هوذا يناديك

 

1.  المقدمة

 

دعنا نؤكد لأنفسنا هذه الحقيقة الرائعة التي قدمها لنا الإنجيل بكل قوة ووضوح..

الرب يسوع هو الشخص الوحيد الذي يقدر أن يريحنا مهما تنوعت متاعبنا أو تضخمت..

نعم، بدون لمسات الرب الشافية والمحررة والمطمئنة لن تكون  لنا أية راحة حقيقية.. وهاهي دعوته الثمينة "تعالوا إلى ياجميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت١١: ٢٨)..

أيها القارئ أياً كان الظرف الذي تمر به أو الموقف الذي أنت فيه.. سواء كان الأمر يتعلق بقرار تريد أن تتخذه أو مشكلة تبغي حسمها أو ضيقة تنشد التخلص منها.. تعال إليه..

تعال إليه الآن.. هو المخلص العظيم (تي٢: ١٣)، مريح التعابى (مت١١: ٢٨) وطبيب المرضى (مت٨: ١٦).. هو الذي يحرر من كل القيود (لو٤: ١٨) ويزيل جميع الأحزان (إش٥٣: ١٨)

  • ● ●

وهذا الكتاب هو مجموعة من مقالات مختارة من كتابين.. هما "وأنا أريحكم" و "التفتوا إليّ" مع بعض التنقيح والإضافة.. المقالات دُونت بأسلوب سلس غير معقد، وزودت بالقصص المعبرة ودُعمَت بالرسومات الجميلة.. لكي لا يمل منها القُراء ولا سيما من لم يعتادوا المطالعة..

والكتاب يناسب أيضا أولئك الذين لاتتيح لهم مشغوليات الحياة متسعاً من الوقت يهدأون فيه.. فمهما تعددت مشغولياتك، لن تعجز أن تجد بضعة دقائق تكفي لقراءة واحدة من هذه المقالات القصيرة..

إن كلاً منها يحمل لك هذه الدعوة العظيمة التي سمعها باريتماوس الأعمى يوم عَبَرَ عليه الرب.. "ثق.. هوذا يناديك" (مر١٠: ٤٩)

هو يحبك، يناديك كي تتحدث معه.. ويريد أن يلمسك بلمسته المريحة والشافية، وأن يتدخل في ظروفك صانعاً معك العجائب.. إن غير المستطاع لديك مستطاع لديه. .

عند كل مقال يلمسك، رجاء توقف عن القراءة.. تكلم مع الرب وافصح له عما يدور بعقلك.. تحدث معه بلا تكلف وطالبه بوعوده العظيمة.. إنه يحبك، وهو في انتظار هذه اللحظات.

حتماً ستختبر أمانته وصدق كلماته الرائعة " وأنا أريحكم" (مت١١: ٢٨)..

سيدي الحبيب

أثق أنك ستستخدم هذه الصفحات..

سيدي إلمس بها كل شخص يقرؤها..

ليتقابل معك.. ليتلامس مع حبك..

ليتمتع بشخصك، وينال احتياجه..

  الآب دانيال

2.  لا.. لم يتأخر الوقت بعد

 

فجأة وجد الخروف نفسه بين أنياب الأسد المفترس، وليس ثمة أمل في النجاة.. ولنفترض أن المستحيل قد حدث، وانفلت الخروف وسقط على الأرض، فهل يقدر أن ينجو؟

ياللأسف، من أين له القوه أن يجري ويعدو بسرعة تفوق الأسد..

وحتى لو نجا منه، فمن يحميه من الشر الثاني الذي لا يقل خطورة؟ !!

من يحميه من الدب الذي يقف متربصاً به. .

أوصدت كل أبواب الأمل، ولم يعد أما الخروف سوى الاستسلام للموت المحقق..

لكن الأمر كان مختلفاً لدى الله..

كلا ، لم يتأخر الوقت بعد..

وفي اللحظة الحاسمة التي تفصل بين الحياة والموت..

في اللحظة الأخيرة قبل أن يموت الخروف من الرعب، إذ بالراعي الأمين يهجم على الأسد والدب، ويقتلهما معاً..

وأنقذ الخروف من بين أنياب الأسد.. .

وخلصه من الدب..

وانزاحت عن الخروف الظلمة المرعبة.. ووجد نفسه آمناً في أحضان راعيه المحب..

هذه القصة العجيبة رواها داود إلى شاول الملك (١صم١٧: ٣٤ – ٣٦) :

"كان عبدك داود يرعى لأبيه غنماً فجاء أسد مع دب وأخذ شاة من القطيع. فخرجت وراءه وقتلته وأنقذتها من فيه ولما قام عليَّ أمسكته من ذقنه وضربته فقتلته. فقتل عبدك الأسد والدب جميعا"..

إنها ببساطة قصة كل من يأتي للرب بإيمان في اللحظة الحرجة الأخيرة. . تأمل أيضا هذه الحادثة:

بدأ بطرس في الغرق..

إلا أنه في اللحظة الحرجة الأخيرة، صرخ إلى الرب مستغيثا "يارب نجني.. "

لا، لم يتأخر الوقت بعد، "مد يسوع يده وأمسك به" (مت ١٤: ٣١)

أيها القارئ العزيز..

لا تقل، لقد تعقدت الأمور جداً وليس من أمل للنجاة..

لا تقل إن الأخطار عديدة، ومن المستحيل أن أنجو منها .  .

لا تصدق إبليس إن قال ليس لك رجاء..

لا، لم يتأخر الوقت بعد..

ارفع قلبك إليه واصرخ بكل ثقة "يارب نجني"..

حتما سترى يد الرب تمتد إليك وتصنع الإنقاذ مثلما فُعل لخروف داود ومثلما فُعل لبطرس.. لا لم يتأخر الوقت بعد..

3.  لمســة القــدير

رسم أحد الفنانين لوحة لأشجار في فصل الخريف بعد غروب الشمس بقليل..

اللوحة تميل إلى الظلام.. الأشجار عارية الأوراق، وهناك بيت منعزل بلا أضواء يقف منفرداً، يواجه عاصفة شديدة من التراب..

كل ما في اللوحة يعبر عن الكآبة والوحشة وفقدان الرجاء.. لكن الفنان لم يكن قد انتهى بعد من رسم لوحته، بقيت بضعة دقائق قبل أن يُسلمها للعرض..

بسرعة غمس فرشته في اللون الأصفر ثم رسم به نوراً في نافذة المنزل، آتياً من الداخل..

يا للتغير المذهل!!..  لقد تحول مدلول المشهد تماما وصار يعبر عن الدفء والطمأنينة والأمان رغم العواصف.. بيت مضئ وسط الظلام والتشويش..

أيها الحبيب

قد يسمح الله لك بأن تمر بظروف معينة تراها تدعو للقلق.. قد ترى كل شئ حولك قاتم اللون.. وقد تشعر أنه ليس هناك أمل في حل سريع..

صديقي، في ذلك الوقت، لا تنس أن الله دعاك أن تسلك بالإيمان لا بالعيان..

ثق في أبيك السماوي.. ثق في أمانته وصلاحه..

ثق، في أبيك السماوي، ثق أنه بلمسة بسيطة من يده سيغير كل شئ.. وسيجعلك سعيداً حتى وأنت في وسط العواصف..

"أحبك يارب ياقوتي..

لأنك أنت تُضئ سراجي..

الظلمة أيضاً لا تُظلم لديك

والليل مثل النهار يضئ"

(مز١٨: ١، ٢٨ – مز١٣٩: ١٢)

4.  إرتفاع في الأسعار

فكر معي..

قطعة من الفولاذ ثمنها لايتجاوز الخمسة جنيهات، ولكن متى صنعوا منها إبراً للخياطة إرتفعت قيمتها إلى خمسين جنيها.. وإذا استخدمت لعمل تروس للساعات قفز سعرها إلى الخمسين ألفاً من الجنيهات..

فكر معي، ما سر هذه القفزة الضخمة من خمسة جنيهات إلى خمسين ألفاً ؟!

بلا شك السبب يعود إلى التهذيب والصقل الذي مرت به هذه القطعة، فكلما زاد كلما ارتفع الثمن..

إن الشجر الذي يتعرض للعواصف والزوابع هو دائما أقوى وأكثر ثباتاً في الأرض من الذي ينمو بعيداً عن شدة الرياح..

وهكذا نحن..

كلما واجهتنا تحديات، كلما كان المجال متاحاً لتقوية إيماننا.. وكلما تقوى إيماننا، كلما ازدادت كفاءتنا وأصبحنا مهيئين أكثر لاستخدام الرب لنا..

التحديات تحمينا من العلاقة السطحية مع الله..

التحديات تُدخلنا في علاقة عميقة معه وتعطي لإيماننا فرصاً ذهبية، ليغير الواقع ولينقل الجبال..

التحديات ليست إطلاقا لتفشيلنا بل لرفع قدراتنا، ولازدياد أكاليلنا.. التحديات تجعلنا أبطالاً في الإيمان..

أشكرك لأنك تريدني عظيما في الإيمان. .

الصعوبات لن تُفشلني لأن هذا ليس قصدك..

سأتمسك بوعودك، وسأتقوى بالإيمان..

وأبداً لن أُخزى في شئ..

حتما سأنتصر.. هللويا..

5.  بإمكانك أن تكون مؤثرا

في "رومانيا" وادٍ شهير لاتُزرع فيه إلا زهور معينة، اُختيرت خصيصاً لتُصدر إلى الخارج..

وفي زمن الإثمار يمتلئ هذا الوادي برائحة مميزة قوية جدا، حتى أنك إذا قضيت فيه بضعة دقائق التصقت هذه الرائحة بك وظلت معك يوماً كاملاً..

فإذا حدث وتقابل معك أي شخص، اكتشف من اللحظة الأولى أنك زرت هذا الوادي..

أيها القارئ..

مقابلة مع الرب في صباح كل يوم تُكسبك رائحة مميزة تصاحبك طوال اليوم وتذهب معك أينما سرت..

وهكذا فليس صعباً أن تشهد للرب.. تحدث معه كثيراً وستجد نفسك تفوح برائحته الذكية التي تعلن عنه.. يقول الرسول بولس "لأننا رائحة المسيح الذكية" (٢كو٢: ١٥)، وقديماً قال الله لإرميا "ولو وقفوا في مجلسي لأخبروا شعبي بكلامي" (إر٢٣: ٢٢)..

تقابل مع الرب كل يوم، وسريعا ستكون مثل هولاء الذين قال عنهم الكتاب المقدس إنهم "نظروا إليه واستناروا ووجوهم لم تخجل" (مز٣٤: ٥)..

سيدي..

إنني أعلن إيماني، أن إبليس لن يقدر

أن يعيقني عن الجلوس عند قدميك كل يوم..

أشكرك.. لأن هذه هي إرادتك أن التصق بك..

حتى أصير رائحتك الذكية لكل من يتقابل معي..

سيدي..

أريد أن تكون حياتي، كلماتي، كل شئ شاهداً لك..

6.  وحــــده

من أشهر لوحات الفنان العالمي ليونارد دافنشي لوحة "العشاء الأخير" ..

بذل في إعدادها مجهودا ضخماً ووضع فيها كل قدارته ومواهبه الفنية.. حتى الكأس الذي في يد الرب أخذ منه اهتماماً خاصاً، رسمه كأساً من الذهب، مطعماً بالجواهر..

بعد أن انتهى من لوحته العظيمة دعا نفراً قليلاً من أصدقائه لإبداء رأيهم..

جذب اهتمامهم جمال الكأس، وقال واحد منهم "إنه كأس رائع، لم يُرسَم مثله من قبل"..

لكن ما أن سمع دافنشي هذه العبارة حتى غمس ريشته في الألوان الداكنة وأتى بها على الكأس الرائع وجعله كأساً عادياً رخيص الثمن !!

ثم قال لهم ".. بل انظروا عظمة وجه الرب يسوع"..

لا شئ في الوجود يضاهي جمال ومجد الرب يسوع.. وليس هناك شخص أو موضوع يستحق أن يأخذ مكانته في قلوبنا سواه..

هو وحده الذي مات ليعطينا الحياة الأبدية مجاناً..

هو وحده الذي حمل آثامنا ليبررنا..

هو وحده الذي حمل أمراضنا ليشفينا..

فليكن هو كل شئ لنا..

ولنفعل دائما ما فعله دافنشي ونقلل اهتمامنا بكل ما يعطل انشغالنا بالرب ويضعف تركيزنا عليه..

ولنقل له دائما "معك لا أريد شيئا في الأرض" (مز٧٣: ٢٥)..

"أنا لحبيبي وحبيبي لي"

"أنا لحبيبي وإليَّ اشتياقه" (نش٦: ٣ ، ٧: ١٠)

7.  حقيقة تُرعب إبليس

في إحدى الإجتماعات، وبعد سماعه عظة ممسوحة بالروح القدس عن محبة الرب يسوع.. فَـتَح قلبه للرب، آمن به إنه المخلص الذي من يؤمن به لا يهلك إلى الأبد (يو٣: ١٥).. "الذي أُسِلَم لأجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا" (رو٤: ٢٥)..

رَحبَ بالرب يسوع ملكاً على حياته وهكذا نال الولادة الثانية، وصار خليقة جديدة وعرف أن اسمه مكتوب في سفر الحياة..

وأدرك أنه من هذه اللحظة صار وارثاً للمجد "إن كنت ابناً فوارث لله بالمسيح" (غلا٤: ٧)..

