قد تُخطئ ..

وقد ترتكب أفدح الأخطاء ..

وقد تكون نتائج هذه الأخطاء مُدَمِّرَة ، وقد تصل إلي الموت المحقق ..

فماذا لو سارت بك الأحداث ، وتتابعت مخيفة وسريعة ؟

ماذا لو وجدت نفسك تحصد مازرعته من أخطاء ، وحيداً تري النهاية المرعبة تقترب ، عاجزاً لا تقدر أن تفعل شيئاً ؟

ماذا لو كنت قد بلغت اللحظة الأخيرة التى تسبق سقوطك إلي منحدر المياه المخيف ؟

هل حقاً انتهي كل شىء ؟!

قد يكون هذا هو رأى المنطق الذى يدرس ويحلل ما تسمعه الأُذن ، وما تراه العين ..

لكن كلا !! ألف كلا !!

لا ، لم يتأخر الوقت بعد ..

يوجد مُنقذ عاجل اسمه الإيمان ..

الإيمان يري اللحظة الأخيرة الباقية زمناً كافياً للرب كى يسترد لك أمانك و يحول اتجاه دوران عجلة الأحداث ..

أيها الحبيب ..

دعنى أُطمئنك جداً ..

دعنى أُخبرك من كلمة الله الصادقة أنه أيَّاً كان سوء ما فعلت ، أيَّاً كانت درجة خطورته .. فَلَكَ إنقاذ .. لك إنقاذ ..

كلمة الله تؤكد أن الله يُريد إنقاذك ، وأن لديه خطة عاجلة قد أعدها لعلاج نتائج أخطائك ..

نعم ، يمكنك الآن أن تشخص إليه بكل كيانك .. يمكنك أن تتعلق به واثقاً فى حبه ، وستنقلب الأُمور كلها رأساً علي عقب ..

ويتغير كل شىء ..

وتتحول من الهزيمة إلي النصرة ..

ومن المرض إلي الشفاء ..

ومن الخزى إلي المجد ..

ومن الفشل إلي النجاح الغير عادى ..

ولتتذكر معى كلماته :

« لأنه تَعَلَّق بى [ حرفياً وضع محبته فىَّ ] أُنجيه » ( مز ٩١ : ١٤ ) ..

وهذا الكتيب عن هذه النجاة ، وعن هذا التحول .. وهو كتيب يتأمل فى بعض القصص من الكتاب المقدس ، كل قصة منها مليئة بالدروس العميقة التى تجدد الذهن وتبنى الإيمان والكتيب من جزئين عنوانهما :

١ ـ من الخزى إلي العرش .

٢ ـ حَوِّل عينيك .

أيها القارئ الحبيب ..

هيا معى إلي عرش النعمة قبل أن تسترسل فى قراءة كلمات هذا الكتيب .. احنى ركبتيك فى سجود عميق للآب السماوى « أبو الرأفة وإله كل تعزية » ( ٢كو ١: ٣ ) ، وحَدِّثه بمثل هذه الكلمات :

أبى السماوى ..

كم أشكرك لأجل حبك العجيب ،

الذى هو أقوي من كل أخطائى ..

كم أشكرك لأنك مستعد أن تعالج

كل ما حدث ..

أشكرك .. أشكرك ، لأنك الإله الذى

يُنقذ عندما تنغلق كل أبواب النجاة

التى تراها عيون البشر ..

أنت حصن خلاص ( مز ٢٨: ٨ )

عوناً فى الضيقات ، توجد شديداً

( مز ٤٦: ١ ) ..

تُخبئنى فى مظلتك فى يوم الشر،

وتسترنى بستر خيمتك ( مز ٢٨: ٥ )

تحول اللعنة إلي بركة ( تث ٢٣: ٥ )

وتُخرج من الجافى حلاوة

( قض ١٤: ١٤ ) ..

ومن الصخرة تُشبعنى عسلاً

( تث ٣٢: ١٣ ) ..

آه ، أى إله أنت !!

« لا مثل لك » ( إر ١٠: ٦ ) ..

أشكرك لأجل هذا الكتيب الذى

يُحَدِّثنى عن إنقاذك لى من نتائج أخطائى، وعن نجاتى فى وقت الخطر ، حينمـا يقطـع الذهـن البشـرى بأنـه قد تأخر الوقت ، وليس من طريق للإنقــاذ ..

أشكرك لأن عنـدك للمـوت مخـارج

( مز ٦٨: ٢٠ ) ..

أبــى ، « إلـــــه كل نعمـــــة »

( ١بط ٥: ١٠ ) ..

اسمح والمس قلبى بكلمات هذا الكتيب ..

بدّد بها كل مخاوفى ..

اسمح واجعلها كلمات فعالة .. تعطى إيماناً ودفئاً ، وثقة أكـبر فى حبك .. وفى قوتك ..

ولن أخزي ..

نعم لن أُخزي .. هللويا

١ ـ من الخزى إلي العرش

كان أصغر إخوته الثمانية ..

غلاماً بسيطاً يعمل فى رعاية الغنم ، إلا أن الرب اختاره ليكون ملكاً بدلاً من شاول ..

أرسل إليه النبى العظيم صموئيل ..

قابله وسط عائلته ، وهناك مسحه بمسحة القوة .. صب الدهن فوق رأسه ، فحلَّ عليه روح الرب ( ١ صم ١٦: ١٣ ) ، وهكذا امتلأ داود بقوة غير عادية .. قوة الروح القدس ..

واختلف داود عن ذى قبل ، فهكذا دائماً يُغير الروح القدس الذين يملأهم ، وبدا هذا التغيير واضحاً للجميع ..

وعرف الكل أن الرب مع داود ( ١صم ١٦: ١٨ ) ..

وعرف ذلك أيضاً شاول الملك ..

لقد رأي شاول بعينيه داود يتقدم ليواجه جليات العدو العملاق الذى لم يجرؤ أحد من الشعب علي التصدى له ..

لقد رأي شاول داود يتقدم لمواجهة هذا العدو غير خائف ، بجرأة غير متوقعة ، بإيمان غير عادى .. ثم رآه وهو يدوس عليه معطياً المجد للّه ..

فى البداية أحب شاول داود جداً ( ١صم ١٦: ٢١ ) ، لكن شاول لم تكن له علاقة حيّة مع الله ، لذا لم يعرف الحب الحقيقى الذى يضرمه الروح القدس فى القلب ..

لم يقتن شاول « محبة الروح » ( رو ١٥: ٣٠) التى يثمرها الروح القدس فى قلوب المؤمنين الحقيقيين ( غلا ٥: ٢٢ ) ، كان له فقط الحب البشرى الطبيعى ..

والحب البشرى يختلف تماماً عن الحب الذى يثمره الروح ..

الحب البشرى متغير .. متقلب .. تهزمه الأنانية ومحبة الذات ..

لم يثمر الروح القدس فى قلب شاول لذا لم تكن محبته لداود ثابتة ، لقد اهتزت بعدما انتصر داود علي جليات .. لقد سمع شاول النسوة يغنين مقارنين بينه وبين داود « ضرب شـاول أُلوفـه وداود ربواتـه [ الربـوة هى عشـرة آلاف ] » ( ١صم ١٨: ٧ ) .. سمع النسوة يغنين هكذا فهاله جداً أن يكون المدح لداود بالمقارنة به والإنتقاص من شأنه .. وبدأ حبه لداود يتناقص حتي انقلب إلي عداوة تزايدت مع الوقت ، فالخطية التى لا تُقاوَم تزداد تأصلاً داخل النفس وتقود إلي خطايا أُخري ..

  • لقد بدأ الأمر بالحسد .. يقول الوحى « فكان شاول يُعـاين [ أى ينظـره بحسد ] داود » ( ١صم ١٨: ١٠ ) ..
  • ثم انتقل إلي الخوف « وكان شاول يخاف داود لأن الرب كان معه وقد فارق شاول » ( ١صم ١٨: ١٢ ) ..
  • وتطور الخوف فصار شاول يفزع من داود « فلمـا رأي شـاول أنـه [ أى داود ] مفلح جداً فزع منه »

( ١صم ١٨: ١٥ ) ..

