب القدير يحبه ، لم يتركه.. وضع يده علي يديه فتَشَدَّدَت ..
أيها الحبيب ، هل أرهقتك الحرب الروحية ؟ هل أُصبت بالملل ؟ هل فقدت حماسك القديم ؟ هيا إلي المفتاح الثاني.. هيا إلي لقاء خاص مع الله .. دع يده تُوضع علي يديك ..
كان يوآش الملك ضعيفاً ، عاجزاً عن أن يواجه جيش آرام ، فذهب إلي لقاء خاص مع رجُل الله أليشع ، فماذا حدث ؟ ..
وَضَعَ أليشع يده علي يديه، فتغير كل شئ !! لقد صار يوآش قادراً أن يري بالإيمان العدو مهزوماً عند قدميه ( ٢ مل ١٣ : ١٤ ـ ٢١ ) ..
اذهب ، اذهب أنت أيضاً إلي لقاء خاص مع الله ، اهدأ عند قدميه ، قُل له المس يديّ .. أنت القدير « الذي يُعلِّمُ يديَّ القتال فتُحني بذراعي قوس من نحاس.. يمينك تعضدني .. تُمنطقني بقوة للقتال » ( مز ١٨: ٣٤ ، ٣٥ ، ٣٩ ). سيعطيك الروح أن تري بالإيمان العدو ضعيفاً ، ستسخر من الظروف .. وسيلمس الله يدك .. ستتشدد ، سترتفع يداك عالياً في التسبيح والغناء الروحي ، سترتفع مُعلنة النصرة علي العدو وأنه « في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا » ( رو ٨ : ٣٧ ) ..
تَذَكَّر ما حدث حينما لمس جسد إيليا ، المملوء بالروح القدس ، جسد الصبي الميت .. لقد دبت فيه الحياة من جديد .. لقد كان ميتاً فصار حيّاَ .. اسمح للرب أن يلمس بيده القوية كل أماكن الضعف والموت التي فيك .. عندما يلمسك الرب ستنساب منه قوة حقيقية ، ستتقوي وستشدو فرحاً « ليقل الضعيف بطلٌ أنا » ( يؤ ٣ : ١٠) .. « حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قوي » ( ٢ كو ١٢ : ١٠ ) ..
لا .. هذه ليست أوهام نفسية ، إنها قـوة حقيقية تسري من يد الله « لك ذراع القدرة . قوية يَدُك . مُرتفعة يمينك » ( مز ٨٩ : ١٣ ) .. إنها قوة حقيقية ، تُريد أن تُوقف نزيف الإعياء الذي فيك كما أوقفت من قبل نزيف المرأة الذي ظَلَّ اثنتي عشرة سنة يسلبُ منها صحتها وأموالها التي أنفقتها لدي الأطبـاء ( مر ٥ : ٢٥ ـ ٢٩ ) ..
أيها الحبيب هل تشعر بضعف وإعياء .. لا تستسلم للحزن واليأس ، هيا مع الرسول بولس قُلْ بإيمان « بكل شرور أفتخر بالحريّ في ضعفاتي لكي تحلّ عليَّ قوة المسيح » ( ٢ كو ١٢ : ٩ ) ..
هيا إلي الرب بكل ضعفك وإعيائك .. هيا إلي لقاء خاص معـه .. هيـا الآن سـيضع يـده عليك لتسير « من قـوة إلي قـوة » ( مز ٨٤ : ٧ ) و « من مجد إلي مجد » ( ٢ كور ٣ : ١٨ ) ..