بعدها بسنوات اقتربت لحظة رحيله، فأتى إليه الشيطان ليحاربه بكل قوة..

عرض عليه قائمة بكل خطاياه التي اقترفها في حياته، ثم همس في أذنه قائلاً: "أين هي فضائلك وسط هذا الحشد من الخطايا.. كيف تكذب على نفسك وتعتقد أن لك رجاءً في الأبدية؟"..

أجابه الرجل واثقاً "يالك من كاذب" كان يجب أن تكتب بجوارها هذه الكلمات الصادقة "دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية" (١يو١: ٧)..

لم يحتمل أبليس هذه الإجابة.. فأمام ذكر دم الرب بإيمان تهرب مملكة الظلمة وتتلاشى..

 

أُعظم دم الحمل..

لأنه غفر خطاياي وطرحها في أعماق

 البحر.. ولا يعود الله يذكرها..

 

أُعظم دم الحمل..

لأنه فرحي وقوتي، به أنتصر على شكايات إبليس نحوي..

دم ثمين يعلن إنني مبرر، لي حياة أبدية، فمن سيشتكي عليّ (رو٨: ٣٣). .

أُعظم دم الرب الثمين..

لأنه دائما يتحدث لي عن أعظم حب، أحبني به ملكي ومخلصي..

"أحبك يارب ياقوتي

الرب صخرتي وحصني ومنقذي

إلهي صخرتي به أحتمي

تُرسي وقرن خلاصي وملجأي" (مز١٨: ١، ٢)

8.  ماذا تلتقط اذناك ؟

يُحكى أن رجلاً من سكان الغابات كان في زيارة لصديق له بإحدى المدن المزدحمة، وبينما كان سائرا معه في أحد الشوارع التفت إليه وقال له "إنني اسمع صوت إحدى الحشرات"..

أجابه صديقه "كيف؟!! ماذا تقول؟!! كيف تسمع صوت حشرة وسط هذا الجو الصاخب؟!!"

قال له رجل الغابات "إنني أسمع صوتها.. إنني متأكد وسأريك شيئا"..

أخرج الرجل من جيبه قطع نقود معدنية ثم ألقاها على الأرض.. في الحال التفتت مجموعة كبيرة من السائرين ليروا النقود الساقطة على الأرض..

واصل رجل الغابات حديثه فقال "وسط الضجيج، لا ينتبه الناس إلا للصوت الذي ينسجم مع اهتماماتهم.. هؤلاء يهتمون بالمال لذا ينتبهون لصوت العملة، أما أنا فأهتم بالأشجار والحشرات التي تضرها.. لذا يثير انتباهي صوتها"..؟

وأنت أيها القارئ.. ما هو أهتمامك الأول؟

اهتمامك الأول يحدد أي نوع من الأصوات تنتبه إليه وسط ضجيج أعمالك اليومية..

والآن دعني أًصارحك، إن لم يكن الرب يسوع هو اهتمام قلبك الأول وانشغال ذهنك الأول، فلن تقدر أن تميز صوته..

وليكن هو وأموره الرقم الأول في قائمة اهتماماتك..

انشغل به وسيمكنك بسهولة أن تتمتع بحضوره وأن تشعر بإرشاداته حتى وأنت تسير في قلب الشوارع المكتظة بالناس

أريدك دائما الأول

في حياتي..

الأول في كل شئ..

9.  معك لا أريد شيئاً

 

يُحكى أن ملكاً عظيماً كان بين الحين والآخر يحب أن يتحدث مع شعبه متخفياً..

ذات مرة أتخذ صورة رجل فقير.. ارتدى ثياباً بالية جداً وقصد أفقر أحياء مدينته، ثم تجول في أزقتها الضيقة واختار إحدى الحجرات المصنوعة من الصفيح القديم، وقرع على بابها..

وجد بداخلها رجلاً يجلس على الأرض وسط الأتربة.. عرف أنه يعمل كناساً، فجلس بجواره وأخذا يتجاذبان أطراف الحديث..

ولم تنقطع زيارات الملك بعد ذلك.. تعلق به الفقير وأحبه.. فتح له قلبه وأطلعه على أسراره وصارا صديقين!!

بعد فترة من الزمن، قرر الملك أن يعلن لصديقه عن حقيقته، فقال له: "تظنني فقيراً مثلك.. الحقيقة غير ذلك، أنا هو الملك"..

ذُهل الفقير لهول المفاجأة، لكنه ظل صامتاً..

قال له الملك: "ألم تفهم ما أردت أن أقوله لك.. تستطيع الآن أن تكون غنياً.. إنني أستطيع أن اُعطيك مدينة، يمكنني أن أصدر قراراً بتعيينك في أعظم وظيفة.. إنني الملك، أطلب مني ما شئت أيها الصديق"..

أجابه الفقير قائلاً:

"سيدي، لقد فهمت، لكن ما هذا الذي فعلته معي؟!

أتترك قصرك وتتخلى عن مجدك وتأتي لكي تجلس معي في هذا الموضع المظلم، وتُشاركني همومي وتُقاسمني أحزاني..

سيدي، قدمت لكثيرين عطايا ثمينة، أما أنا فقد وهبت لي ذاتك..

سيدي، طلبتي الوحيدة هي ألا تحرمني أبداً من هذه الهبة.. أن تظل دائماً صديقي الذي أحبه ويًحبني.."

+  +  +

أيها القارئ، تأمل معي..

إن ما صنعه هذا الملك مع الفقير ليس إلا صورة باهتة جداً لما فعله ملك الملوك معك..

من أجلك، "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد" (في٢: ٧)..

أتخذ جسداً وعاش به على أرضنا، وجاز في كل ما يمكن أن تجوز فيه من آلام ليتفهم معاناتك، وهكذا يقدر أن يعين المجربين" (عب٢: ١٨)..

ثم مات بديلا منك..

سفك دمه الثمين ليطهرك به من خطاياك..

فهل بعد كل هذا، لا تقل له من قلبك مع آساف المرنم" "معك لا أُريد شيئاً" (مز٧٣: ٢٥)

10.  فلنعظـم الـدم

 

من يقوم بزيارة متحف سبرنجفيلد Springfield بولاية إيلينوي Illinois الأمريكية، سيجذب انتباهه قطعة صغيرة من الحرير، يرفض المتحف أن يتنازل عنها مقابل أي مبلغ من المال..

لماذا؟ لماذا صارت لها هذه القيمة العظيمة؟

إنها جزء من ثوب إحدى الفتيات، كانت جالسه بجوار أبراهام لنكولن Abraham Lincoln وقت قتله بالرصاص.. لقد حاولت بثوبها إيقاف نزيف الدماء من رأسه، لكنه فارق الحياة..

اشترت ولاية لإيلينوى هذا الثوب ثم اقتطعت منه هذا الجزء الذي تشبع بدم الرئيس الأمريكي المحبوب..

لقد أرادت أن تُكَرم دم الرجل الذي أنجز لبلده أجل الخدمات..

ونحن هل نكرم دم الرب؟..

دم لنكولن هو دم رجل مهما قيل عن إنجازاته فهي في استطاعة البشر.. أما دم الرب فهو دم السيد الذي صنع معنا ما لا يقدر إنسان مهما كان أن يفعله..

هو دم "رئيس إيماننا" (عب١٢: ٢) و"راعي نفوسنا" (١بط٢: ٢٥)..

يقول عنه الرسول بطرس أنه "دم كريم" (١بط١: ١٩)..

وكلمة كريم في أصلها اليوناني تعني مُكلِف "costly" وثمين "precious"..

فهو دم مُكلِف، سفكه الرب وهو يُقاسي آلاماً وأهوالاً وموتاً مشيناً، ثميناً لفدائنا وحريتنا.. وأبديتنا..

وهو دم ثمين، فهو دم الخروف المذبوح الذي ترك نفسه لجالديه وصالبيه من أجلك.. آه كم يجب أن يكون ثميناً لدى قلبك أيها القارئ العزيز؟..

هل تعلمت أن تعظم هذا الدم؟..

هو الوحيد الذي يكفر عن الخطايا ويُطهر من آثارها (رو٣: ٢٥)..

هو الوحيد الذي يقدس النفس ويجعلها مخصصة لله (عب١٣: ١٢)..

كما أن الإيمان به يُبطل شكايات إبليس (رؤ١٢: ١٠، ١١)..

"لنا ايها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس [عرش الله] بدم يسوع" (عب١٠: ١٩)

فهل آمنت به؟.. وهل تعظمه بكل قوتك؟.. لولاه لما كان لأي منا حياة أبدية!!

11.  كلما زاد عطاؤنا

 

ذات يوم أمرَ ملك بوضع حجر كبير وثقيل في أحد الطرق العامة الرئيسية، ثم كلّف بعضاً من رجاله ليُراقبوا سراً ما يحدث.. من الذي سيهتم ويقوم بإزحة هذا الحجر؟..

كثيرون رأوا هذا الحجر وتذمروا قائلين "لماذا لا يهتم المسئولون بالطرق؟.. "لماذا يتركون الأمر هكذا؟".. لكن أحداً لم يحاول أن يرفعه..

أخيراً أتى رجل، رأى الحجر فاندفع بحماس وبذل جهداً كبيراً فنجح أخيراً في إزالته..

اندهش الرجل جداً، إذ وجد في مكان الحجر المرفوع قطعاً من الذهب، وبجوارها ورقة كُتِبَ عليها "هذا الذهب يقدمه الملك إهداءً منه للرجل الذي اهتم بإزالة الحجر"..

كثيرون لا يعبأون بمشاكل الآخرين، ولا يثير اهتمامهم إحتياجات الناس..

كثيرون لا يفكرون إلا في ذواتهم.. يهربون من التضحية من أجل الغير، يظنون أن الراحة تكمن في الابتعاد عن المتاعب التي تجلبها خدمة الآخرين..

كثيرون يعيشون لأنفسهم فقط، لا يكترثون بما يصيب غيرهم من آلام،.. يكتفون بتحليل المواقف وإبداء الرأي والنقد وربما ينطقون ببضعة كلمات للمشاركة التي لا تكلفهم شيئاً..

لكن الذي عرف حقاً حب الرب يسوع لا يقدر أن يظل واحداً من أولئك..

الذي عرف حب الرب يسوع وسمح له أن يهيمن على كل حياته هو بالفعل شخص مختلف..

إنه كهذا الرجل الذي اهتم برفع الحجر.. لا يعرف إلا أن يبذل ويبذل من أجل خير الناس وراحتهم..

الرب يسوع في مركز حياته، يشع فيها من نوره ليعكس حبه للناس، والروح القدس الذي يسكن فيه يعطيه القدرة على العطاء بسخاء..

وماذا؟

كل حجر نُساهم في إزالته من أمام الناس، يحمل لنا غمراً من الفرح..

وكل دمعة نمسحها من عين باكية، تعود لنا بفيض جديد من البهجة..

وكلما زاد عطاؤنا زادت أفراحنا بالملك الذي علمنا طريق الحب ..

"أحملوا بعضكم أثقال بعض.. وهكذا تمموا ناموس المسيح".. (غلا٦:٢)

"بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة.. لا نحب بالكلام واللسان بل بالعمل والحق".. (١يو٣: ١٦، ١٨)

12.  عمى الألوان

فنان شهير زاره ذات يوم في مرسمه فنان صديق عزيز لديه، فدار بينهما هذا الحوار:

ما هذه القطع المعلقة على الحامل والتي أرى كلاً منها ذا لون مختلف وجميل..

هل تصدقني؟.. إنها أحجار كريمة نقية، غالية الثمن!!

أتضع المجوهرات على حامل واحد مع أدوات الرسم والألوان؟

ليس في هذا ما يدعو للعجب، وسأشرح لك الأمر..

كما تعلم فإن مواد الألوان تتأثر وتبهت تدريجياً مع الوقت.. لذا فمن السهل ألا أكتشف هذا مع استمرار تعاملي معها.. لهذا وضعت أمامي هذه الأحجار الثمينة لكي أكون دائم النظر إلى ألوانها الأصلية الثابتة التي لا يمكن أن تتغير..

إنني أنظر إليها دائماً، حتى تتعود عيناي على ألوانها فلا تُخدع بغيرها..

+  +  +

كلنا محتاجون مثل هذا الفنان الحكيم أن نحمي عيوننا.. نحن نتعامل باستمرار مع الناس، وبالطبع ليسوا كلهم أشخاصاً مؤمنين حقيقيين..

إننا في خطر أن يتغير تدريجياً تقديرنا للأمور فلا نعود نرى الأسود أسوداً والأبيض أبيضاَ.. لا نعود نرى الخطأ والصواب كما تكلم عنهما الكتاب المقدس بل كما يراهم العالم..

تأمل معي هذه الأمثلة..

العالم يُسمي الحيل البشرية الماكرة، حكمة مطلوبة..

ويرى في إختلاق القصص الوهمية للنجاة من المواقف المحرجة، كذباً أبيض لا ضرر منه..

وينظر إلى الميل العاطفي الخالي من البذل وتقدير المسئولية على أنه نوع من الحب..

ويُشجع الذهاب إلى أماكن اللهو والرقص وشرب الخمر والمُسكر باعتبارها تسلية بريئة أو مجاملة تفرضها المحبة أو مناسبات خاصة..

لا، ليس الأبيض الذي بحسب رؤية العالم أبيضاً نقياً.. ونحن بالفعل في خطر من التأثر برؤيته فلا زلنا نعيش في العالم..

فلنفعل مثل هذا الفنان، ولننظر إلى اللون الأبيض النقي الذي لا يتغير أبداً..