  • ثم يقول لنا الوحى « وصار شاول عدواً لداود كل الأيام » (١صم ١٨: ٢٩) ..
  • ثم بلغت العداوة أقصي الحدود ، وأَصَرَّ شاول أن يقتل داود ويتخلص منه « وكان شاول يطلبه » ( ١صم ٢٣: ١٤ ) ..

داود ، رجل الإيمان

حين مسح صموئيل داود كانت المسحة لأجل أن يصير ملكاً علي الشعب ، لكنه لم يصر ملكاً فى الحال .. لقد ظل يعانى من إضطهاد شاول فترة من الزمن ، يخبرنا الوحى قائلاً : « وكان شاول يطلبه [ يطلب قتل داود ] كل الأيام » ( ١صم ٢٣: ١٤ ) ..

وماذا فعل داود ، كيف أنقذ نفسه من شاول ؟

لقد اجتاز من قبل فى مواقف عديدة حرجة برهنت علي إيمانه فى حفظ الله له ، وثقته فى أنه إله أمين فى تحقيق وعده بأنه سيجعله ملكاً ..

لقد تمسك داود بالإيمان بإن الله سيحميه ، وهذا الإيمان حماه من أن يخطئ .. لقد اُتيحت له الفرصة مرتين لكى يقتل شاول بسهولة ثم يُعلن نفسه ملكاً بدلاً منه ، لكنه لم يفعل ..

يالعظمة الإيمان !! كان داود حقاً رجلاً من رجال الإيمان .. لقد رفض أن يفعل مثلما فعل يعقوب ! لقد رفض أن يتخلي عن الإيمان ويرتكب خطية القتل ..

كان ليعقوب وعد من الله أنه سينال بركة الابن الأكبر ( تك ٢٥: ٢٣ ) مع أنه كان الأصغر لكنه لم يكن له الإيمان الذى يجعله ينتظر عمل الله .. تعجل الوقت واندفع لكى ينال هذه البركة من أبيه مستخدماً طرق الغش والخداع ( تك ٢٧ ) ..

لم يفعل داود مثلما فعل يعقوب ، فقد كان له الإيمان الذى يجعله ينتظر عمل الله .. لقد رفض أن يتخلص من شاول مع أن فرصتين أُتيحتا له لقتل شاول بسهولة ، لكنه لم يفعل !! لقد رفض أن يدفع عجلة الأحداث بنفسه بخطية يرتكبها .. لقد انتظر وقت الله ، فمن يؤمن يثق فى الله أنه « لا يخزي منتظروه » ( إش ٤٩: ٢٣ ) .. لقد كان داود يحيا بكلمات الإيمان القائلة :

« انتظر الرب ..

ليتشدد وليتشجع قلبك

وانتظر الرب » ( مز ٢٧: ١٤ )

لكن .. يا للأسف

يا للأسف ، لم يكن داود بنفس هذه الصورة طيلة حياته ، لقد شَابَ حياته المملؤة بالقمم بعض القيعان القليلة .. نعم ، قد تأتى أوقات علي المؤمن القوى ، يُخطئ فيها ، وقد يكون خطأه فادحاً ..

أيها الحبيب ، إن حدث هذا معك ، فلا تترك نفسك لحظة واحدة فى الخطية .. لا تستسلم لليأس والإحباط ، لا تقل قد انتهي كل شىء .. لا ، لا تجرح أبيك السماوى .. اليأس هو عدم ثقة فى حبه ، انه سيعالج ما حدث .. لا تحزن روحه ، قُم سريعاً من سقطتك ، من يأسك .. آه ، كيف تستمر فى تجاهل محبته الأبوية المدهشة .. أنه أحبك ويحبك ، وسيظل يحبك بلا حدود ..

ومن قيعان داود القليلة أنه فى إحدي الأيام انحصر تفكيره فى محاولات شاول العديدة لقتله ، انشغل بالعيان الخطر فنسي وعود الله وفقد رؤية الإيمان والنتيجة « قال داود فى قلبه إنى سأهلك يوماً بيد شاول » ( ١صم ٢٧: ١ ) ، حينما تنظر بعين عدم الإيمان إلي الأمواج ستري أشباحاً مخيفة ( مت ١٤: ٢٦).. أما عندما تنظر بعين الإيمان ستكون رؤيتك مختلفة تماماً ، ستري الرب منتصراً علي الأمواج سائراً فوقها ..

حينما كانت لداود عين الإيمان رأي الرب منتصراً ، لم يرَ جبروت جليات بل رأي الرب .. رأي قوة الرب ، ولأنه رأي الرب وقوته فقد رأي جليات العملاق قزماً صغيراً ، فتقدم إليه وسحقه ..

لكن عندما استسلم داود للشك وفَقَدَ عين الإيمان اختلفت رؤيته ، فرأي شاول الأضعف بكثير من جليات وحشاً مرعباً !!

وماذا كانت النتيجة ؟!

وأسفاه ، لقد ارتكب داود الخطأ الفادح ..

لقد قرر أن يلجأ هو ورجاله الستة مئة مع جميع أفراد أُسرهم إلي أعداء شعبه وإلهه ، لقد قرر أن يلجأ إليهم لكى يحتمى بهم !!

وماذا كان وقع هذا علي شاول عدوه ؟

يقول لنا الوحى :

« فأُخبر شاول أن داود قد هرب إلي جت [ من بلاد العدو ] فلم يَعُد أيضاً يفتش عليه » ( ١صم ٢٧: ٤) ..

فهل صار داود فى أمان ، كلا إن مثل هذا الأمان الذى ليس مصدره الإيمان هو أمان مؤقت، زائف .. ستظهر آجـلاً أو عاجلاً نتائجه الوخيمة .. وما أقسي الثمن ، يقول سليمان « توجـد طـريق تظهـر للإنسـان مستقيمة [ آمنة ] ، وعاقبتها طُرق الموت » ( أم ١٤: ١٢ ) ..

أيها القارئ الحبيب ، قد تأتى لك تصرفات عدم الإيمان بالأمان .. لكن انتبه ، الأمان الذى لا يأتى من الإيمان ، ولا يستند علي وعود الله ، ولا تصاحبه حياة تتفق مع وصايا الله ، هو أمان مؤقت وزائف ، وذات نتائج أليمة للغاية ..

ولنري معاً ما حدث لداود ، وهل تمتع حقاً بالأمان كما كان يظن ؟!..

نعم لقد تَخَلَّصَ من خطر شاول لكن لم يمضِ وقت طويل حتي نشبت حرب جديدة بين شعب الله ، وبين الشـعب الذى هـرب إليـه داود هـو ورجاله ..

ووجد داود ورجاله أنفسهم مُضطرين أن يتركوا نساءهم وأولادهم فى مدينة صقلغ لكى ينضموا إلي جيش هذا الشعب الذى هربوا إليه .. وكم كان قاسياً جداً عليهم أن يجدوا أنفسهم فى صفوف جيش يذهب لمقاتلة شعبهم ، شعب الله ..

ولم يقتصر الأمر علي ذلك ..

فجأة هجم شعب آخر هو شعب العمالقة علي مدينة صقلغ التى ترك فيها داود ورجاله، نساءهم وأولادهم ..

وماذا فعل العمالقة ؟ يقول لنا الوحـى إنهم « ضربوا صقلغ وأحرقوها بالنار وسبوا النساء اللواتى فيها » ( ١صم ٣٠: ١ ، ٢ ) ..

وفى هذا الوقت أصدر ملك الشعب الذى هرب إليه داود أمراً بأن يعود داود ورجاله إلي صقلغ ولا يشتركوا فى القتال كما كان مُقرراً من قبل ..