المفتاح الثالث : أن تبني بيتك علي الصخر

هل تُعاني من التذبذب .. تارة تري نفسك قوياً في الإيمان ، وتارة أُخري تشعر بالضعف الشديد أمام الأفكار السوداء التي تُهاجم ذهنك ؟
هل تعرف لماذا يحدث هذا ، دعني أقول لك الحقيقة .. أنت لم تبن بيتك علي الصخر ..
كُن صادقاً مع نفسك .. هل تستمد إحساسك بالأمان من امتلاكك للمال أو السلطة أو من عشرة الأصدقاء والمعارف أو من علاقة عاطفية .. هذه أُمور من الممكن أن تتغير ، لذلك فليكن إحساسك بالأمان مؤسساً علي الصخر .. علي ثقتك في أمانة إلهك ..
هل تُريد أن تتمتع براحة مستقرة غير معتمداً في إحساسك بالأمان علي المنظور ؟ .. ابْنِ كل حياتك ، جهودك ، أفكارك ، عواطفك ، كل شئ علي الصخر الحقيقي .. على كلمات الرب .. علي أمانته في تحقيقها ..
تأمل هذه العبارة الهامة التي قالها المزمور عن يوسف « قول الرب امتحنه » ( مز ١٠٥ : ١٩ ) .. ما معني هذه العبارة ؟ .. كان يوسف مُعرضاً لإمتحان .. لقد امتحنته كلمات الرب فوجدته يُصدقها ، فعندما كان في السجن كان يُصدق وعد الله الذي أتاه عبر الأحلام بأن مجداً خاصاً ينتظره .. لم يستسلم للعيان ، كان يُصدق الله ..
كان يوسف قد بني بيته علي الصخـر ، لـذا تمتـع بالراحـة ، يقول الوحي عنه « تشدَّدت سواعد يديه .. من هناك .. من الراعي صخر إسـرائيل [ أي صخـر المؤمنـين ] » ( تك ٤٩ : ٢٤ ) ..
كان يوسف يثق أن قول الله صادق دائماً مهما كان ما يراه بعينيه أو يسمعه بأُذنيه مُناقضاَ لكلمات الله ..
أنت أيضاً ابْنِ كل حياتك علي ما يقوله الله .. هذا هو الصخر ..
هل تُعاني من مرض ؟ .. لا تستسلم للخيالات المُزعجة ، ابْنِ أفكارك علي الصخر .. ابنها علي ما يقـوله اللـه « أنـا الـربُ شـافيك » ( خر ١٥ : ٢٦ ) ، « أُزيل المرض من بينكم .. أُكمـل عـدد أيامك » ( خر ٢٣ : ٢٥ ، ٢٦ ) ..
هل أنت مُقيد بقيد عاطفي أو جنسي أو بإدمان ؟ هل تشعر بالعجز أمام هذا القيد ؟ .. هيا ابْنِ بيتك علي الصخر ، علي ما تقوله كلمة الله ، إن الرب يسوع مات بديلاً عنك لكي يُطهرك من خطاياك بدّمه .. وإنه حَمَل أوجاعك لكي يُحررك منها .. لقد قُيِّدَ لكي يفك قيودك ..
اعلن ثقتك في أن دمه يغسلك .. يجعلك أبيض من الثلج ..
اعلن ثقتك أنه قُيِّدَ لكي يُحررك من كل القيود ..
اعلن ثقتك أن لك الفرح والسلام وأن الخطية لن تسودك .. هذه هي وعود الله التي يجب أن تبني حياتك عليها .. هذا هو الصخر الذي يجب أن تبني عليه حياتك ..
اهزأ بالظروف المُضـادة .. الرب لك ، وقوته لك ووعوده ستتحقق إذا آمنت بها .. لقد كانت الظروف مُضادة جداً ليوسف ، لكنه عاش بالإيمان .. وسخر من الحوائط العالية التي شيّدها إبليس أمامه ليُشـعره بالعجز ، وماذا يقول الوحي ؟ .. يا لأمانة الرب.. الوحي يشهد « يوسف غصن شجرة .. أغصـان قد ارتفعت فـوق حـائط » ( تك ٤٩ : ٢٢ ) ..
عِشْ مستنداً علي وعود الله وسترتفع أغصانك فوق أي حائط يُشيده العدو لك .. هذا هو المفتاح الثالث الهام للراحة .. الاعتماد علي كلمات الرب .. إنه بناء الحياة علي الصخر ..

المفتاح الرابع : أن تتمتع بإنعاش الروح القدس

يُحاول إبليس جاهداً أن يُصيب أرواح المؤمنين بالإعياء ..
الروح القدس هو الذي يُنعش روحك ، هو الذي يُجدد قوتك ..
تأمل ما قاله الوحي أيضاً عن يوسف « مُباركة من الرب أرضه بالندي » ( تث ٣٣ : ١٣ ) .. الندي الذي يسقط من السماء قبل بزوغ الشمس ليُنعش النبات هو رمز للروح القدس الذي يُعطي لك إنعاشاً في بداية كل يوم ، لتبدأ بنشاط وقوة ..
الروح القدس هو الندي الذي يُنعشك .. إن اسمه المُعزي ( يو١٥ : ٢٦ ) وهي ترجمة لكلمة بارقليط اليونانية والتي تعني أيضاً المُحامي والمساعد والرفيق ..
ليكن الروح القـدس رفيقك الدائم .. كُنْ في شـركة دائمـة معه ..
تمتع بإنعاشه من خلال حوارك معه، طلبك لحكمته وإرشاده ، واستماعك لتوجيهاته « كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله » ( رو ٨ : ١٤ ) ..
تمتع بإنعاش الروح وأنت تصلي بالروح ( ١ كو ١٤ : ١٥ ) ..
تمتع بإنعاش الروح في جلستك الهادئة مع الكتاب المقدس ..
تمتع بإنعاش الروح في ثباتك في الرب في التناول من جسده ودمه ..
تمتع بإنعاش الروح .. دائماً تمتع به ..
اُطلب أن يعمل الروح فيك بكل قوته .. اُطلب أن تمتلئ به .. تأمل ما قاله الكتاب عن يوسف « يوسف غصـن شجـرة مثمـرة علي عيْن » ( تك ٤٩ : ٢٢ ) .. لقد كان مثمراً لأنه كان يشرب دائماً من عين المياه الحيّة ، من الروح القدس ..
اشرب أنت أيضاً دائماً من مياه الروح .. سيمسح الروح حياتك بالبهجة الحقيقية ، وسيجدد ذهنك ليفهم أمور الله .. وسيغمر قلبك بتعزيات قوية ..
الروح القدس سيجعلك حساساً لسماع صوته.. سيقودك ، سيجعلك نورا للناس.. سيرون فيك الرب الذي يُريح التعابي ..
إنها أربعة مفاتيح هامة للراحة..
• ثق في حب الرب لك .
• دع يد الرب تلمسك .
•ابْن بيتك علي الصخر [ علي الكلمة ]
•تمتع بإنعاش الروح .
سيدي ..
أثق أنك راحتي المؤكدة ..
لا .. لن أتزعزع ..
دمُك يحميني ..
كلمتك تبنيني ..
روحك يقودني ..
ملائكتك تحرسني ..
ومن قوة إلي قوة ..
ومن مجدٍ إلي مجدٍ ..