لننظر إلى الرب يسوع..

لننظر إليه، ونحن نقرأ في كتابه أو ونحن نستمع إلى عظات من خدامه.. ولنرفع القلب إليه بين الحين والآخر..

لننظر إليه، سيُخبئ كلماته في قلوبنا وسيُنير بها أذهاننا.. وهكذا بالكلمة نرى الأمور دائماً كما يراها هو.. ولن يقدر العالم أن يؤثر على عيوننا.. ولن نُصاب بعمى الألوان.. ولن نُخدع..

"أرسل نورك وحقك

هما يهديانني..

فتح كلامك يُنير

يُعقل الجُهال" (مز٤٣: ٣، ١١٩: ١٣٠)

13.  يسوع مـلك

 

كان حادثاً مروعاً!!

إغتالوا الرئيس الأمريكي جارفيلد Garfield..

تركوه يصارع من أجل الحياة..

نقلوه فوراً إلى مكان منعزل بعيداً عن ضجيج المدن.. وهو يحتاج الآن إلى كل الهدوء في صراعه ضد الموت..

وبسرعة مد المهندسون خطاً حديدياً إلى هذا المكان لسرعة نقل الأطباء والممرضين وأصدقاء الرئيس..

في البداية اعترضتهم مشكلة أن الخط يمر بحديقة أحد المزارعين وقد رفض الأمر بشدة.. لكن عندما أوضحوا أن هذا الخط لأجل الرئيس وافق في الحال..

تغيرت ملامح وجهه وقال لهم بحماس حقيقي:

"الأمر الآن مختلف تماماً.. للرئيس الحق المطلق في شق الطريق ليس وسط حديقتي فقط بل حتى في منزلي!!"

لكن جارفيلد كان مجرد رئيس بشري لفترة زمنية محدودة أما الرب يسوع فهو الملك إلى الأبد..

اسمه "ملك الملوك ورب الأرباب" (رؤ١٩: ١٦)..

"سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض" (دا ٧: ١٤)

فهل لك الإرادة التي تعطي للرب يسوع الحق في أن يشق طريقه وسط أرضك؟

ربما يريد أن يقتطع جزءاً من مالك أو وقتك ليستخدمه.. فهل ستُعطيه هذا الحق؟

تذكر دائماً إنه ملك ولذا له الحق في كل شئ تمتلكه..

لا تنس أن أي شئ في حياتك لا يجعل الرب يسوع هو الأول في ترتيب اهتماماتك، يحرمك تماماً من التمتع به كملك، لن تذوق فرحه العجيب وسلامه الكامل ولن تختبر حضوره العذب الذي يُنير الحياة..

الرب يسوع ملك، ويستحيل أن يكون غير ذلك، فإما أن يكون له المكان الأول في حياتك أو لا يكون على الإطلاق..

  • • •

الذين يعطون الرب يسوع المكان الثاني هم في الحقيقة لا يتركون له أي مكان في قلوبهم..

ربي يسوع..

شهوتي أن أكون ملآن قوة روحك (ميخا٣: ٨)..

حتى تكون لي الإرادة التي تخضع بفرح لإرادتك..

حتى أُسلم كل ما عندي، تفكيري، عواطفي لقيادتك..

آه يا رب..

هذه هي شهوتي..

أن أذوق فرح الخضوع الكامل لك،

فرح من يُسلم الكل لمن أحبه..

فرح من يفرح بملِكه..

لأنه يعرف كم يُحبه هذا الملك..

سيدي..

خزف أنا بين يديك..

فتمم قصدك فيَّ..

14.  مديون مديون له

 

حدث ذلك منذ نحو مئه عام خلت..

كان فتى من إحدى الأسر الإنجليزية الغنية في رحلة لقرى اسكتلندا.. وفيما هو يسبح بإحدى بحيراتها أًصيبت عضلة قدمه بتقلص مُفاجئ..

كان على مسافة طويلة من الشاطئ فصرخ طالباً الإنقاذ، وما هي إلا لحظات حتى وجد نفسه محاطاً بذراعي فلاح صغير السن كان في حقل قريب وسمع صراخه..

مرت سنوات قبل أن يتقابلا من جديد، ودار بينهما حوار، وعرف الفتى أن منقذه لديه رغبة عارمة أن يدرس الطب، فأسرع وأبلغ والديه فرصدا مبلغاً مناسباً لهذا الأمر..

ولمع الفلاح في الطب ولا سيما في مجال البحث، وفي عام ١٩٢٨ أحدث دوياً هائلاً باكتشافه مادة البنسلين القاتله للميكروبات..

إنه الدكتور الذائع الصيت "ألكسندر فلمنج"..

+ + +

كذلك الفتى الغني اشتهر هو أيضاً، بل ربما فاق فلمنج.. وفي سنوات الحرب العاملية الثانية ترك إنجلترا وذهب إلى البلاد الشرقية ليتقابل مع روزفلت وستالين.. وهناك أًصيب بالتهاب رئوي حاد..

ومرة أخرى تعرضت حياته للموت.. ومرة أخرى يُنقذ بفضل "فلمنج".. لكن هذه المرة عن طريق جرعات البنسلين..

إنه "ونستون تشرشل" زعيم إنجلترا الأشهر الذي صار على الرغم من نفوذه الواسع وغناه مديناً بحياته مرتين للدكتور فلمنج..

+ + +

أيها القارئ..

قد تكون غنياً..

قد تمتلك جزءاً مما امتلكه تشرشل من أموال ومقتنيات، وقد تبلغ بعضاً مما بلغه من شهرة ونفوذ، ومع هذا فإن كنت قد قبلت خلاص الرب فستبقى مديناً له إلى الأبد..

أنت مدين له، لقد أحبك ومات بدلاً منك..

أنت مدين له، لقد سفك دمه ليغسلك به من خطاياك..

أنت مدين له، لا مرة ولا مرتين، بل بلا عدد!!

فهو لا يُنجيك فقط من الأخطار العديدة التي نتعرض لها بين الحين والآخر بل لقد نجاك مما هو أخطر من الكل..

لقد نجاك من الهلاك الأبدي، وأعطاك الحياة الأبدية..

أيها القارئ..

هل تشعر فعلاً بأنك مدين بحياتك للرب يسوع؟

وهل فكرت من قبل في هذه الاية: "ماذا أرد للرب من أجل كثرة حسناته لي" (مز١١٦: ١٢)

15.  يُعطي الحرارة

بسبب ظرف طارئ لم تستطع الأرملة الفقيرة أن تذهب إلى الكنيسة كعادتها لحضور أحد الإجتماعات المسائية، فتركت وحيدها الصغير يذهب مع جارتها، وأوصته أن يُصغي جيداً لما يسمعه حتى يُعيده على مسامعها عند عودته..

عاد الطفل الصغير إلا أنه كان قد نسي كل ما سمعه.. سالته أمه "قل لي عن ماذا تحدثت الواعظة"..

حاول أن يتذكر.. حاول باجتهاد.. وأخيراً قال لها "أعتقد أن الحديث كان عن الغطاء الآخر"..

لم تقدر الأم أن تعرف أي غطاء يقصد، فطرقت باب جارتها ثم سألتها..

أجابتها قائلة: لقد كان الحديث عن كلمات الرب يسوع "أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد" (يو١٤: ١٦)..

كان الحديث عن الروح القدس..

كان الطفل الصغير يحلم بغطاء جديد يحميه هم وأمه من البرد بعد أن تهرأ جداً غطاؤهما القديم فاستنتج أن المعزي الآخر الذي يقصده الواعظ هو الغطاء الذي يحتاجه!!

ألا تبتسم معي لبساطة هذا الطفل؟!!.. لكن ألا تقول لنا إجابته شيئاً هاماً يتعلق بالروح القدس!!

نعم، فالروح القدس يُشبه بالفعل الغطاء!! فهو عندما يعمل في النفس، يغطيها بحرارته!!

هو يفعل أكثر.. يشعلها في حبها للذي فداها، يلهبها في عبادتها، يملؤها بغيرة نارية لربح النفوس..

آه، كم من المؤمنين يحتاجون إلى التمتع بهذا الغطاء..

كم من المؤمنين يحزنون الروح القدس بسبب فعلهم أموراً يُبغضها..

وكم منهم يطفئونه بسبب تجاهلهم لما يطلبه منهم..

كم هم الذين يحزنونه ويطفئونه فلا يتمتعون به، كأعظم غطاء يدفئ حياتهم؟!!

الروح القدس يعطي حرارة للنفس، لذا فهو يُشبه بالنار، فهو مثل النار التي تأتي على قطعة الفحم السوداء فتحولها..

وأي تحوُّل!! من قطعة سوداء يتسخ بها كل من يلمسها إلى قطعة متوهجة تضئ وتدفئ من يقترب إليها..

اُطلب دائماً من الآب السماوي أن تكون ممتلئاً "بالروح المعزي".. اُطلب بإلحاح وثقة ولا تنسَ أن كلمة "مُعزي" في أصلها اليوناني تعني أكثر بكثير من التعزية.. فهي كلمة "بارقليط" التي تشمل أيضاً المساعدة والشفاعة والمحاماة والتقوية..

أبي ، "أبو التعزية"

أشكرك جداً من أجل الروح القدس المعزي، المساعد، الشفيع، المحامي، والذي يملؤني بالقوة..

أبي.. ليعمل روحك في أعماقي، فيسدد كل احتياج في الداخل، ويعزيني جداً، فلا يعوزني شئ..

أبي..

ليشعلني روحك الناري، حتى أكون دائماً لمدح مجدك في كل ما أقوله أو أعمله..

وأحيا ملكوتك، ليس بكلمات، بل بقوة..

أبي..

املأني بروحك..

حتى يرى الناس غنى السماء معلناً في حياتي..

كنزاً في آنية خزفية..

قوة تُكمل في ضعفي..

فأكون نوراً يسطع في الظلام، نوراً يُعلن الخبر السار بالغفران والشفاء والحرية..

وناراً تدفئ من يأتي إليها هارباً من برودة الخطية..

16.  المسيح يحيا فيّ

ذات يوم كان أغسطينوس بعد رجوعه إلى الرب سائراً في الطريق، وفجأة أسرعت نحوه واحدة من النساء وبدأت تصيح خلفه قائلة:

"أغسطينوس.. أغسطينوس أنا هي.. أنا هي"

التفت أغسطينوس وراءه فرأى واحدة من اللاتي كُن يُخطئن معه قبل إيمانه.. إنها الآن تريد أن تٌعيد العلاقة معه..

بهدوء أجابها"

"لكنني لست أنا.. لست أنا..

لست أنا أغسطينوس بل المسيح الذي يحيا في أغسطينوس"..

أيها الحبيب..

لن تقدر أن تحيا في القداسة ستعجز عن تنفيذ وصايا الكتاب إذا لم تكن أولاً قد آمنت وبكل قلبك أن المسيح يحيا فيك!!

لقد سبق وقال لنا بفمه المبارك "أنا فيكم " ( يو١٤: ٢٠).. فهل تؤمن بهذه الحقيقة؟.. هل تشكر الله لأجلها؟.. وهل تختبر قوتها في كل يوم؟

الرسول بولس يهتف ظافراً "مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في" (غلا٢: ٢٠)..

ثق أن روح الله يدعوك أنت أيضاً أن تهتف بمثل هذا الهتاف المجيد..

لنهتف ونهتف واثقين في صدق كلمات الوحي، وسنتمتع برؤية قوى الظلمة مسحوقة تحت أقدامنا..

"أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني" (في٤: ١٣)..

17.  فقط لأتمتع بك

دخل طفل مكتب أبيه المنهمك في عمله.. سار نحوه، فإلتفت أبوه إليه يساله "ماذا تريد مني يا ابني"..

أجاب الصغير في هدوء:

"لا شئ.. فقط جئت لأكون معك.."

كثيرون يخطئون عندما يظنون أن الصلاة هي فقط الطلب والتوسل لله.. الصلاة قبل أن تكون هكذا هي أولاً تمتع بالتواجد في حضرة الرب..

الصلاة هي تمتع بحب الله الأبوي..

فهل تتمتع بهذا الحب.. بهذا الدفء الذي من فوق!!

سيدي

آتي إليك الآن..

فقط لأتمتع بحضورك!!


 

18.  حزين لأني عرفتك متأخراً

امرأة مُعدمة كانت تقطن حجرة متواضعة لم تستطع أن تدفع أجرتها.. عَلِمَ بظروفها القاسية شخص طيب القلب فقصد منزلها، وفي قلبه أشواق كثيرة لتقديم معونة مادية بقدر استطاعته..

طرق باب حجرتها مرات عديدة، لكن لم يفتح أحد.. وبعد أيام غير كثيرة قابلها مصادفة في الطريق وقص لها ما حدث..

عجيبة كانت إجابتها..

لقد كنت بالداخل ولكنني لم أتوقع أن يأتِ إلىَ أحد غير مالك الحجرة الذي يأتي دائماً ليطالبني بالإيجار.. ومن خوفي منه لم أفتح الباب..

للأسف هذا هو موقف الكثيرين تجاه دعوة الرب لهم.. يوصدون الأبواب في وجهه.. يرفضون أن يتعاملوا معه، وهم مثل هذه المرأة يخشون أن يفتحوا له الباب متصورين أنه سيطالبهم بأمور لا يقدرون عليها.. يعتقدون أن الحياة معه صعبة، قاسية وثقيلة..