عاد داود ورجاله ، فماذا وجدوا ؟! يستطرد الوحى قائلاً « فَدَخَلَ داود ورجاله المدينة [ صقلغ] وإذ هى محرقة بالنار ، ونساؤهم وبنوهم وبناتهم قد سبوا » ( ١صم ٣٠: ٣ )..

ماذا ؟ نساء وبنين وبنات داود فى أيدى الأعداء العمالقة .. فى خطر رهيب ، عُرضة لأن يحدث لهم أى شىء بما فى ذلك الموت !!

وماذا أيضاً ؟ لقد سلب العمالقة كل ممتلكاتهم ..

هذا هو دائماً حال الأمان الذى ليس مصدره الإيمان ، ما أقسي نتائجه !!

ولتتابع معى ما حدث ..

لقد اتفق رجال داود علي رأى واحد ، أن يرجموا داود ! فقد رأوه المسئول عما جري.. انظر كيف حركهم إبليس للتخلص من قائدهم الذى أحسن إليهم .. ففى لحظات اليأس والإنهيار وغياب الإيمان يتحرك إبليس بكل نشاط ليوجه أخطر سهامه مستغلاً هذه اللحظات إلي أقصي حد ممكن ..

صديقى ، احـذر أن تتخذ قراراً فى لحظات الانفعال واليأس وعدم الإيمان .. لن يكون قرارك أنت ، بل سيتخذ إبليس القرار ولن تكون أنت سوي أداة الإعلان أو التنفيذ ..

لا تنسَ تحذير الكتاب المقدس الهام « إن صعدت عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك لأن الهدوء يُسَكِّن خطايا عظيمة » ( جا ١٠: ٤ ) ..

اهدأ أولاً عند قدمى الرب ، وفى جلستك معه سيعطيك أن تتخذ القرار الصائب ..

 

الخطــر

كان الموقف خطيراً بالفعل علي نساء وأبناء وبنات داود ورجاله فقد صاروا فى أيدى العمالقة القُساة ..

وكان الموقف أشد خطورة علي داود نفسه، فها هم رجاله أحباؤه يتفقون معاً علي رجمه..

كيف ينجو من اتفاق ستمائة رجل علي قتله ؟!

ثم كيف يسترد أُسرته وأُسر رجاله ؟ كيف ينقذهم من عبث العمالقة وشرهم ؟

كيف ، وقد أنهكت قواه الدموع الغزيرة التى سكبها مع رفقائه عندما عادوا إلي المدينة ، وعلموا بما حدث ؟.. لقد بكوا كما يخبرنا الوحى « حتي لم تبق لهم قوة للبكاء » ( ١صم ٣٠: ٤ ) ..

كيف ؟ هل قد تأخر الوقت ؟

هل هى لحظات قليلة وتنهال الحجارة علي داود من كل جهة ليموت وقد التصق به عار الخيانة لشعبه وخزي اللجوء إلي الأعداء ؟

وماذا عن نساء وأبناء وبنات داود ورجاله .. هل أُهينوا ؟ هل اعتُدِيَ عليهم ؟

لم يستسلم داود للأحداث ، ولم يدع ذهنه يمتلئ بالظنون المخيفة ..

كان يعرف أن إلهه « ملجأ .. عوناً فى الضيقات وُجِد شديداً » ( مز ٤٦: ١ ) ..

لكن هل يقدر أن يلجأ إلي الله ؟!

إن كل ما حدث كان نتيجة لخطيته ، لعدم إيمانه ، للجوئه إلي أعداء شعبه طلباً للحماية.. فهل لا تزال له الدالة التى كانت له لدي الله؟ هل يقدر أن يطلب منه بثقة كما كان يفعل من قبل ؟ .. قبل أن نجيب دعنا ندرس أولاً كيف استغل إبليس هذا الموقف ..

دور إبليس

إبليس عدو خبيث ، منتهز للفرص .. لاشك أنه انتهز هذه الفرصة لكى يصيب داود باليأس لكيلا يلجأ إلي الله .. ربما يكون قد همس فى أُذنه قائلاً : « داود ، لقد أخطأت خطأ جسيماً ، كيف فعلت ذلك ، أنت الذى اختارك الله لتكون ملكاً ؟ كيف خُنْتَ دعوتك ، كيف لجأت لأعداء شعبك ؟؟ كلا ، ليس غريباً أن تحصد مازرعت وتموت بأيدى أحبائك الذين أورطتهم معك .. إنها لوقاحة أن تلجأ إلي الله الآن » ..

آه ، كثيراً ما يفعل إبليس ذلك معنا ، لكى نستسلم لنتائج ما فعلناه من أخطاء ولا نلجأ إلي الله ليتعامل معنا بالرحمة ..

آه ، لأفكار إبليس المسمومة التى تُريد أن تُنسينا أن الله هو أب لنا وسيظل أباً لنا ولن يتخلي عنا ، إنه يتوق جداً لتوبتنا لا لعقابنا ..

نعم هو أب .. هو أعظم أب فى الوجود .. إن سمح لشىء ما أن يحدث لنا ، فهذا فقط لكى يؤدبنا ، ولكن فى اللحظة التى نفهم فيها الدرس ونرفض خطايانا رفضاً حقيقياً من القلب ، فى ذات هذه اللحظة عينها يُزيح عنا كل خطر ، بل ويبدأ فى تعويضنا عن أى ضرر لحق بنا ..

ما أعظمه أب .. ما أعظمه .. ما أعظمه..

مهما كان الجُرم الذى ارتكبته .. مهما كانت نتائج ما فعلتَ ، بإمكانك أن تفعل مثل الابن الضال ، تقـوم وترجع سريعاً إليه ، وسيتغير كل شىء ..

سيُرفع عنك التأديب ، وستسمع بأُذنيك الكلمات الذهبية المطمئنة ..

« ابنى هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فَوُجِدَ .. » ( لو ١٥: ٢٤ )

« أَخرجوا الحلة الأولي والبسوه

اجعلوا خاتماً فى يده ،

وحذاءً فى رجليه » ( لو ١٥: ٢٢ )

نعم ، قد نؤدب عندما نخطئ ، ولكن التأديب شىء غير العقاب .. عصا التأديب ، تمسك بها يد المحب الذى يحبك بلا حدود ..

تُب ، وستجد أن نفس اليد التى أمسكت بالعصا ، هى التى تربت علي كتفك بحنو بالغ.. لقد انتهي وقت التأديب وبدأ وقت التعويض..

ما أعظم حب الله

اقرأ معى بإمعان ما قالته كلمة الله وهى تصف لنا هجوم العمالقة علي مدينة صقلغ، وانتبه معى إلي هذه العبارة :

« لم يقتلوا [ أى العمالقة ] لا صغيراً ولا كبيراً » ( ١صم ٣٠: ٢ )

نعم ، لقد استخدم الله هجوم العمالقة ليُنقّى به داود وكل رجاله من الميل إلي استخدام حلول عدم الإيمان .. نعم ، لقد سمح للعمالقة أن يأسروا عائلاتهم ، لكن انتبه جيداً أنه لم يسمح لهم أن يقتلوا ولا حتي طفلاً واحداً منهم ..

أيها الحبيب قد تجلب لك أخطاؤك الأخطار .. لكن ثِقْ أن مراحم الرب تُرافقك ولن تسمح لنتائج خطاياك أن تفعل بك أكثر من أن تقودك للتوبة .. مراحم الرب فى انتظار عودتك وإعلان إيمانك لتُكَمِّل عملها المجيد معك ..

والآن لنري ما فعله داود ..

لاشك أنه ندم كل الندم علي خطيته ، علي عدم إيمانه ..

لكنه فعل أيضاً أمراً آخراً فى غاية الأهمية..

لقد حَوَّلَ نظره عن العيان ..

لقد حَوَّلَ نظره عن الرجال الذين عزموا علي قتله ..