لكن جميع الذين تلامسوا مع الرب يسوع يعرفون عن اختبار أن معاملاته معهم هي محبة فائقة ونعمة غنية وعطية لا يُعبر عنها..

عرفوا أن وصاياه ليست صعبة ولا ثقيلة..

لقد أعطاهم الطبيعة الجديدة التي تحب أن تطيع وصاياه.. ومنحهم الروح القدس لكي يمتلئوا منه فيصيروا أقوياء قادرين على السلوك بالحق.. وزودهم بكلمته الحية الفعالة لتكون سراجاً مضيئاً لهم، لترشدهم وتُصحح أخطاءهم..

ما أعظمه في العطاء.. لقد قال للمرأة السامرية: "لو كنتِ تعلمينَ عطية الله ومن هو الذي يقول لكِ أعطني لأشرب لطلبتِ أنتِ منه فأعطاك ماءً حياً" (يو٤: ١٠)

ولا يزال يقول هذه الكلمات لكل من يبحث عن الراحة..

كم كان أغسطينوس محقاً حين قال: "يارب إني حزين لأني عرفتك متأخراً فأحببتك متأخراً"..

يقول لك الرب:

"عندي الغنى والكرامة.

قنية فاخرة وحظ. ثمرى خير من

الذهب ومن الإبريز

وغلتي خير من الفضة المختارة" (أم٨: ١٨، ١٩)

19.  لحظـات ذهبيـة

اعتاد أحد اساتذة الموسيقى المشهورين أن يتحدث لتلاميذه بحماس شديد عن أهمية وجود لحظات سكون تتخلل كل مقطوعة موسيقية..

في العادة، كان التلاميذ الجدد يعتقدون أن أستاذهم يبالغ في الحديث.. لكن بعد الممارسة العملية كانوا يزدادون اقتناعاً بأنه بدون هذه اللحظات الساكنة بين بعض الجمل الموسيقية فإن القطعة المعزوفة ستفقد قدراً كبيراً من روعتها..

وهكذا أنت أيضاً ستفقد حياتك اليومية الكثير من جمالها وقوتها إذا خلت من هذه اللحظات التي تسكن فيها بين الحين والآخر لترفع قلبك إلى الله..

تعود أن تكون لك هذه اللحظات أثناء عملك ودراستك ورياضتك..

لحظات ذهبية تصعدك إلى السماء وتعود بك من هناك سريعاً وقد تجددت طاقاتك وارتفعت معنوياتك..

لحظات ذهبية تبدد الخوف وتزيل الهم وتملؤك بندى السماء المنعش والمريح..

كان نحميا معتاداً على هذه اللحظات، لذا عندما كان في القصر وسأله الملك "ماذا طالب أنت" رفع قلبه إلى الله، لحظات ثم أجاب الملك (نح٢: ٤)..

وكم فعلت هذه اللحظات.. لقد استجاب الملك لكل ما طلبه نحميا..

هي لحظات ذهبية أيضاً لوقت الخطر..

20.  نقطة حمراء على الخريطة

ذات يوم، بعد أن سحق نابليون أغلب بلدان أوربا أمسك بيده خريطة العالم وسمات الاكتئاب تملأ وجهه وأشار لقواده إلى نقطة حمراء وقال لهم:

"آه، لولا هذه النقطة الوحيدة لاعتبرت نفسي قاهراً لكل العالم"..

كانت بريطانيا هي النقطة الحمراء التي سلبت من الإمبراطور نشوة انتصاراته..

قد تنظر حولك فتجد حولك إبليس ممتلكاً لأراضي كثيرة..

إنه يسيطر على أمور كثيرة، ويستخدمها لإتمام مقاصده..

آه أيها المؤمن، يا من افتديت بالدم الثمين..

أنت هو النقطة الحمراء التي تُفقد "رئيس هذا العالم ابتسامته..

لم تعد تنتسب إليه..

لم يعد له الحق في استخدامك..

دم الرب يسوع المسفوك يعلن ذلك، لهذا لن يقدر إبليس أن يحقق مشيئته معك..

لست أنت الذي يهرب من أمامه بل هو الذي عليه أن يهرب دائماً منك..

ما أعظم هذا الوعد "قاوموا إبليس فيهرب منكم" ( يع٤: ٧ ).. قُل بثقة:

سأقاوم إبليس..

سأوجه إليه سيف الكلمة..

وسأعلن له قوة دم الرب..

سأنتهره باسم الرب، وسأقول له:

"اذهب" ( مت٤: ١٠ ).. بكل تأكيد سيهرب هو وجنوده مرتعبين مني..

هذا إيماني أنني سأظل دائماً النقطة الحمراء التي تزعجه وتفقده معنوياته..

21.  الوحيد الذي يقـدر

كان لأحد الأغنياء قيثارة ثمينة يعتز بها منذ زمن بعيد.. ذات يوم أصابها تلف أثر على أنغامها العذبة فلم تعد تعطي ألحاناً شجية كعادتها..

أعطاها الغني إلى كثير من المتخصصين، لكنهم عجزوا جميعاً..

أخيراً، تقدم رجل عجوز، تعهد بإصلاحها.. وبالفعل لم يمض وقت طويل حتى أعادها كما كانت من قبل، تعزف الأنغام العذبة والألحان الشجية..

سألوا العجوز بإندهاش "قُل لنا، لماذا فشل غيرك بينما نجحت أنت؟"

أجابهم مبتسماً "السبب بسيط جداً.. أنا هو الرجل الذي قام بصنع هذه القيثارة منذ زمن بعيد!!"..

أيها الحبيب،

قد تفشل في إصلاح عيوبك، وقد يفشل الكثيرون معك.. أما الله فهو الذي خلقك، هو الذي يستطيع أن يعالجك.. لا تخف منه.. هو يحبك..

لم يخلقك فقط، بل أيضاً فداك..

أحبك ويُحبك، ويريد أن يشفي نفسك المتعبة..

تعال.. تعال إليه.. ألقِ أحمالك عند قدميه..

ثق أنه سيُعالج كل عيوبك، فوعده هو: "تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها" ( ملا٤: ٢)..

إلهي،

يا أحن وأمهر طبيب

هذه ضعفاتي وعيوبي..

كلها اكشفها أمامك..

وهذه نفسي..

بجميع جروح الماضي التي مزقتها..

بكل خبرات الفشل وصغر النفس..

هذه نفسي..

بكل ما فيها من عجز وألم أقدمها لك..

فأنت الذي خلقتها.. وأنت الذي تعرف كل شئ عنها..

أثق أنك ستُعالجها..

أثق كل الثقة في كلماتك الصادقة

"أنا الرب شافيك" (خر١٥: ٢٦)

أثق أنك ستشفيها تماماً،

بلمسات يدك المملؤة قوة وحباً..

أشكرك.. أشكرك..

22.  أين تُضاء المصابيـح ؟

تحدد مكان عملها في منطقة بعيدة لم تذهب لها من قبل، ووجدت نفسها مضطرة للسكن مع أخوات ليست لهن علاقة بالرب يسوع.. يختلفن عنها في الطباع وأسلوب المعيشة..

إنها أمام ظروف جديدة صعبة، لا عهد لها بها..

تطرق اليأس إلى قلبها.. وبدأت تشكو وتئن..

دخلت إلى مخدعها مراراً لتضع الأمر أمام الرب، ثم سافرت إلى بلدتها لتُقابل مرشداً روحياً لتتناقش معه..

سألها هل تعرفين أين تُضاء المصابيح؟

لم تفهم قصده، فاسترسل المرشد قائلاً: "إنها تُضاء في الأماكن المظلمة"..

في الحال انقشعت الظلمة عن عينيها، وأدركت أن الله قد وضعها في هذا الجو الصعب لكي تضيء فيه ..  وبدأت ترنم "ثابت قلبي يا الله.. ثابت قلبي" ( مز٥٧: ٧)، وتشجعت جداً.. لقد امتلأت بثقة أن الله أرسلها إلى هناك لكي يستخدمها..

وتحولت من التذمر إلى الشكر، وبدأت تبارك الله لأنه أعطاها امتيازاً أن تشهد له..

بعد فترة عادت إلى بلدتها.. قابلت المرشد الروحي.. هذه المرة كان الفرح يغمر وجهها..

قالت له:

"أشكره.. أشكره.. اشكره من كل قلبي، لقد متعني بعمله المجيد.. لقد استخدمني في تغيير الكثيرات.. أثق أنه سيستخدمني أكثر وأكثر"..

سيدي،

أكشف عن عيني..

عرفني أين وكيف تريد أن تستخدمني..

شهوة قلبي أن أخدمك..

آه أيها السيد الرب،

يا من تتنازل وتستخدمني..

لا تسمح لصغر النفس أن يجعلني أهرب من دعوتك..

انزع الخوف والفشل من قلبي..

واملأني بروحك "روح القوة"..

لأصير نوراً للآخرين..

نوراً يبدد ظلامهم ويأسهم، ويقودهم لك..

ولأخدمك طول الحياة..

بفرح.. بشجاعة.. بإصرار..

ولأخدمك بقوة..

ولمجدك..

23.  من أجلهـم

 

أمسكت الفتاة بيد أمها اليسرى وهي تقول لها "كم أحب هذه اليد الجميلة التي بلا عيب.. أما يدك الأخرى فلا أطيق النظر إليها"..

نظرت الأم إلى يدها اليمنى المشوهة ثم تمتمت قائلة لابنتها..

"هل أحكي لكِ قصة هذه اليد.. هل أسردها لك؟"

أجابت الأبنه بلهفة واضحة "نعم.. نعم"

بعد تفكير، قررت الأم أن تذيع لها السر..

"حدث هذا منذ سنوات طويلة، وقت أن كنتِ أيتها الابنة طفلة صغيرة، لم تتجاوزي بعد الأربعة أعوام..

في إحدى الليالي استيقظتُ مذعورة على رائحة دخان كثيف يملأ البيت.. أسرعت باحثة عن مصدر النيران، ويا للصدمة!! لقد رأيت اللهب يمسك في ثوبك الذي كنتِ تنامين به..

لم أتردد لحظة واحدة، اندفعت بكل قوتي ونزعت عنك الثوب..

أنقذتك، لكن كان لابد من دفع الثمن..

اُنظري هذه التشوهات التي في يدي اليمنى، هذه التي تُضايقك.. اُنظري إليها جيداً.. هذه، هي بعينها الثمن!!"

+  +  +  +

ما أثمن جسد هذه الأم فهو يحمل آثار آلام من أجل الحب..

وما أثمن جسد الرب يسوع، فهو أيضاً لا يزال يحمل آثار آلام من أجل الحب..

ليس في يد واحدة كهذه الأم، بل في كلتا اليدين والقدمين وأيضاً الجنب..

وليست آثار جروح حرق بالنار، بل آثار ما هو أقسى وأبشع.. آثار مسامير نافذة في الجسم، وطعنة حربة غائرة..

آه، ما أثمن يدي الرب..

ما أثمن قدميه..

ما اثمن جنبه..

أعضاء جميلة جداً، لأنها لا تزال تحمل آثار حادثة انقاذه لك..

لقد قدم جسده من أجلك..

وأنت ألا تقدم جسدك في طاعته وخدمته؟!

"أطلب إليكم.. أن تُقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة" (رو١٢: ١)..

ربي..

يا من أحببتني أاسلمت نفسك لأجلي..

ها أنا بجملتي لك

استخدمني لإتمام مقاصدك..

 

24.  جرب أن تشـكـر

كان قادماً من بلاد الغرب ليخدم المسيح في الصين.. وذات يوم وجد نفسه مكتئباً حزيناً ليست له القدرة على مواصلة العطاء..

صلى من أجل أن يهزم الحزن واليأس، لكنه لم يتغير كثيراً.. كانت الحرب عليه قاسية..

واتخذ قراراً حاسماً أن يترك الخدمة فترة من الزمن، ولن يعود إلا بعد ان تأتِ النصرة..

كان الله يريد ان يُلقنه درساً هاماً..

رحل إلى مكان للخلوة والعبادة، ولكن بمجرد أن دخل من الباب وقعت عيناه على لافته معلقة على الجدار، تحمل هذه العبارة: "جرب الشكر"..

ونفذت الكلمات إلى قلبه، ولمست منطقة المرض.. "لقد صليت كثيراً.. لكني لم أشكر من أعماقي".. وتكمل لنا مذكراته..

"انفردت بإلهي، ورغم حزني الشديد، استطعت بقوة لم أعهدها من قبل أن أشكره من أجل وعود الانتصارات التي تملأ كلمته.. وثقت أنه إله أمين يستحيل أن يخلف وعوده، لقد وعد بالفرح والنجاح والثمر الكثير..

وحالما شكرت من قلبي على وعوده، تدفقت فيَّ حيوية شديدة ونلت دفعة قوية للخدمة من جديد بحماس وغيرة.. وهزمت الإكتئاب.. نعم الشكر يغير كل شئ"..

لا يوجد تعب نفسي يقدر ان يقف أمام قوة الشكر..

الله ينتظر منا هذا الإيمان، أن نثق أنه أمين في وعوده، وأنه يستجيب صلواتنا..

ومن يثق أن الله يستجيب صلاته، سيشكره على الإستجابة قبل أن يغادر المخدع ليرى في الواقع كيف استجيبت صلاته..

 

25.  ومهما كان الشر المحيط بك

قَدُمَ السياح لزيارة أحد مناجم الفحم الشهيرة  بانجلترا..

وفي أحد الممرات كان هناك ما يشد الانتباه!!

نبات ناصع البياض وسط ذرات بلا عدد من الفحم الأسود تتطاير وتملأ المكان..

لم يترك المرشد في الزيارة هؤلاء السياح في حيرتهم، بسرعة إنحنى إلى الأرض وملأ يده بالتراب الأسود ثم عاد ورشه على هذا النبات..

كم كانت دهشتهم، لم تقدر ذرة واحدة سوداء أن تلتصق به..

عاود الزائرون التجربة بأنفسهم ولكن لم يقدروا أن يمسوا جمال هذا النبات الرائع، بقي كما هو أبيض كالثلج بلا نقطة واحدة سوداء..

تساءلوا ما هو السـر؟

كانت الإجابة.. لخلاياه قدرة أن تفرز مادة زيتية تمنع التصاق الذرات به فلا يتسخ !!

حقاً عظيمة وعجيبة هي أعمال الله..

يمنح نباتاً ضعيفاً قدرة عجيبة للإنتصار على سحب التراب الأسود المحيط به..

فإذا كان الله يهتم بهذا النبات، أفلا يعطيك أنت القدرة أن تنتصر على الوسط المعثر المحيط بك؟..

نعم هذا ما تؤكده كلمات الوحي الصادقة: "الرب يحفظك من كل شر يحفظ نفسك الرب يحفظ خروجك ودخولك من الآن وإلى الدهر" (مز١٢١: ٧)..

تمسك بإلهك.. وثق في حمايته المؤكدة وستختبر كيف يحفظك مهما كان الشر المحيط بك..

 

26.  لا يريدنا صوراً بالكربون

قد تراها قصة من قصص الأطفال التي تستخف بالعقل، لكنها مع ذلك تحمل معنى جديراً بالاهتمام..

كان عاملان يقومان بإزالة انسداد أصاب مدخنة ضخمة، فانزلق أحدهما داخلها، فلما أراد الثاني أن يسمك به انجذب معه، فهبطا كلاهما إلى أسفل وخرجا من فتحتها السفلية..

اتسخ وجه الأول بسواد كثيف بينما بقى وجه الثاني نظيفاً كما كان من قبل..

نظر كلاهما للآخر فخال لكل منهما أنه مثل صاحبه..

والنتيجة، أسرع الثاني وسكب مياهاً كثيرة على وجهه بلا داع، وظن الأول أن وجهه نظيفاً فلم يهتم بغسله!!

هذه هي القصة.. فما هو الدرس الذي تقدمه؟

كثيرون للأسف يهدرون طاقاتهم فيما لا يفيد أو يتكاسلون عن فعل أمور من المفيد لهم أن يقوموا بها، والسبب أنهم لا يرون أنفسهم على حقيقتها.. يظنون أنهم مثل غيرهم.. يتقمصون شخصيات الآخرين..

وما أخطر أن يتقمص شخص شخصية صاحبه.. ما أخطر أن يتبنى فكره دون أن يمتحنه، وأن يأخذ ذات اتجاهه دون أن يقتنع به بعمق، وأن يقوم بنفس دوره مع أنه ليس له نفس مواهبه بل مواهب أخرى أعطاها الله له لدور مميز يختلف به عن غيره..

الله لا يريدنا صوراً مكررة بالكربون..

الله يريدك شخصاً مميزاً.. الله يريدك عضواً مميزاً في جسد تُكمل أعضاؤه بعضها البعض..

العين نافعة جداً.. ولكن الله لا يريد كلاً منا أن يكون عيناً.. "لو كان كل الجسد عيناً فأين السمع ولو الكل سمعاً فأين الشم" (١كو١٢: ١٧).

الله يريدنا مثل الآلات الموسيقية التي تُستخدم معاً.. كلما زاد تنوعها، كلما كانت الموسيقى التي تعزفها أعذب وأروع..

 

27.  أرملة عظيمة

 

جمعت أولادها ووقفت تصلي معهم.. لم يُصلوا من قبل كما في تلك الليلة..

ليلتها خرجت الأنات من قلوبهم بحرقة بالغة ودموع كثيرة..

كانوا حقاً أمام خطر محدق بهم.. لم يكن الأمر مجرد كلمات مُخيفة سمعوها.. لقد لاحت في الأفق جيوش نابليون، وما هي إلا ساعات ويُدمر بيتهم، وقد تنتهي حياتهم على أيدي الجنود الذين تحجرت قلوبهم بسبب حروبهم الكثيرة..

لكن ألا يوجد إله يحمي الضعفاء من بطش ذوي القلوب القاسية؟

نعم يوجد، وهذا الإله الحنون كان بالفعل في قلب هذه الأرملة الضعيفة..

لا لم تكن ضعيفة، هذا كان فقط بحسب الظاهر، حقاً لم يكن لها زوج يزود عنها لكن كان لها ما هو أقوى وأعظم!!

كان لها الإيمان..

فقد كانت لها علاقة حية مع الرب.. وكانت على دراية بوعوده العظيمة المتعلقة بالحماية..

"إن نزل علي جيش لا يخاف قلبي. إن قامت على حرب ففي ذلك أن مطمئن"

ركعت على ركبتيها.. عبرت عن ثقتها في أمانته.. صلت بإيمان: "يا رب أعظمك لأجل أمانتك.. ستحقق وعودك معي.. أقم حول بيتي سوراً يحيمه"

تساءل أولادها ماذا تعني أمنا بهذه الكلمات. في الصباح عرفوا الإجابة، في الليل هبت رياح شديدة عواصف ثلجية عديدة، وتراكمت تلال الثلوج حول المنزل.. ومر الجنود وعبورا دون أن يروا البيت..

كانت إمرأة عظيمة.. عرفت كيف تنجو بالإيمان..

وأنت تستطيع أن تكون مثلها، وعندئذ ستجلس على قمة العالم، لا تخاف شيئاً..

 

28.  أعلى ثمن

 

هذه قصة وقعت أحداثها منذ زمن بعيد، حين كان العبيد يُباعون في الأسواق العامة بنظام المزاد العلني..

مزايدة شديدة قد جرت حول واحدة من الفتيات في ريعان شبابها..

كان سعرها يرتفع من عال إلى أعلى، وأخيراً لم يبق سوى رجلان يتزايدان على امتلاكها..

رجلان مختلفان تماماً في كل شئ.. هذا فظ الطباع عال الصوت وذاك هادئ الملامح رقيق الأحاسيس ووديعاً للغاية..

وكان الأمر سباقاً بينهما، وبدا للجمهور الحاضر أن كلاً منهما يصر على أن يمتلك هذه الفتاة..

أخيراً انتصر الثاني فأعطوها له، ومنحوه الأوراق التي تثبت ملكيته لها..

أما هي فلم تكن تملك سوى عينيها، تُعبر بهما لمالكها الجديد عن كراهيتها الشديدة له..

لكن فجأة تغير مدلول نظراتها!!

من الغضب والكراهية إلى الدهشة الشديدة!! ثم لم تمض غير ثوان قليلة حتى بدت عليها علامات الشك والريبة..

ماذا حدث؟

لقد فوجئت بالمالك الجديد يمزق أمامها كل الأوراق التي تُثبت ملكيته لها..

ابتسم الرجل بملء الحنان ثم حادثها وهي لا تزال ترتجف: "أنتِ الآن حرة، ليس لأحد سلطان عليكِ بعد اليوم.. لقد صممت أن أدفع الثمن لكي أُحررك"..

أذهلتها الصدمة، أخذت تحملق تارة فيه وتارة أخرى في الورق الممزق أمامها.. أخيراً استجمعت قواها وألقت بنفسها عند قدميه والدموع تنهمر من عينيها، ثم قالت له: "سيدي إنني أحبك.. نعم أحبك وسأخدمك طول الحياة"..

أيها القارئ..

تأمل معي، ما لم تقدر أوراق الملكية أن تفعله، فعلته المحبة.. وماذا عنك أنت؟

ألم يُحبك الرب يسوع؟

ألم يدفع أعلى ثمن لكي يُحررك من عبودية إبليس، هذه العبودية القاسية جداً؟

ألم يشتريك بدمه الثمين الذي سفكه من أجلك بآلام وأهوال لا توصف؟

أفلا تأتي عند قدمية مثل هذه الفتاة..

وتقول له مثلما قالت:

سيدي، إنني أحبك

نعم أحبك

وسأخدمك طول الحياة

ألا تصغي معي لكلمات الرسول بولس التي يُحثنا بها قائلاً: "قد أشتُريتم بثمن. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله.. لأن محبة المسيح تحصرنا" (١كو٦: ٢٠، ٢كو٥: ١٤)..

ألا تحرك هذه الكلمات مشاعرك؟

+  +  +

سيدي،

لك حياتي..

لك أيامي..

افتديتني..

حررتني..

أعظمك من كل القلب..

29.  لماذا صارت أجمل نافذة

في واحدة من كنائس أوروبا نافذة فريدة ، لا يخامر الشـك من ينظر إليها أنها تربو على مثيلاتها روعة وجمالاً..

ولهذه النافذة قصة فريدة!!

حدث أثناء تركيب نوافذ الكنيسة أن زارها أحد الفنانيين المشهورين، وما لبث أن خطرت له فكرة رائعة..

لماذا لا يُستفاد من قطع الزجاج المكسور المتبقي من زجاج النوافذ الملون؟!!

وسرعان ما بدأ في تنفيذ الفكرة..

وعرفت اليد الموهوبة أن تحول آلاف القطع الصغيرة العديمة القيمة من الزجاج الملون إلى نافذة غاية في الإبداع..

القارئ العزيز..

ألا ترى في هذه القطع من الزجاج المكسور مريم المجدلية التي بشرت الرسل بقيامة الرب.. وبولس الذي كرز إلى أقصى الأرض.. ومتى اسـتخدمه الروح لكتابة الإنجيل المعروف باسمه.. فالأُولى كانت تسكنها سـبعة شـياطين، والثاني كان مُصاباً بعمي التعصب فساق رجال ونساء الله إلى القتل، والثالث كان عبداً للطمع ظالماً لبني وطنه..

كانوا قطعاً من الزجاج المهشم.. لكن يا لعظمة يد الفنان الأعظم!!.. جعل منهم جزءاً من لوحته الجميلة، أو بلغة رسالة بطرس الأولى لقد صنع منهم أحجاراً حية في هيكلة العظيم (١بط٢: ٥)..

هل ترى نفسك قطعة من الزجاج المهشم؟.. قلب حزين ، هموم بلا حدود ، فشل متكرر، اخفاقات عاطفية.. كل هذا لا يهم.. ثق في الرب.. ثق في يده البارعة.. سيجعلك قطعة رائعة في لوحته الثمينة ، وحجراً حياً في هيكله.. سيصنع بك عجباً.. لا تركز النظر في حالتك.. تعال إليه الآن.. وستحدث لك تغيرات عظيمة تشهد لاقتدار الفنان الأعظم..

أيها الرب يسوع..

كم هي عجيبة لمساتك!!

وكم هي عظيمة محبتك!!

تعطي جمالاً عوضاً عن الرماد.. ودهن فرح عوضاً عن النوح.. ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة.. (إش٦١: ٣)

30.  قصة عن نابليون

إرتدى الإمبراطور الزي العسكرى ، وامتطى جواده، وأعد نفسه ليوم حافل بالعمل فسيمر على فرق الجيش يتفقد الأحوال استعداداً للمعارك القادمة..

لكن فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان!!

بغتة جنح به الحصان كأنة أصيب بلوثة جنون، وفي لحظة صارت حياة قائد فرنسا في مواجهة خطر موت محقق..

ماذا حدث؟

بتلقائية سريعة اندفع أحد الجنود وبحركة ماهرة جداً قبض على اللجام وأنقذ حياة الإمبراطور.. إلتفت نابليون إلى الجندي وقال له: "أيها الضابط أشكرك من كل قلبي".. وإذ سمع الجندي هذا ، وكان يعلم أنه لمجرد أن لقبه نابليون بلقب ضابط صار هكذا أجابة فوراً "نعم ضابط، ولكن في حرسك الخاص".. ومن ساعتها ارتقى الجندي إلى رتبة ضابط وصار يعمل في حرس الإمبراطور..

لقد صدق الجندي كلمة نابليون.. وثق فنال، ونحن هل نصدق كلمات الله؟

إن أحـد الأسـباب الرئيـسـية لعـدم تمتعنـا بغنـى ما لنـا في المسـيح أننـا لا نصـدق كـلمـاته ..

لا نصدق أنه يحبنا بلا حدود وإنه يريدنا له ونقبل تشكيك إبليس بأن الله لا يرغب في الكل مع أن كلمات الوحي تقطع بأن الرب "مات لأجل الجميع" (٢كو٥: ١٥) وإنه "يريد أن جميع الناس يخلصون" (١تي٢: ٤)..

لا نصدق أن دم الرب يسوع له قوة لا نهائية في إزالة الذنوب، فلا نسامح أنفسنا ولا نفرح بالمغفرة مع أن كلمات الوحي قاطعة أن "دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية" (١يو١: ٧)..

نترك إبليس يوجه إلى ضمائرنا الاتهامات بأننا خطاة، وهكذا يُخيفنا أو يُضعف من معنوياتنا مع أن الكلمة تؤكد أننا في المسيح مبررين (رو٣: ٢٤)، وليس لإبليس الحق أن يشتكي علينا.(رو٨: ٣٣)..