ولقد حَوَّلَ نظره عن التأمل فى عجزه ..

لقد قرر أن يسلك بالإيمان .. أن يُحَوِّلَ نظره إلي فوق ، إلي الله .. هذه هى نقطة التحول فى مسار الأحداث ، لقد عاد داود إلي إيمانه السابق ..

يقول الوحى : « أما داود فتشدد بالرب إلهه» ( ١صم ٣٠: ٦ ) ..

تشدد بإلهك

تأمل معى هذه الآيات المعزية جداً من سفر إشعياء :

« السيد الرب يعيننى لذلك لا أخجل..

عرفت أنى لا أخزي ،

هوذا السيد الرب يعيننى ،

من الذى يسلك فى الظلمات ولا نور له ، فليتكل علي اسم الرب ، ويستند إلي إلهه »

( إش ٥٠: ٧ ، ٩ ، ١٠ )

« يُعطى المُعى قدرة ، ولعديم القوة يُكَثِّرُ شدَّةً [Strength] » ( إش ٤٠: ٢٩ ) ..

أيها القارئ الحبيب ..

هل تري ذاتك بلا أدنـي قـوة فى مواجهة الأحداث ؟

هل تقول إننى عاجز ، بلا أية قدرة علي إيقاف الخطر الذى أراه يقترب منى بسرعة ؟

ها هى الآيات السابقة تعلن لك هذه الحقيقة العُظمي ، إن الله يريد :

  • أن يُقَدِّم لك نوراً إن كنت تتخبط وسط ظلمة شديدة ولا تعرف أين المخرج ..
  • وأن يُعطيك قدرة إذا كنتَ تشـعر بالإعياء ..
  • وأن يمنحك شدة إذا كنتَ قد فقدت قوتك ..

تأمل ، الآية تقول إن الله « يُكَثِّرُ شدة » .. يالفيض النعمة الغنية ، يالفيض نعمة الله !! لن يُعطى شدة (Strength) عادية ، كلا ، سيعطينى شدة تتضاعف (multiply) ، تكثر وتكثر لكى تعلو بى فوق كل ما يهدد أمنى وسلامى ..

أيها الحبيب ..

الله يريدك أن تُحَوِّل وجهك عن العيان ، عن كل ما تراه بعينيك أو ما تسمعه بأُذنيك من أُمور تزعجك وتخيفك ..

هو يُريدك أن تلجأ إليه بكل قلبك ، وأن تثق فيه برغم كل ما حدث ، وبرغم نتائج أخطائك..

هو يفرح جداً عندما يراك واثقاً فى حبه.. فى مراحمه .. فى غفرانه .. فى علاجه للأخطاء .. فى ترميمه للثغرات ..

ثق فيه .. ثق فيه بكل قلبك .. وآنذاك سيتمجد معك ، وبكل قوة ..

أيها الحبيب ، لا تنسَ أن هذه الثقة هى التى أنقذت داود من موت محقق ، وبإمكانها أن تنقذك أنت أيضاً إن كنت فى احتياج الآن ..

نجاة داود

لقد رأينا داود يخطئ خطأً جسيماً ..

ورأيناه يستسلم للشك ، ويلجأ إلي أعداء شعبه طلباً فى الاحتماء ..

ورأينا نتيجة ما فعل ، لقد هَمَّ أحباؤه وأصدقاؤه فى الرحب والشدة أن يقتلوه رجماً..

لكنه لم يمت ، لقد نجا من هذا الموت .. لقد نجا فى اللحظة الأخيرة ..

كيف ؟

لقد وثق !!

يقول الوحى « أما داود فتشدد بالرب إلهه» ( ١صم ٣٠: ٦ ) ..

لقد طرح جانباً كل المنظور المخيف ، لقد تشدد بالرب .. لاحظ معى أن الوحى لم يقل أنه تشدد بالرب الإله بل بالرب إلهه ، فبالرغم من بشاعة الخطأ الذى ارتكبه داود إلا أن الله لا يزال هو إلهه .. يا لهذه النعمة الغنية التى تعلنها لنا كلمة الله فى هذه القصة ، وفى غيرها من أماكن كثيرة من الوحى ..

تأمل الابن الضال ، ألم ينفق نصيبه من أموال أبيه فى عيش مُسرف مع الخطاة ؟! ومع هذا فعندما عاد لم يسمح له الأب أن يقول « اجعلنى كأحد أجراك » .. كان يراه ابناً طول الوقت ، بل لقد أمر عبيده أن يُلبسوه الحلة الأُولي ( ربما يكون رداء الأب نفسه ) ..

تأمل أيضاً ، كلمات الرب يسوع إلي مريم المجدلية صباح يوم القيامة .. فبالرغم من ترك التلاميذ له وبالرغم من إنكار بطرس ، إلا أنه يؤكد لها أن الله لا يزال إلههم وأبيهم ( يو ٢٠: ١٨ ) ..

ياللنعمة الغنية !!

ياللنعمة الغنية !!

الله لا يزال يُرَحـِّبَ بك .. إن كنت لا تزال بعيداً .. تعالَ إليه الآن ، تعالَ سريعاً ، هو يُريدك أن تتمتع به إلهاً لك ، وأباً لك .. وفرق بين أن يكون الله هو إله الكون الفسيح ، الإله الذى يعبده الكثيرون ، وبين أن يكون هو إلهك أنت .. إلهك وأبيك الذى له علاقة خاصة معك ..

تشدد داود بإلهه ..

اعتمد علي الإيمان ..

وَثَقَ فى مراحم الله القوية .. آمن أنه يعفو فيُنجى ( إش ٣١: ٥ ) ..

وماذا كانت النتيجة ؟

لقد تغير كل شىء .. كل شىء ..

وأنت أيضاً ، هل يهاجمك خطر ؟ ثق ، ثق فى إلهك .. ثق فى حبه ، فى حنانه ، فى رحمته ، فى قـوته ، وسـيتغير كل شىء ، وسيتحول ليكون لخيرك ..

لقد تغير كل شىء مع داود ، أليس هذا ما تؤكده لنا كلمات الله فى المزمور « لأنه تعلق بى أُنجيه » ( مز ٩١: ١٤ ) ..

فجأة ! اختفي الدافع لقتل داود من كل رجل من رجاله الستمائة ( وهو عدد ليس بقليل ) .. لقد أبطل الله شكاية الشيطان علي داود التى امتلأت بها أذهانهم ..

فجأة ، عاد الستمائة كما كانوا من قبل خاضعين لداود ، وكأن شيئاً لم يحدث منه !!

ياللإنقاذ الإلهى ، الله دائماً يُمجد الإيمان !!

وماذا فعل داود ؟!

لن يكرر الخطأ ، لن يتصرف دون أن يستشير الله ، لن يتصرف بدون قيادة كلمته .. يقول الوحى « فسأل داود من الرب قائلاً .. إذا لحقت هؤلاء الغزاة ( العمالقة ) فهل أُدركهم .. فقال له الحقهم فإنك تدرك وتنقذ » ( ١صم ٣٠: ٨ ) ..

ووثق داود فى كلمات الله التى أتت إليه عن طريق أبياثار الكاهن ..

ثق أنت أيضاً فى كل وعود الله المسجلة لك فى الكتاب المقدس ، وستتوالي انتصاراتك أنت أيضاً .. هل تُريد أن تنتصر فى هذه الموقعة التى تجتاز فيها الآن ، ابحث فى الكتاب المقدس عن الآيات التى تحمل لك وعود الله الأمينة التى لها علاقة بما تمر به ، تَمَسَّك بهذه الوعود ..

لقد تشدد داود بإلهه ..

وَثَقَ فى كلمات إلهه ..

والنتيجة أنه تمتع بقوة إلهه المنقذة ..

وأنت أيضاً بإمكانك أن تتشدد بإلهك .. أن تثق فى قوة كلمات إلهك ، وستتمتع بقوته.. لقد أعطي الله لداود ولرجاله القوة لكى يلحقوا بالعمالقة الذين غزوا صقلغ وسبوا نساءهم وأطفالهم ..