لا نصدق أنه يمكننا بالنعمة أن ننتصر على الخطية ولا نكون كما كنا من قبل مع أن كلمات الوحي "الخطية لن تسودكم" (رو٦: ١٤)، ووعود النصرة تملأ الكتاب "يعظم انتصارنا بالذي أحبنا" (رو٨: ٣٧)..

نضعف أمام إبليس ولا نصدق أن لنا السلطان أن ندوس على قوى الظلمة (لو١٠: ١٩) وأن نقاومها فتهرب منا (يع٤: ٧) وأن نأمرها فتخرج (مر١٦: ١٧) مع أن مكانتنا في المسيح هي كما تقول الرسالة إلى أفسس أننا جالسون في السماويات (أف٢: ٦) "فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة" (أف١: ٢١)..

تحتاج إذن أن تصدق هذه الحقائق، وإذا لم تقدر، اقرأ ما تقوله كلمة الله عنها.. اقرأ وأنت في محضر الرب.. ردد الآيات كثيراً وسريعاً ما سيأتي الإيمان إلى قلبك يأتي نتيجة انشغالنا بالكلمة.. مكتوب "الإيمان بالخبر والخبر بكلمة اللة" (رو١٠: ١٧)..

أيها الحبيب ، آمن بالامتيازات التي لك في المسيح ، اعترف بها ، وستحيا الحياة الممتلئة بالفرح والقوة..

31.  ستذوق النصرة

يعتبر "هوميروس" من الشخصيات العالمية ذات الأعمال العظيمة التي حفظها لنا التاريخ..

كان شاعراً كفيفاً عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، ومن أشهر ما نظم ملحمتي الألياذة والأوديسا وعن الألياذة ننقل لك هذه القصة..

وضع القائدان البحريان "أوليسس" و"أورفيوس" هدفاً بحرياً أمامهما وأصرا على البلوغ إليه.. ولكنهما سيواجهان نفس الخطر الذي قضى على طموح كل القادة السابقين، لابد أن يمرا على الجزيرة التي تقطنها شيطانات البحر.. وفيها تعزف الشيطانات أنغاماً ساحرة تجذب لهن بشدة كل بحارة السفن الذين يسمعونها.. ومتى أصبحوا في متناول إيديهن أسرنهم وأخذن كل ما معهم..

فكر "أوليس" القائد الأول في حيلة رائعة ونفذها.. قام بملء أذان بحارته بالشمع حتى لا يسمعوا هذه الأنغام الجذابة..

وبهذه الحيلة الرائعة أمكن لـ "أوليسس" أن ينتصر على هذه العقبة البالغة الصعوبة، ووصل إلى الهدف..

أما القائد الثاني "أورفيوس" فلجأ إلى حيلة أطرف.. كان عازفاً لا مثيل له، فلما لاحت الجزيرة في الأفق بدأ يلعب على قيثارته أجمل الأنغام وأعذبها فأسرت مشاعر بحارته وكل كيانهم.. فلما اقتربوا من الجزيرة الخطرة لم تقدر أنغامهم الشيطانية أن تؤثر عليهم فقد كانوا منجذبين لما هو أقوى وأحلى..

حقاً ما أعظم الطريقة الثانية!!

ونحن، أليس كثيراً ما يحاربنا العالم بإغراءات قوية ليحرك فينا طبيعتنا القديمة فنبدأ في الهروب، وتسد آذاننا عن سماع غواياته؟..

لكن تبقى أعظم قوة للتغلب على تجارب الشر هي الطريقة الثانية.. وهي أن نشبع بما هو أحلى، أن نشبع بالرب يسوع شبعاً حقيقياً..

أليس مكتوب أن "النفس الشبعانة تدوس العسل" (أم٢٧: ٧)؟!

الرب مُشـبع جداً لقلوبنا.. "أمامه شبع سرور وفي يمينه نعم إلى الأبد" (مز١٦: ١١).. وعندما تشبع بالرب حتما ستزدري بكل ما يجذبك للإثم..

ثق أن أنغام الرب يسوع العذبة أشد وأقوى جاذبية من كل ألحان الخطية..

انظر إليه.. تمتع بحبه دائماً.. ستستـنير (مز٣٤:٥)،.. وستتغير من مجد إلى مجد (٢كو٣: ١٨)..

32.  مركب وصخرة

لنفترض أن سفينة كانت تشق طريقها عبر نهر ملاحي ضيق، ثم اعترضتها صخرة ضخمة أوقفت المسير، تُرى ماذا سيكون تصرف بحارتها؟..

ربما سيُحاولون جاهدين أن يُزيلوا هذا العائق من الطريق.. وحسناً سيفعلون..

لكن الله قد يقول شيئاً آخراً..

لن تقدروا أن تُزيلوا هذه الصخرة أبداً!!

وهذا لا يعني أنكم ستتوقفون عن السير!!

هناك حل آخر..

سيرتفع منسوب مياه النهر.. سترتفع السفينة ستعلو فوق الصخرة وستعبر بكل سلامة.. حقاً

(حول كيفية التمييز بين وقت إزالة الصخرة ووقت ارتفاع المياه إقرأ فصلي ١٠، ١١ من كتاب لا تطرح ثقتك)..

ما أعجب طرق الله!!

هذا ما يفعله الله أحياناً معك..

قد لا يخفف من الأثقال التي على منكبيك، لكنه لكل تأكيد سـيُقوي عضلاتك.. فهو لم يزل الشوكة من أمام الرسول بولس لكنه أعطاه النعمة الكافية لاحتمالها..

حينما تشتد أمامك الظروف يلتفت لك الرب يسوع ويربت على منكبيك مبتسماً ويقول لك: "تكفيك نعمتي" (٢كو١٢: ٩)..

33.  أمور للتأمل، وأنت تأكل السمك!!

لا خلاف في أن السمك يحتل مكاناً بارزاً في قصة حياة الرب يسوع التي سجلتها لنا الأناجيل الأربعة..

معجزتان لإشباع أعداد غفيرة من الناس، استخدم الرب فيهما قليلاً من السمك  والخبز (مت١٤: ١٩"  ١٥: ٣٦)..

ومعجزتان ارتبطتا بالسمك ، من ناحية صيده.. واحدة كانت مع بداية كرازته والثانية جرت بعد القيامة (لو٥: ٤، يو٢١: ٦)..

ومعجزة خامسة، عندما أمر الرب بطرس أن يذهب إلى البحر ويأخذ أول سمكة يصطادها، ويفتح فاها فيجد إستاراً "قطعة نقود يسدد منها أموال الجزية المطلوب دفعها (مت١٧: ٢٧)..

وكلمة سمكة في اللغة اليونانية التي دُون بها العهد الجديد هي كلمة أخسوس IΧΘύς) ) (I ch th u s) وتتكون من خمسة حروف هي الحروف الأولى لخمس كلمات تشكل باليونانية عبارة "يسوع المسيح ابن الله المخلص"..

يسوع  = I is for(Ιησούς) lesous

المسيح  = ch is for (Χριστός) Christos

الله  = th is for (θεός) Theou

ابن  = u is for (υιός ) Uios,

المخلص  = s is for (σωτήρας )Soter

ويُقال أن هذا هو سبب استخدام المسيحيين الأوائل للسمكة كرمز لهم وككلمة سر يتعرفون بها على أماكن بعضهم البعض أيام الاضطهادات..

والآن أيها القارئ، ألا ترى في السمك منطلقاً إلى أكثر من تأمل؟..

يمكنك وأنت تأكل السمك أن تتذكر إله المعجزات الذي يسدد كل احتياجات أولاده.. هل تعاني من احتياجات كثيرة؟.. حتى لو بلغت الخمسة آلاف احتياج، فالرب الذي أشبع جموعاً بمثل هذا العدد هو أيضاً إلهك، سيفعل أكثر جداً مما تطلب أو تفتكر.. سيسددها كلها..

يمكنك أيضاً أن تتذكر معجزتي صيد السمك.. صيد السمك يشير إلى صيد النفوس.. يمكنك أن تصلي صلاة قصيرة كهذه يارب اجعلني شبكة في يدك، واستخدمني لربح نفوس كثيرة لك.. ومن عمق بحر العالم..

ومن الممكن أن يشغلك الأسم اليوناني للسمكة أخسوس"___"،  فتنشغل بالرب يسوع الذي يتحدث عنه..

+  +  +

 هذا مثل بسيط يوضح لك كيف تستطيع أن تستخدم أموراً صغيرة تتعامل معها في حياتك العادية لتفتح بها أكثر من باب للتأمل في الأمور الروحية العميقة..

فهل تفعل هذا؟

إبدأ وبكل تأكيد، الروح القدس سيساعدك..

34.  ملء يده هو

اتفق مزارع مع صبي صغير، على أن يقوم بمساعدته في العمل نظير ملء اليدين من البلح كل يوم..

أتم الصبي العمل في اليوم الأول كما ينبغي، فطلب منه المزارع أن يبسط يديه لكي يملؤها بالبلح..

نظر الصبي بعمق وقال له:

"لا يا سيدي.. نعم لقد اتفقنا على أن يكون الأجر ملء اليدين لكننا لم نحدد هل هما يداي أنا الصغيرتان أم يداك الكبيرتان.. أتوقع سخاءك.. أعطني ملء يديك أنت"..

+  +  +

أيها القارئ..

تُرى هل لك توقع هذا الصبي؟

هل تثق أن أباك السماوي يعطيك كما يقول الوحي "أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر" (أف٣: ٢٠)

كلا، لن يعطيك فقط بحسب احتياجك بل أكثر جداً بحسب غناه في المجد..

لن يعطيك ملء يديك أنت بل ملء يديه هو.. فلا تُحزن قلبه بتوقعات أقل.. هو أبوك الذي يحبك جداً، ثق واطلب منه ولن يعوزك شئ!!

"ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب.. الأشبال احتاجت وجاعت وأما طالبوا الرب فلا يعوزهم شئ من الخير" (مز٣٤: ٨، ١٠)..

35.  نصيحة ذهبية

إنها نصيحة ثمينة يهمس بها الله في أذنك.. "اصعد في الصباح.. وقف عندي" (خر٣٤: ٢)..

فهل تحرص على خلوة الصباح مع أبيك السماوي؟

ابدأ يومك معه.. ارفع قلبك نحوه.. في هذه الخلوة قوة هائلة، وهي في متناول يدك.. انتظم في ممارستها، فلا شئ في الوجود يضاهي الجلوس مع الحبيب..

ليس شرط أن تكون الخلوة لوقت طويل.. لكن المهم أن تكون موجودة في بداية كل يوم.. استيقظ مبكراً قليلاً وابدأ يومك معه وستلمس تغييراً ضخماً في حياتك..

افتح الكتاب واقرأ ولو جزءاً صغيراً بحسب ما يتسع وقتك، وليكن ما تقرأه مادة لتأملك وصلاتك..

خلوة الصباح هي أعظم عضد.. يملأك الله خلالها براحته ويعضدك بالقوة التي تحتاجها..

ابدأ يومك معه.. وسر طوال الوقت في شركة معه، وعندما تنام ضع رأسك على الوسادة مستنداً على يديه الحافظة.. إنه يعطي أحباءه راحة ونوماً هادئاً..

تذكر كلمات أغسطينوس العظيمة "من يصلي حسناً، يقضي يومه حسناً"..

36.  لا نجهل أفكاره

كانت السفينة الحربية الأسبانية كاللاو "Callao" تبحر في هدوء إلى داخل ميناء مانيلا Manella، وفجأة وبلا مقدمات انهالت عليها قذائف عديدة..

ما الذي حدث؟ تساءل بحارتها في ذعر بالغ "إننا في ميناء خاضع لسلطات بلادنا"..

كانوا غائبين لستة عشر شهراً كاملاً في مياه الجزر الجنوبية ولم تبلغهم الأخبار بأن الأميرال الأمريكي "ديوي" Dewey قد أغرق أسطولهم الألماني الذي كان راسياً في هذا الميناء..

بسرعة فائقة، أنزلوا علم أسبانيا ورفعوا الراية البيضاء معلنين الاستسلام، وما هي إلا دقائق معدودة حتى أتى البحارة الأمريكيون على قارب صغير حاملين بفخر علمهم الأمريكي لكي يرفعوه..

تأمل إن السبب في إصطياد هذه السفينة بهذه السهولة والسرعة لم يكن لنقص عدد جنودها أو لقلة عدادهم الحربي بل لجهلهم بتحركات العدو..

للأسف، كثيرون من المؤمنين يسقطون بنفس السهولة والسرعة بسبب جهلهم بتحركات خصمهم إبليس، وعدم معرفتهم لأنواع فخاخه التي ينصبها لهم..

لقد سقط داود لأنه لم يفطن إلى فخ الشهوة (٢صم١١: ١-٤)..

ومن بعده سقط بطرس لأنه لم يتيقظ لفخ الثقة في الذات والاعتماد على قوة الإرادة (مر١٤: ٢٩، ٦٦-٧٢)..

والتلاميذ سقطوا ذات مرة في شباك العظمة ومحبة المركز الأول (لو٢٢: ٢٤)..

أيها القارئ..

لا تخف.. لا تخف مطلقاً فالله لا يريدك جاهلاً، لقد أعطاك كل المعلومات التي تحتاجها في حربك مع مملكة الظلمة..لا تخف.. لا تستصعب الأمر.. لقد أعطاك الكتاب المقدس أعظم وأوفى مرجع للحرب الروحية..

فلتدرس الكتاب المقدس بكل جدية..

ولتدرسه باستمرار وبانتظام..