ويُسجل لنا الوحى نتيجة المعركة :

« واستخلص داود كل ما أخذه عماليق وأنقذ داود امرأتيه ، ولم يُفقد لهم شىء لا صغير ولا كبير ولا بنون ولا بنات ولا غنيمة ولا شىء من جميع ما أخذوا لهم بل رَدَّ داود الجميع » ( ١صم ٣٠: ١٩ ) ..

اقرأ هذه الآيات مرة أخري .. تأمل استخدام الوحى ست مرات لكلمة « لا » ليؤكد بها عمل الله المدهش فى استرداد كل شىء سُلِبَ بسبب عدم الإيمان .. تأمل أيضاً العبارات « لم يُفْقَد لهم شىء .. رَدَّ داود الجميع » ..

ياللمجد ، ياللانقاذ الإلهى الشامل والكامل، ينتصر داود فى المعركة بلا خسارة واحدة .. هكذا يقتدر الإيمان ويُعيد لك كل ما سلبه منك العدو بسبب خطايا الماضى ..

إلي الاغتناء

واعجب معى لما حدث ..

لم يسترد داود ورجاله فقط ما سلبه منهم الأعداء .. أكثر من هذا ، لقد اغتنوا جداً من هذه المعركة ..

نعم الإيمان لا يَرُد لنا فقط المسلوب بل يُغنينا جداً ..

لقد اغتني داود ورجاله من غنائم هذه المعركة ، وبل أرسلوا منها إلي مدن كثيرة من مدن شعبه ( ١صم ٣٠: ٢٦ ـ ٣١ ) تعبيراً عن محبتهم للشعب .. لا تنسي أن الإيمان الحقيقى يرتبط به دائماً الحب الحقيقى ( ١كو ١٣: ١٣ ، ١تس ٢: ٨ ) ..

لقد اغتني داود ورجاله ..

لقد اغتنوا وصاروا قادرين أن يغنوا آخرين..

ياللمجد ، ياللمجد ! اُنظر كيف غَيَّرَ الإيمان الموقف تماماً !! اُنظر كيف غَيَّرَ الأُمور كلها رأساً علي عقب !! من خطر الموت لداود ، ولنسائه ، ولأولاده وبناته إلي اغتناء وفرح عظيم ..

لقد تَحَوَّلَ عماليق من مصدر للخطر بلغ الموت إلي مصدر للإغتناء بلغ الامتلاء وإغناء الآخرين ..

هذا ما يفعله الله معنا حينما نثق فيه ، فى حبه ورحمته وقوته التى تصنع العجائب ، يُصَيِّر مصدر الخطر ، مصدراً للبركة .. يُخرج من الجافى حلاوة ( قض ١٤: ١٤ ) ..

فى العهد القديم ، حينما كان يُكْتَشَف السارق ، كان عليه أن يَرُدَّ ما سلبه سبعة أضعاف ، حتي ولو أدي ذلك إلي إفراغ بيته من كل المقتنيات ( أم ٦: ٣٣ ) ..

كان الأشخاص الذين سُلِبُوا يأتون بعد اكتشاف السارق ليُخبروا بما سُرِقَ منهم حتي يُرَدّ إليهم سبعة أضعاف .. تعويضاً عما لحق بهم من أذي ..

والآن تأمل .. إبليس هو بلاشك أعظم سارق علـي الإطـــلاق « لا يــأتــى إلا ليســـرق » ( يو ١٠: ١٠ ) .. إنه يسرق من الناس أعظم ما يمتلكون .. يسرق من أذهانهم الهدوء ، ومن قلوبهم الفرح ، ومن أجسادهم الصحة .. كما يسرق الأموال والمقتنيات ..

لكن أتي الرب يسوع .. وياللنعمة الغنية ، لقد أتي ليرد إليك كل ما سلبه إبليس منك ، ولكى يعوضك أضعاف عن كل أذي لحق بك .. كم يحبك ..

لقد أتي الرب يسوع لكى ينقض أعمال إبليس ( ١يو ٣: ٩ ) ، لذا فبإمكان أى شخص الآن سرق منه إبليس شيئاً أن يثق باسم الرب، أن المسلوب سيسترد وأنه سينال تعويضاً أضعاف عن كل أذي ..

أيها الحبيب ، هل سرق إبليس شيئاً منك ؟

تعال ، تعال الآن بكل قلبك إلي الرب يسوع.. قُل له :

أشكرك ، أشكرك يامن أحببتنى بلا حدود ..

أشكرك لأنك قبضت علي السارق وربطتــــه ونهــــبت أمتعتـــــه ( مت ٢١: ٩١ ) .. أثق أنك سَتَرُدَّ كل ما سلب منى ..

أشكرك لأنك ستعوضنى عن كل أذي وستعوضنى أضعاف ..

أيها الحبيب ، هل نجح العدو فى أن يسرق من جسدك قوته ؟

هل نجح فى أن يسرق منك أموالك ؟

تعال إلي الرب يسوع ..

اعترف بحياتك الماضية ، التى أعطت للسارق الشرير فرصة أن يسلب منك ما سرقه ..

تعال إلي الرب فهو الأقوي من هذا السارق ( لو ١١: ٢٢ ) ..

تعـال إلي الرب الذى حَطَّمَ كل قـوة هذا السارق ..

تعال إليه واثقاً أنه قَيَّدَ هذا السارق من أجلك ..

تعال إليه .. قُل له :

أشكرك لأنك سَتَرُدَّ لى سبعة أضعاف صحتى المسروقة .. سبعة أضعاف أموالى المسلوبة ..

حينما نستيقظ من سُبات الخطية ومن نوم عدم الإيمان ، ونأتى إلي الرب بكل قلوبنا ونضع كل ثقتنا فىه .. فهو سَيُعَوِّض لنا عما فقدناه ، وسيُغنينا فى كل شىء حرمتنا منه الخطية والشك ..

إلي العرش

ولم تمضِ إلا أيام قليلة حتي قُتل شاول عدو داود الأول ، « وأتي رجال يهوذا ومسحوا داود ملكاً » ( ٢صم ٢: ٤ ) ..

يالعظمة الإيمان !!

الإيمان أنقذ داود من الموت بيد أصدقائه فى بلاد الأعداء كخائن لشعبه ، ورفعه إلي ملك يجلس علي العرش « يتزايد متعظماً » ( ٢صم ٥: ١٠ ) ..

يالعظمة الإيمان !!

الإيمان حَوَّلَ داود من خطر التعرض للعار والخزى إلي التمتع بالمجد ، كملك من الله ، « أعلي من ملوك الأرض » ( مز ٨٩: ٢٧ ) ..

أيها الحبيب ، بإمكانك أنت أيضاً أن تتمتع بعمل هذا الإيمان ، فإله داود هو إلهك .. وهو « إله المجد » ( أع ٧: ٢) ، الإله الذى « يعفـو فيُنجـى » ( إش ٣١: ٥ ) ، الذى يُريد أن يحميك من الخزى ليُمتعك بالمجد ..

لا ، لن أنظر إلي العيان المخيف ..

لا ، لن أنشغل بالرياح والأمواج ..

لا ، لن أسمح للإحساس بالفشل أو اليأس أن يتسلط علىَّ بسبب ما ارتكبته من آثام ..

لا ، لن أستمع لشكايات إبليس التى يريد بها أن يحطم معنوياتى ..

لا ، إننى أثق فيك ..

أثق فى دم ابنك الغافر والمطهر ، والذى يعطى الحماية ..

أثق فى مراحمك الكثيرة ..

أثق ، وسأظل أثق فى حبك الأبوى ..

أحببتنى .. تحبنى .. وستظل تحبنى .. وحبك سيغير كل شىء .. سيغيره لخيرى .. لإغتنائى .. ولمجدى ..