ولتدرسه جالساً، عند قدمي الرب المشير (إش٩: ٦) طالباً قيادة روحه، "روح الفهم" (إش١١: ٢)..

ادرس الكتاب، وانتبه إلى الدروس العديدة التي يقدمها عن الحرب الروحية، ولا سيما التي تُعلمها لنا القصص الكثيرة التي يمتلئ بها، وتتحدث عن المعارك مع العدو..

تعلم من انتصارات رجال الله وأيضاً من هزائمهم..

ادرس الكتاب يومياً، وسريعاً ستقدر أن تقول عن الشيطان مع الرسول بولس "أننا لا نجهل أفكاره" (٢كو٢: ١١)..

37.  هذه هي العفة

فلاحان، كانا يعيشان سوياً.. وكانا يتصارحان في كل أمر، ولم يكن أحدهما يخفي شيئاً عن الآخر..

ذات يوم، في الصباح الباكر، كانا جالسين عند شاطئ النهر استعداداً للعمل، فرأيا فلاحة تسقط أمامهما في المياه بعد أن تعثرت قدماها أثناء عبورها من القارب إلي الشاطئ ..

بتلقائية وبلا تردد أسرع أحدهم وألقى بنفسه في الماء، ثم عاد وهو يحملهما على ذراعيه سليمة إلى الشاطئ..

عند المساء، قال له الآخر "أنت تعلم أن النساء خطر علينا، ولا يجب أن نلمسهن، وها أنت قد حملت هذه المرأة في الصباح"..

أجابه في هدوء "نعم لقد حملتها أنا في الصباح، ولكن ها أنت لا تزال تحملها إلى هذه اللحظة"..

نعم، هذه هي العفة.. فالعفة الحقيقية ليست صراعاً وكبتاً بل نظرة طاهرة تنبع من قلب نقي..

العفة الحقيقية هي نظرة سامية للجنس الآخر، تراه شخصاً مُكرماً أحبه المسيح مات لأجله..

هذه العفة لا يمكن اقتناؤها بطرق علم النفس، بل هي المحبة التي يثمرها الروح القدس في الإنسان الخاضع له..

أعلن إيمانك بأن إنسانك العتيق قد صُلب مع المسيح (رو٦: ٦)، ولهذا ليس للطبيعة القديمة أن تعمل بداخلك..

ثم اطلب بإيمان باسم الرب يسوع أن تمتلئ بالروح القدس.. والروح سيملؤك بالحب وسيجعلك تنظر دائماً بعين بسيطة فترى كل شئ بنقاوة.. "وأما ثمر الروح فهو.. تعفف" (غلا٥: ٢٣)

38.  المهم.. إلى أين تنظر؟

دُعي أحد المتخصصين في علم النفس لكي يحادث مجموعة من رجال الأعمال في موضوع الإكتئاب..

بدأ المتخصص محاضرته بتعليق ورقة بيضاء كبيرة، ورسم عليها بقلمه دائرة سوداء صغيرة.. ثم بادر بسؤال أحد الرجال الجالسين أمامه في الصف الأول قائلاً: "ماذا ترى أمامك؟"

أجابة الرجل بسرعة: "أرى دائرة سوداء" أعاد المحاضر السؤال مرة أخرى على جميع الحاضرين فاتفقوا على أنهم هم أيضا يرون دائرة سوداء..

تابع المحاضر حديثه في هدوء وتأن وهو يقول لهم: "نعم توجد دائرة سوداء صغيرة، لكن أحداً منكم لم يَر المساحة البيضاء الضخمة.. وهذا هو كل ما أردت أن أقوله لكم اليوم.. ليس لدي كلمات أخرى أضيفها.. يمكنكم أن تنصرفوا الآن!!"

+  +  +

يا لها من محاصرة ثمينة بالرغم من قصرها البالغ!!

فهل تريد أن تحمي نفسك من الإكتئاب.. أو هل تريد أن تتحرر منه ، إذا كنت بالفعل قد أصبت به؟

هيا ، حول عينيك عن التركيز في الأمور المؤلمة والأحداث المزعجة والمخاوف التي يهاجمك بها إبليس..

حول عينيك عن البقع السوداء الصغيرة ولتحصر نظرك في المساحة البيضاء المتسعة بلا حدود التي تتحدث عن عناية الآب السماوي المحب..

لا تطل النظر إلى العوائق الضخمة.. القفر.. البحر.. النيران، بل انحصر في الإله الذي يجعل القفر غدير مياه.. الإله الذي يشق في البحر طريقا.. الإله الذي يجعل النيران عاجزة كل العجز أن تمس ولو شعرة واحدة من رأسك..

لا، لا تنظر إلى الأسود الجائعة التي يهددك بها العدو.. تطلع إلى إلهك الحافظ الذي يرسل ملائكة فيسدوا أفواهها..

لا، لا تقلق قط بسبب الاحتياجات الضخمة المتزايدة، والموارد الناقصة والإمكانات العاجزة.. ألق همك على إلهك، إله البركة الذي أشبع الخمسة آلاف بقليل من الخبز والسمك..

اُنظر.. اٌنظر دائماً إليه، انشغل به.. ثق فيه ولن تفقد أبداً ابتسامتك وستُسدد كل احتياجاتك..

الله إلهك، يفتح الأبواب المغلقة..

التفت إليه.. التفت إليه دائماً.. هو يحبك.. نعم يحبك وبلا حدود..

+  +  +

سيدي،

علمني دائماً أن أنظر إليك

وأضع ثقتي كاملة فيك..

39.  قصة حب

هذه قصة قرأتها ولا أعرف إن كانت قد حدثت بالفعل أم هي من نسج خيال كاتب مسيحي خصب.. على كلِّ ، يستوي الأمر فالذي يهُمنا هو فقط المغزى الذي تقدمة..

تقول القصة

حُسمت المعركة، وسقط أمير وزوجته في قبضة ملك أقوى وأتوا بهما إلى القصر للمحاكمة..

نظر الملك اليهما وقال.. قررت أن أعفو عن أحدكما وسأعاقب الآخر.. ماذا تقولان؟..

سارع الأمير بالإجابة "اعط زوجتي الحرية.. وافعل بي ما تشاء ، إني على استعداد أن أموت عنها.."

رق قلب الملك، فعفا عنهما معاً..

وفي الطريق جرى الحوار التالي بين الأمير وزوجته..

هل رأيت جمال قصره.. إنه ملك ذو مجد عظيم ، ما أروع العرش الذي يعتليه والجواهر النادرة التي زينت تاجه..

لم ألاحظ شيئاً..

كيف؟

لم انشغل بالملك والقصر والتاج.. كانت عيناي مشغولة تماماً بشئ آخر.. بالشخص الذي كان على استعداد أن يموت لأحيا..

هل نحن كذلك عيوننا مُثبته على من مات بدلاً منا.. من مات لكي لا نهلك؟..

سيدي

أعطني قلباً يفيض بالشكر لك..

يشكرك لأجل الصليب..

لقد مت بدلاً عني..

مت لتعطني الحياة..

مت لتحررني..

فلتكن حياتي.. كل حياتي

أنشودة شكر لحبك..

40.  عطاء قاتل

هي قصة قديمة، قد تكون خيالية.. أياً كان الأمر فهي تقدم لنا درساً مفيداً يستحق الاهتمام..

أحداثها تدور حول حارس لفنار إحدى الجزر الساحلية النائية.. عندما تأخرت سفينة الإمداد عن موعدها، وبدأت الجماعة القليلة العدد التي تعيش حول الفنار تنزعج وتضطرب.. إذ لم يعد لديها زيتاً لإضاءة المصابيح..

ماذا فعل الحارس؟.. كان يحب هذه الجماعة، فبدأ يُقاسم أفرادها ما لديه من الزيت المختزن لإضاءة الفنار..

وفي ليلة انتهي الزيت، ولم يجد الحارس ما يشعل به النار التي فوق الفنار.. ويا للمأساة ففي نفس الليلة اقتربت السفينة المتأخرة وصارت على وشك بلوغ الشاطئ.. ولم تجد ضوءاً يهديها فارتطمت بالصخور وغرقت وغرق معها كل أمل في إمداد سكان الجزيرة باحتياجاتهم..

آه، لهذا العطاء القاتل!!

آه لعطاء الحارس الذي كان سبباً في ضرر بالغ له وللجماعة التي أحبها..

يا لهذا الدرس الثمين!!

أية خسارة تصيبنا ومن حولنا، عندما نفقد كل طاقاتنا في العطاء لهم، فلا يبقى لنا في اليوم وقت ولا طاقة للاختلاء بالرب للامتلاء بروحه..

أيه خسارة عندما نهتم بالعطاء ولا نهتم أن نستمر مضيئين..

وأية أضرار قد تقع عليهم عندما نعطيهم ونبذل لأجلهم بدون قيادة من الروح.. بدون حكمته، وبدافع الحب الطبيعي أو الشفقة وليس بدافع الحب الإلهي الذي يملأ به الروح القدس القلب.. وذلك لأنه لم يبق لنا وقتاً للامتلاء به..

أيها القارئ..

اعط ذاتك في خدمة الآخرين، لا تتردد، ابذل نفسك لمساعدتهم، ساهم بكل قدراتك في حل مشاكلهم وإسعادهم، فهكذا علمك سيدك.. لكن احرص كل الحرص أن تفعل هذا بقوة وقيادة الروح القدس.. آنذاك سيكون عطاؤك مميزاً، عطاءاً من السماء، نافعاً جداً لهم وأيضاً لك..

سيدي الحبيب..

لا تسمح لي أن تنقطع صلتي بك وشركتي معك ولو ليوم واحد..

ولتعطني أن انظر دائماً مجدك بوجه مكشوف كما وعدت في كتابك..

فيغيرني روحك، من مجد إلى مجد..

فأضيئ بحبك الناري.. لإخوتي، وحتى لأعدائي..

ويصير عطائي لهم دائماً لخيرهم..

41.  لا تُضيع الوقت

الملكة "ماري" من ملكات انجلترا السابقات.. عرفها الناس بقربها إليهم، فهي بسيطة متواضعة ومحبة للغاية.. اعتادت بين الحين والآخر أن تتجول في الشوارع بلا حراسة..

كما كان من عاداتها أن تزور اسكتلندا مرة كل عام.. وفي إحدى زياراتها تجولت في شوارعها مع بعض الأطفال، وذهبت معهم بعيداً..

فجأة امتلأت السماء بالغيوم الكثيفة وصار المطر متوقعاً بين لحظة وأخرى، فتوقفت الملكة عند منزل قريب  لتسـتعير منه مظلة..

قرعت الملكة على الباب، ففتحت لها امرأة، فطلبت منها أن تُعيرها مظلة ووعدتها أن تُعيدها لها في اليوم التالي..

لم تعرف المرأة أنها الملكة، فترددت أن تعطيها مظلة جيدة، وفي النهاية حسمت الأمر وأحضرت لها من دولاب الملابس القديمة مظلة بالية، يدها مكسورة وقماشها ممتلئ بالثقوب..

في اليـوم الثـاني ، كان واحـد من حرس الملكة يقـرع باب المـرأة .. فتحـت له فأعطاها مظلتهـا القـديمة قائلا ً " الملكة تُـعيد لكِ المظـلة مع خـالص تحيـاتهـا " ..

هنا بكت المرأة بشدة وهي تقول لنفسها "أي فرصة ذهبية كانت لي، وأهدرتها.. كيف لم أُعط الملكة العظيمة أحسن ما أمتلك"..

أيها القارئ..

كم من كثيرون سـيشعرون لما شعرت به هذه المرأة عندما يتقابلون مع الملك في مجده.. فكم من فرص ذهبية أُتيحت لهم لكي يقدموا له أفضل ما عندهم ولم يفعلوا..

سمح الرب لهم بفرص ثمينة جداً للاختلاء به فأبوا أن يجلسوا عند قدميه ليعطوه قلوبهم ويسلموه مشيئاتهم ومستقبلهم..

وطرق الرب أبوابهم وألح في الطلب لكي يقدموا له أجسادهم ليسير بها ويتكلم من خلالها مع المحرومين والمحتاجين إلى غفرانه وشفائه، فتجاهلوا طرقه..

وجاء إليهم متخفياً، مرة يصاحب مريضاً في احتياج ، ومرة أخرى خلف أسرة فقيرة تطلب الثياب ، ومرة ثالثة في صورة محروم من الحنان والحب.. فاعتذروا له بانشغالهم الشديد.. البعض بالعمل والآخر بالعلاقات الاجتماعية مع شخصيات يوقرها المجتمع..

سيدي..

هل تسمح لي أن أقدم لك أفضل ما عندي،

بل هذا أيضاً أقل جداً مما تستحق..

سيدي..

أنت تستحق كل شئ..

فِلأكُن، كلي ، بجملتي لك..

42.  القائد الأعظم، في خدمتك

انتهت الأجازة، واستقلوا العربة في الصباح الباكر عائدين بها إلى مدينتهم..

تطلعت الطفلة الصغيرة عبر زجاج نافذة العربة، ثم سألت أباها: "أبي ما هذا الذي أراه؟" أجابها قائلاً: "هذه هي الشبورة.. اُنظري كيف تحجب عنا كل معالم الطريق".. ثم أردف قائلاً لبقية أفراد أُسرته "ليس في مقدورنا الآن إلا أن نسير ببطء شديد حتى لا نصطدم بأي شئ"..