هللـويا !! هللـويا !!

٢ ـ حَوِّل عينيك ..

هذه قصة كالقصة السابقة تؤكد هذه الحقيقة الذهبية .. إن إلهنا يحبنا جداً جداً، لذا فهو يعالج أخطاءنا ونتائج تصرفاتنا الحمقاء.. إنه يتلهف رجوعنا إليه ، لكى يعكس اتجاه دوران عجلة الأحداث ، فلا نكمل حصد ما زرعناه من شوك نتيجة لما ارتكبناه من أخطاء بل نتمتع بتعويض عن كل ما فقدناه ..

والقصة من القصص المسجلة فى الأناجيل الأربعة من العهد الجديد ، وبالرغم من أننا سمعناها كثيراً لكنها تظل دائماً قصة جديدة تنعش إيماننا ..

بطرس يغرق

أَمَرَ الرب بطرس أن يأتى إليه سائراً علي المياه.. أطاع بطرس وسَارَ فترة ، لكن فجأة بدأ يغرق !! ما السبب ؟.. يشـرح لنا الكـتاب المقدس الأمر فيقول :

« نزل بطرس من السفينة ، ومشي علي الماء ليأتى إلي يسوع ، ولكن لما رأي الريح شديدة خاف .. وإذ ابتدأ يغرق صرخ » ( مت ١٤: ٢٩ ، ٣٠ ) ..

لقد ابتدأ بطرس يغرق عندما خاف من الغرق !

هذا هو الخطأ الفادح الذى سقط فيه بطرس ، الاستسلام للخوف .

استسلم بطرس للشعور بالخوف من الغرق، فبدأ يغرق بالفعل ..

الاستسلام للخوف أمر خطير جداً لأنه يعنى ببساطة فقدان الإيمان بحماية الله ..

وحين نفقد الإيمان ونستسلم للشك ، نفقد الحماية ، فيأتى إبليس ويؤذينا بذات الأذي الذى خفنا من حدوثه ..

خاف بطرس من الغرق فبدأ يغرق ..

وكثيرون مثله تقع لهم حوادث مؤذية لأنهم سمحوا للخـوف من وقوعهـا أن يسـيطر علي قلوبهم ، يقول أيوب « الذى فزعت منه جاء علىَّ » ( أى ٣ : ٢٥ ) ..

ما أخطر الاستسلام للخوف ، فهو يعنى الشك فى حماية الله لنا .. وهذا الشك يجعلنا ضعفاء أمام إبليس فيقدر علي إيذائنا.. الله يُريدنا أن نطمئن ، وأن نثق فى حمايته ، أما إبليس فيُريدنا أن نفقد سلاحنا الأول فى الحرب معه ، سلاح الإيمان ..

إبليس يريدنا أن نخاف .. أما الله فلم يعطنا روح الخوف ، يؤكد الرسول بولس قائلاً :

« إذ لم تأخـذوا روح العبودية أيضاً للخوف ، بل أخذتم روح التبنى الذى به نصرخ يا أبا [ يا أبانا ] الآب »

( رو ٨: ١٥ ) ..

الله لم يعطنا روح الخوف ، بل أعطانا روح التبنى !!

إننا أبناء ، نعم ومن امتيازات الأبناء أن يتمتعوا بحماية أبيهم ..

إننـا أبنـاء .. لمن ؟.. أبنـاء الآب السـماوى الذى يقول لكل ابن له « لا أهملك ولا أتركك» ( يش ١: ٥ ) ..

لا أهملك ولا أتركك

هل تؤمن بهذا الوعد العظيم .. إن آمنت به حقاً هرب الخوف من داخلك .. تأمل ، لقد آمن كاتب الرسالة إلي العبرانيين بهذا الوعد، فكتب فى رسالته قائلاً :

« لأنه قال لا أهملك ولا أتركك ، حتي أننا نقول واثقين [ الكلمة فى اليونانى تعنى بجرأة boldly ] الرب معين لى فلا أخاف . ماذا يصنع بى إنسان » ( عب ١٣: ٥ ، ٦ )

اُنظر ، لقد آمن لذا تكلم بثقة مُعلناً أنه فى المستقبل لن يخاف ـ فهكذا يؤكد استخدامه لزمن الفعل « لا أخاف » فى الأصل اليونانى ..

لنمتلك هذا الإيمان ، الإيمان الذى يجعل كلمات أفواهنا تخلو من كل ما يُعَبِّر عن الخوف والهلع ، والشك فى حماية الله لنا ..

لنمتلك هذا الإيمان ، الذى يجعلنا ننطـق بثقة مع الرسول بولس ومع المسيحيين الأوائل: « نقول واثقين الرب معين لى فلا أخاف [ فلن أخاف ] ماذا يصنع بى إنسان » ..

أيها الحبيب ردد هذه الآية كثيراً « لا أهملك ولا أتركك » ، ولا تسمح لفمك أن ينطق بأية عبارة تُكَذِّب هذه الحقيقة .. ردد هذه الآية كثيراً، ستعمل فيك ، وستجبر الخوف علي الهروب، كما ستهرب منك أيضاً الخيالات المزعجة التى تهاجم ذهنك بخصوص الأحداث القادمة.. نعم ردد هذه الآية كثيراً وستقول بثقة مع الرسول بولس ، لن أخاف .. لن أخاف ..

أيها الحبيب ، « الله لم يعطنا روح الفشل » ( ٢تى ١: ٧ ) ، وكلمة فشل فى الأصل اليونانى تعنى أيضاً الجُبْن والمذلّة والخوف ..

انشغل بالرب

حين كان بطرس ينظر إلي الرب يسوع ، كان يسير فوق المياه منتصراً ، لكن حين حَوَّلَ عينيه عن الرب الحبيب الذى يشع سلاماً ، وتَطَلَّعَ إلي الأمواج وانشغل بها دخل الخوف إلي قلبه .. والخوف يعنى فقدان الإيمان .. يعنى الشك فى حماية الله .. وما أخطر الشك ، إنه يُفقدك الحماية ..

أيها الحبيب ، هل تتعرض الآن لخطر ما ؟ لا تنشغل بهذه الظروف المحيطة ، لا تُفَكِّر فيها كثيراً .. انشغل بالرب .. انشغل بالرب ..

انشغل بشخصه الرائع ..

انشغل به ، تلذذ بالحديث معه ..

انشغل بكلماته التى كلها عذوبة وحلاوة..

انشغل بالرب .. الانشغال بالرب يملأ القلب ثقة وإحساساً بالأمان ، أما الإنصات لتهديدات إبليس فيبث فيه الشك والخوف ..

لم ينشغل بطرس بالرب ..

انشغل بالأمواج ..

ما أخطر جداً أن تتحول قلوبنا عن الرب ، ما أخطر أن تنشغل بالأمواج التى تُهاجمنا ..

انشغل بطرس بالأمواج فدخل الخوف إلي قلبه ..

كان بإمكانه أن ينتهر هذا الخوف ..

نعم ، كان بإمكانه أن يُحَوِّل عينيه عن النظر إلي الأمواج ، ليتطلع مرة أُخري إلي الرب السائر فوق الأمواج ، ويعود إلي الانشغال به ..

لكنه لم يفعل !!

استسلم للخوف .. استسلم للشك ..

وما أخطر أن نستسلم للخوف والشك ..

الخوف من إبليس والشك فى حماية الله أمران يجب أن تقاومهما فى الحال وبكل حزم متي هجما عليك ..

قاومهما بسيف الروح ، أى بكلمة الله الحيّة والفعالة ( أف ٦: ١٧ ) .. يمكنك أن تردد الآيات التى تتحدث عن حماية الله وإنقاذه لك ..

قاومهما بأن تنتهرهما باسم الرب يسوع..

وقاومهما بأن تركز النظر فى الرب ..

قاوم الخوف .. قاوم الشك ، بكل إصرار .. واستمر فى المقاومة حتي ينتهى الهجوم .. لن يحتمل العدو مقاومتك ، لن يحتمل ترديدك لإسم الرب يسوع .. لن يحتمل سماع آيات الإيمان .. حتماً سيهرب ، وسيهرب معه كل من الشـك والخـوف ، تحقيقاً لوعد الكلمة « قاوموا إبليس فيهرب منكم » ( يع ٤: ٧ ) ..

لم يقاوم بطرس الخوف والشك ، لم يقاوم إبليس الذى يقف وراءهما .. وهذا هو الخطأ الفادح : الاستسلام ..

لقد امتلأ بالخوف والشك ، وفَقَدَ الإيمان ، فماذا كانت النتيجة ؟

لقد ابتدأ يغرق ..

لكن فى اللحظة الأخيرة قبل أن يسقط نهائياً فى القاع ويموت ، استجمع كل قوة باقية فيه وصرخ « يارب نجنى » ( مت ١٤: ٣٠ ) ، وكانت الصرخة التى غَيَّرَت كل شىء ..

« يارب نجنى » ..

إنها صرخة التسليم الكامل لحُب الله وقوته .. التسليم للإله الذى « يُنجى البائس فى ذله » ( أى ٣٦: ١٥ ) .. والذى يقود من الضيق إلي رحب لا حصر فيه ( أى ٣٦: ١٦ ) ..

إنها الصرخة التى تُنقذ من الخطر ، والتى تُحَوِّل مسار الأحداث ..

إنها الصرخة التى تُغلق الباب أمام اللعنات، لتفتح الباب لتدفق البركات ..

لقد صرخ بطرس وهو يغـرق قـائـلاً « يارب نجنى » ..

وماذا حدث ؟

يقول الكتاب « ففـى الحـال مد يسوع يده وأمسك به » ( مت ١٤: ٣١ ) ..

« ففى الحال » ، يالها من عبارة !!

أيها الحبيب ، لن يتأخر الرب لحظة واحدة عن الوقت المناسب لإنقاذك ..

ولم يمت بطرس

لقد أنقذه الرب من خطر الموت غرقاً ، ثم بدأ التعامل معه لينقـذه من أصـل [ جـذر ] المرارة ( عب ١٢: ١٥ ) المختبئ فى قلبه .. اُنظر ماذا قال له مباشرة بعد إنقاذه ، « يا قليل الإيمان لماذا شككت ؟ » ( مت ١٤: ٣١ ) ..

نعم ، حُبّ الله لك ليس مطلقاً حباً سطحياً ، فلن ينقذك من الخطر ، ولن يشفيك من المرض دون أن يهتم بقلبك ، بشفائه من جذر الخطر ..

ما أعظم عمل الرب !! إنه يقتلع جذور الخطر المختبئة داخل القلب !!

ولم يغرق بطرس .. وتعامل الرب مع جذر الخطر الذى فى قلبه .. عدم الإيمان ..

وسار بطرس من جديد فوق المياه ..

بل سار فى مجد أعظم !! قبل أن يغرق كان يسير وحيداً ، ولكن بعد نجاته سار فوق المياه ويده فى يد رب المجد ..

كم أشكرك ربى الحبيب

فكما فعلت مع بطرس

ستفعل معى ..

لن تتركنى أغرق ..

تمد يدك القوية وتنتشلنى

لأسير معك فوق المياه ..

منتصراً علي الخوف والفشل والإحباط .. وأكون أعظم مما كنت فى أى وقت من قبل ..

والآن أيها القارئ الحبيب وقد تأملنا فى قصتى داود وبطرس ، فليسأل كل منا نفسه هل ارتكب فى الماضى أخطاءً فادحة ؟

وهل يجنى الآن ثمار ما فعل ؟

  • هل ارتكب خطأ داود ؟ هل شك فى وعود الله ثم تصرف لحماية نفسه مثل أولاد العالم ( مستخدماً الكذب والالتواء وما شابه ذلك ) ؟
  • هل سقط فى خطأ بطرس ؟ هل انشغل بالأمواج وحَوَّلْتَ عينيه بعيداً عن الرب مستسلماً للخوف ؟

أيّاً كان الخطأ الذى ارتكبته أيها الحبيب .. وأيّاً كانت نتائجه المرة .. وحتي لو كنت الآن قد بلغت اللحظة الأخيرة وصرت علي وشك السقوط فى حفرة الموت .. فبإمكانك أن تُنجى نفسك .. نعم ، بكل يقين بإمكانك أن تُنجى نفسك !!

هيا ، حَوِّل النظر عن العيان ..

حَوِّل عينيك عن الأمواج التى تُخيفك ..

حَوِّلهما عن الآلام ، عن كل شىء يقول لك ليس هناك رجاء ..

حَوِّلهما إلي فوق ..

ثم اُصرخ إليه من الأعماق .. اُصرخ عن احتياج .. كما صرخ بطرس .. إنه ينتظر هذه الصرخة ..

هو يحبك ويريد أن يمتعك بحبه العجيب.. حبه وهو يحول لك اللعنة إلي بركة ( تث ٢٣: ٥ ) ..

حبه وهو يُخرج لك من الآكل أُكلاً ( طعاماً) ومن الجافى حلاوة ( قض ١٤: ١٤ ) ..

لقد تمتع بهذا الحب داود ، وكذلك بطرس ، بعد أن أخطأ كل منهما .. وبإمكانك أن تتمتع أنت أيضاً به .. فالله ، إله داود وبطرس هو أيضاً إلهك ، وهو يحبك ، يحبك جداً .. بلا حدود ..

هيا .. اصرخ إليه ..

نعم ، سيمد يده القوية إليك ..

إنه يعرف كل ظروفك .. يُقَدِّر كل متاعبك .. وهو يتلهف لسماع صرخة إيمانك لكى يتدخل وينجيك ويسدد كل احتياجك ..

سينقذك ..

هل تحتاج معجزة ؟

ليست هناك أية مشكلة .. هو إله المعجزات والمستحيلات ..

لا تستصغر إلهك ، لا تَحِدّ قوته بتفكيرك.. اُنظره كما هو ، كُلّى القدرة « الصانع العجائب العظام وحده » ( مز ١٣٦: ٤ ) ..

هيا حَوِّل عينيك عن الظروف الصعبة التى تعبر بها .. اُنظر إلي إلهك القدير ..

احذر إبليس الذى يستخدم هذه الظروف لكى يجعلك تتذمر علي إلهك ..

قاوم إبليس ، قاوم الخوف ، وأيضاً قاوم التذمر ، ثَبِّت عينيك علي إلهك .. تَمَسَّك به ، سيتدخل بقوته العجيبة فقد وَعَدَ « ادعنى فى وقت الضيق ، أُنقذك » ( مز ٥٠: ١٥ ) ..

سيُحَوِّل مسار الأحداث ..

سيُغير الأُمور لتصير كلها لخيرك ..

ولن يكتفى بإنقاذك ، سيُعَوِّضك عما فقدته .. سيعطيك أكثر ، أكثر بكثير .. وسيفعل أمراً آخراً بالغ الأهمية ، سيتعامل مع قلبك وسينقيه من جذور الخطر المتأصلة فيه .. سينقيه من الخوف والتذمر وكل مظاهر عدم الإيمان الأخري ..

أيها القارئ ..

إن كنت فى خطر ..

إن كان لك احتياج ماسّ ..

هيا لا تُضَيِّع الوقت ، هيا إلي إله المعجزات..

تأمل هذه المرأة

كانت مصابة بنزيف للدم مدة اثني عشـرة سنة ..

وماذا أيضاً ؟ لقد فقدت كل أموالها ، يقول الكتاب « وأنفقت كل ما عندها [ فى العلاج ]» ولكن « لم تنتفع شيئاً » ( مر ٥: ٢٦ ) ..

لقد « تألمت كثيراً من أطباء كثيرين .. صارت إلي حال أردأ » ( مر ٥: ٢٦ ) ..

ماذا عن نفسيتها ؟ .. هل فقدت رجاؤها مع فناء أموالها ؟

ماذا ؟ هل أُصيبت باليأس نتيجة الألم القاسى الذى عانت منه طوال فترة علاجها ؟

هل شعرت أن الله ضدها ؟

هل تذمرت عليه ؟ أم شعرت أنها امرأة سيئة لا تستحق الشفاء ؟

ربما ، فَلَكَ أن تتخيل اثنتي عشرة سنة ، تنفق من صحتها ومن أموالها وهى تتألم نفسياً وجسدياً ، وبلا نتيجة بل تسير إلي الأردأ ..

لكن أخيراً « سمعت بيسوع » ( مر ٥: ٢٧ ) ..

لقد سمعت هذا الخبر السار ، أنه أتي لينادى للمأسورين بالإطلاق ( لو ٤: ١٨ ) ، أنه يتحنن علي الناس ويشفى مرضاهم ( مت ١٤: ١٤ ) ، وأن كل من لمسه شُفى ( مر ٦: ٥٦ ) ..

لقد آمنت بهذا الخبر ، تَذَكَّر أن « الإيمان [ هو ] بالخبر » ( رو ١٠: ١٧ ) ..

وماذا فعلت ؟

هل قالت فى نفسها إننى أسوأ من أن آتى إلي الرب ؟

هل قالت : إننى خاطئة كيف تكون إرادة الله أن أُشفَي ؟

هل قالت شيئاً مثل هذا ؟

كلا ، لقد سمعت الخبر ، لقد دخل هذا الخبر قلبها .. لقد صدقته ..

لقد امتلكت الإيمان الذى يُبدد كل شك ، وكل أفكار مُحبطة ..

اُنظر ماذا قالت فى نفسها ؟

« قالت فى نفسها إن مسست ثوبه فقط شُفيت » ( مت ٩: ٢١ ) ..

لقد اعترفت أمام نفسها بما وثقت به فى قلبها ..

وشقت طريقها بين الزحام ، تُريد أن تمس ثوب الرب ..

ولم تسمح لأى شىء أن يعطل خطوات إيمانها ..

ولم تسمح لأحد أن يقول لها ليس لك أن تطلبى حدوث المعجزة ، أنتِ تطلبين أمراً أعلي من استطاعتك ..

وثقت فى حب الرب .. وثقت فى قوة الرب .. وثقت فى علاج الرب ..

وثقت فيه كل الثقة ، وهذا هو الإيمان الذى يُبهج قلب الله ، لهذا نالت الشفاء .. يقول الكتاب المقدس « جاءت من ورائه ولمست هدب ثوبه ، ففى الحال وقف نزف دمها » ( لو ٨: ٤٤)..

ولهذا شهد الرب لإيمانها قائلاً لها وسط الجموع « يا ابنة إيمانك قد شفاكِ » ( مر ٥: ٣٤) ..

أيها القارئ الحبيب ..

أنت أيضاً بإمكانك أن تفعل مثلما فعلت هذه المرأة ، فالرب الذى شفاها بمعجزة « هو هو أمساً واليوم وإلي الأبد » ( عب ١٣: ٨ ) .. إنه بكل تأكيد مستعد أن يفعل المعجزات اليوم إن كان حدوثها ضرورياً لإنقاذك من أذي إبليس ..

هيا تشدد به كما تشدد داود حين قرر رجاله أن يرجموه ..

واصرخ « يارب نجنى » مثلما فعل بطرس وهو يغرق ..

تعال ، تعال إليه بالإيمان كما أتت نازفة الدم ..

آمن مثلها بالخبر السار أن الرب لخلاصك ( إش ٣٨: ٢٠) ..

أيها الحبيب ..

حَوِّل نظرك عن الأخطار المحيطة ، عن الظروف المؤلمة .. عن الأبواب المغلقة .. عن كل شىء يُناقض الإيمان ..

وهيا مثل داود وبطرس ونازفة الدم .. هيا بكل كيانك إلي الرب .. هيا إليه واثقاً فيه كل الثقة فلا يوجد شىء غير مستطاع لديه ..

وتَذَكَّر

تَذَكَّر ما فعله رجل الله حزقيا حينما علم من النبى إشعياء أنه سيموت وكان راقداً علي فراش المرض .. يقول الكتاب :

« فَوَجَّهَ حزقيا وجهه إلي الحائط وصلي إلي الرب » ( إش ٣٨: ٢) ..

وما معني أنه وَجَّهَ وجهه إلي الحائط ؟.. آه؟ لم يعد حزقيا يري شيئاً أو أحداً سوي الله ..

لقد حَوَّلَ أُذنيه عن سماع كلمات الإشفاق..

وحَوَّلَ عينيه عن النظر إلي الناس ..

وحَوَّلَ ذهنه عن التفكير فى آلامه ، وفى أعراض المرض الذى أصابه ..

ونظر إلي الحائط لينشغل فقط ، فقط بإلهه .. ليتمسك به طالباً الإنقاذ ..

آه هذا هو احتياجك إن كنت فى خطر ..

أيها الحبيب ..

هيا الآن مع حزقيا ، وَجَّه وجهك إلي الحائط..

حَوِّل أُذنيك عن سماع كلمات الإحباط أو الإشفاق ..

حَوِّل عينيك عن رؤية ظروفك الصعبة ..

حَوِّل ذهنك عن تأمل ماضيك المزعج أو تخيل كوارث مقبلة ..

هيا ، بوجهك إلي الحائط ..

هيا ، اتجه بكل كيانك إلي الرب ، مؤمناً بهذا الخبر السار أنه « إله خلاص » ( مز ٦٨: ٢٠ ) ..

سيمد لك يده القوية ..

سيصنع معك العجائب ..

وسينقذك مثلما أنقذ من قبل داود وبطرس ونازفة الدم .. ومثلما أنقذ حزقيا ..

مرة أُخري أقول لك :

وَجِّهَ وجهك إلي الحائط ..

ثق فى إلهك العظيم لأجل معجزة الإنقاذ..

أبى السماوى ..

أشكرك باسم ابنك يسوع ..

لأنه مهما كانت نتائج أخطاء وحماقات الماضى ..

فأنت إلهى المحب ، « إله خلاص »

تنقذنى من نتائج الخطأ ..

تقتلع منى جذور الخطأ ..

لذا سأردد بثقة « السيد الرب يُعيننى لذلك لا أخجل » ( إش ٥٠: ٧ ) ..

سيدى ..

هل هى اللحظة الأخيرة ؟

أشكرك لأنك إله هذه اللحظة ، كما أنك إله كل لحظات الحياة ..

أشكرك لأن هذه اللحظة تكفيك لتنقذنى .. لتنتشـلنى .. لأسـير معك فوق الأمواج منتصراً ..

لا ، لم يتأخـر الوقـت بعـد بالنسـبة لك ..

ستصنع المعجزة ..

ستُخلِّصنى من الخطر ..

ستنقذنى مثلما أنقذ داود خروفه الصغير فى اللحظة الحرجة بعد أن انقض عليه الأسد ووضعه بين فكيه ..

لا ، لا يعسر عليك شىء ..

سيدى ..

أشكرك لأنك لا تنقذ فقط بل تُعَوِّض عما فُقِدَ ، أضعافاً كثيرة ..

أشكرك لأجل وعدك ..

« أُخلصكم [ أنقذكم ] .. فتكونون بركة » ( زك ٨: ١٣ ) ..

بقوتك لن أعود إلي الوراء ،

سأُخبر بكل صنائعك ، وسأُغنى إلي الدهر بمراحمك ( مز ٧٣: ٢٨ ، ٨٩: ١ ) وبك سأكون بركة للآخرين لأن هذا وعدك ..

لك السـجود .. لك المجـد ..

إلي الأبـد .. آمين ..