لكن حدث أن مرقت من جانبه سيارة مندفعة بسرعة ضخمة.. فقال لهم "حسناً، لا شك أن سائقها يعرف جيداً الطريق إلى المدينة.. يمكننا الآن أن نسرع خلفه، وراء ضوء مصابيح عربته الحمراء"..

لكن فجأه اختفى اللون الأحمر ثم ارتطمت عربته بشدة..

ماذا حدث؟

لم تكن العربة السريعة التي يهتدي بنورها الأحمر، منطلقة إلى داخل المدينة كما توقع.. فقد كان صاحبها يقطن منزلاً على الطريق..

لقد سار ورائها حتى دخل مثلها إلى الجراج دون أن يدري.. فاصطدم بها..

+  +  +

أيها القارئ..

لا تتبع قائداً لا ينظر إليك وهو يقودك.. لا تتبع أبداً قائداً لا يراجع لك خطواتك ليتأكد إن كنت سائراً في الطريق الصائب أم لا..

الرب يسوع هو القائد الأعظم الذي يمكنك أن تتبعه وأنت مطمئن للغاية..

هو دائم النظر إليك.. يريد أن يهدي خطواتك..

صديقي، إن كنت قد اتخذت قراراً خاطئاً وضللت الطريق، وصنعت أكثر من حادثة تصادم.. لا تضطرب، تعال إلى الرب القائد واسكب قلبك أمامه.. اعترف بأخطائك وقل له:

"سيدي.. قُد خُطاي"

ثق أن الوقت لم يفت بعد.. قلبه أعظم من أخطائك.. سيصحح مسارك بسرعة، وسيصنع معك أكثر جداً مما تفتكر..

دعه يقودك ولن تخشى خوف الليل.. بخوافيه يظللك وتحت أجنحته تحتمي (مز٩١: ٤).. هو سائر أمامك ويكون معك، لا يهملك ولا يتركك (تث٣١: ٦، ٨) ولا يدع رجلك تزل (مز١٢١: ٣).. "يقودك من وجه الضيق إلى رحب لا حصر فيه" (أي٣٦: ١٦)..

سيدي..

أشكرك من أجل هذا الامتياز الفائق..

أنك تقودني..

43.  أيهما أسهل؟

تأمل رجل ذات مرة في طائر كان يحلق عالياً، فتخيله يقول له:

"من السهل جداً أن أطير فوق السحاب، ومن الصعب جداً أن أغوص أسفل الماء"

أيها القارئ الحبيب.. هل تقدر أن تتحدث بمثل كلمات هذا الطائر؟ أتقدر أن تقول:

"من السهل جداً أن أحيا منتصراً فوق تحديات مملكة الظلمة.. ومن الصعب جداً أن أغوص في بحار الخطية واليأس"؟

ثق أنك تستطيع أن تقول هذا، صادقاً.. ثق أنه في مقدروك أن تنتصر، وأن تظل منتصراً..

ثق، فببساطة هذه هي إرادة الله الذي يحبك..

انظر معي إلى هذه الآية القصيرة.. إنها واحدة ضمن آيات كثيرة تتحدث عن النصرة التي أعطاها الله لنا..

"قاوموا إبليس فيهرب منك"..

وماذا تعني؟

إنها تحمل لك وعداً ثميناً، إن لك سلطاناً أن تدوسه بأقدامك (لو١٠: ١٩)..

قاومه بأن تنتهره باسم الرب يسوع (أع١٦: ١٨)..

قاومه بأن تعلن له الآيات المناسبة للمجالات التي يهاجمك فيها..

ثق أن كلمة الله هي سيف الروح الذي يصرعه.. قاوم إبليس محتمياً بالإيمان بدم الرب يسوع.. بسبب هذا الدم الثمين لم يعد له أي حق فيك..

قاوم إبليس.. استمر مقاوماً له إلى أن تُحسم المعركة..

إن خطة الله لك أن تكون في الإرتفاع والنصرة.. فلا تخف..

44.  هل ضاع منك الهدف؟

انطلقت مجموعة من الكلاب تعدو بسرعة ، ولكن بعد فترة زمنية قليلة توقفت، كلب تلو الآخر ، إلا واحداً ظل يجري بإصرار، لا يعوقه تعب، ولا تعطله رؤيته لبقية الكلاب وهي تكف عن الجري..

ما السبب؟

هذا الكلب هو الوحيد الذي لمح الأرنب البري، الفريسة الشهية وهو عن بُعد، فانطلق وراءه، مُركزاً نظره عليه، وظل هكذا يعدو إلى أن فاز به..

أما بقية الكلاب فلما رأت هذا الكلب يجري اندفعت تجري مثله، ولكن لأنها لم تر الفريسة لذا سريعاً ما توقفت عند أول إحساس بالتعب..

هذه القصة رواها أحد المعلمين في القرن الرابع ليوضح أهمية رؤية الهدف..

والآن اسأل نفسك..

هل ترى في خدمتك للرب الهدف واضحاً، أم أنك تكتسب حماسك لهذه الأمور من حماس أصدقاء لك؟

ما أخطر الأمر الثاني!! فلن يستمر حماسك طويلاً، وسـتفـتر وسـتتعثر وستعود إلى الخلف مثلما فعلت هذه الكلاب..

نعم ما أخطر ضياع الهدف.. فلا يمكن أن تستمر في الطريق الروحي متحدياً الصعاب بدون أن يكون التمتع بحب المسيح وتمجيده هو الهدف الذي تراه دائماً وتسعى إليه..

هل تريد أن تزداد كل يوم اشتعالاً.. ضع هذا الهدف دائماً نصب عينيك.. أن تحيا حياتك من أجل أن تُمجد الرب يسوع أكثر وأكثر..

هو بالفعل يستحق كل الحياة..

45.  كيف تعالج الخطأ؟

ذكر لنا ترتليانوس (من القرن الثاني) هذه القصة:

أقام أفلاطون إحتفالاً كبيراً ودعا له حشداً من الفلاسفة.. وكان قد زين بيته بالسجاجيد الغالية وستائر الحرير الذهبية..

وكان ضمن المدعوين ديوجانيس الذي أتى إلى الإحتفال بحذاء وثياب ملوثة بالطين، وأخذ يدوس بحذائه القذر على السجاجيد الغالية..

سأله أفلاطون " لمـاذا تفعـل هذا ؟"

أجابه قائلا ً " إني أدوس كبرياء أفلاطون و تشـامخه" ..

فرد أفلاطون "نعم أنك تدوس تشامخ أفلاطون ، لكنك تدوسه بتشامخ آخر"..

كثيرون يتحمسون لعلاج أخطاء إخوتهم وقد لا ينقصهم صدق الدافع أو حماس الرغبة، ومع هذا يكون علاجهم لإخوتهم خارج مشيئة الله..

لماذا؟

لأنهم يعالجون الخطأ بخطأ آخر..

يعالجون أخطاء إخوتهم بطريقة ديوجانيس الجارحة..

تعوزهم المحبة في طريقتهم للعلاج..

المحبة التي "تتأنى وترفق".. المحبة التي "لا تتفاخر وتنتفخ" (١كو١٣: ٤) المحبة التي "تستر كثرة من الخطايا" (١بط٤: ٨)..

يعلمنا الرسول بولس قائلاً: "إن انسبق إنسان فأُخذ في زلة ما فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة" (غلا٦: ١)..

نعم هناك فرق بين علاج الخطأ "بالجسد" وبين علاجه "بالروح".. العلاج بالروح القدس دائماً يمتلئ بالحب الحقيقي والإتضاع الصادق..

أيها الحبيب الوديع..

يا من باتضاع فائق انحنيت لتغسل أقدام عبيدك..

أيها الرقيق كل الرقة.. اللطيف كل اللطف..

أيها الراعي العذب، الذي "قصبة مرضوضة لا يقصف. وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (مت١٢: ٢٠)

تحتمل وتحتمل، وتعالج أخطاءنا في صبر عجيب..

ما أعظم طول أناتك..

ما أعجب وداعتك..

آه يا سيدنا،

علمنا أن نتشبه بك، ونحب إخوتنا كما أحببتنا..

وحينما يخطئون نعاملهم كما تعاملنا..

نعاتبهم في لطف.. ولا نجرح قط مشاعرهم..

سيدي..

املؤنا بالروح القدس ليكون حٌبنا شبيهاً بحبك..

46.  المهم من الذي يعزف؟

لم يختلف إثنان من الذين حضروا هذا الحفل في أن ما حدث هو أمر لم يتكرر من قبل، وأغلب الظن أنه لن يتكرر مرة أخرى، فالذي جرى كان بالفعل مثيراً للغاية.. وإليك التفاصيل..

إكتظ المكان بالمشاهدين، جاءوا من كل صوب كلهم أمل في التمتع بموسيقى راقية تعوضهم عما دفعوه من مال ليس بقليل ثمناً للحضور..

وبدأ الموسيقار الإيطالي الشهير باجانيني Paganini يضبط أوتار كمانه، وكانت المفاجأة!!

قُطع وتر ثم ثان ثم ثالث.. ولم يبق إلا وتراً واحداً..

لا جدال، كان موقفاً قاسياً للغاية، لكن الفنان الكبير استطاع أن يتمالك نفسه وقال: "وتر وحيد سليم.. ليكن!!".. ومن هذا الوتر ويا للعجب خرجت موسيقى عذبة غاية في الروعة، لا مثيل لها صفق المشاهدون لها كثيراً..

صديقي، قد تكون ضعيفاً للغاية مثل هذا الكمان ذا الوتر الوحيد.. لا يهم!! المهم من العازف؟

اترك نفسك للقدير الأعظم وهو يخرج منك أشدى الأنغام وأحلاها..

مكتوب في رسالة أفسس "إننا عمله" (أف٢: ١٠)، ما أروع ذلك!!

قل له بثقة "أنا عملك.. أنا آلتك"..

لن أنشغل بخسائر وهزائم الماضي، فستعزف بي.. ستستخدمني، وتعمل بي عجائب..

47.  حوار من العالم غير المنظور

تخيل أحدهم حواراً بين اثنين من الأرواح الشريرة..

قُل لي، بما أن لك خبرة طويلة في إغواء البشر، ما هي أفضل الطرق في محاربتهم؟

أن نتفنن في إقناعهم بأننا غير موجودين على الإطلاق..

ماذا نفعل مع الذين لا نقدر أن نقنعهم بهذه الأكذوبة؟

نحاول على قدر طاقتنا أن نجعلهم يفكرون فينا ويتحدثون عنا أكثر وأكثر..

 

+  +  +

نعم إن كليهما خطر ، أن نتجاهل دور الشيطان تماماً أو أن نهتم به أكثر من المفروض..

لنتعلم ألا نركز الضوء عليه بل على الرب الذي سحقه.. وألا نتحدث عن قوته بل عن السلطان الذي لنا على مملكته..

ولنعظم دائماً دم الحمل فباحتمائنا به نحن حقاً أعظم من منتصرين..

ولنردد بملء الفرح هذه الآية العظيمة التي سمعها القديس يوحنا تتردد في السماء بصوت عظيم:

"وهم [المؤمنون] غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم" (رؤ١٢: ١١)

  "أحبك يا رب يا قوتي..

  صخرتي وحصني ومنقذي

  تُرسي وقرن خلاصي وملجأي

  تمنطقني بقوة للقتال.. وتعطيني أقفية أعدائي لذلك أحمدك..

  وأرنم لاسمك"

  (مز١٨: ١،٢،٣٩،٤٠،٤٩)..

48.  عصفور الكناري في خطر!!

كان لرجل عصفور كناري جميل الغناء، وكان لجاره عصفور آخر صغير..

وفي يوم أراد الرجل أن يتأكد إن كان في مقدور عصفوره المغرد أن يُعلم الثاني الغناء، فوضع كليهما في قفص واحد.. ثم تركهما معاً فترة من الزمن..

فماذا كانت النتيجة؟

بدلاً من أن يُعلم الكناري العصفور الصغير الغناء، تعلم أن يُزقزق مثله، ونسي أغانيه العذبه..

أخذه صاحبة، ومع هذا فقد بقي العصفور الكناري غير قادر على الغناء..

كيف كان العلاج؟

أتوا بعصفور كناري آخر يغني جيداً ووضعوه في القفص معه، هكذا استطاع العصفور أن يسترجع قدرته على الغناء وانطلقت منه مرة ثانية نغماته الحلوة الممتعة..

ياللأسف هناك مؤمنون يفعلون مثل هذا العصفور الكناري، يذهبون لمجالس المستهزئين ويسمعون أحاديثها، وماذا تكون النتيجة؟ بدلاً من أن يعلموا من بها أغانيهم الروحية العذبة التي تمجد الله يتعلمون منهم نغمات العالم المؤذية للنفس..

ما أخطر أن تذهب إلى مجالس المستهزئين!!

تدريجياً ستفتر محبتك، وستكثر مشاكلك، وستتعقد أمورك، وستصير كواحد منهم.. تفكر مثلهم وتتصرف مثلهم..

إن كان هذا يحدث في حياتك، فلم لا تتخذ قراراً الآن؟!

تعال إلى الرب، سيعطيك القدرة على الانفصال، وسيملأ الفراغ، وسيجعل حياتك ممتلئة بالمجد..

لا تنس كلمة الله التي تقول "المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة" (١كو١٥: ٣٣)..

49.  من أجلي أنا

للفنان الألماني الشهير "رامبرانت" لوحة عن الصلب.. إذا نظرت إليها لتتأمل فيها، جذبك جداً منظر الرب يسوع وهو يُقاسي آلام الصلب فوق الجلجثة..

فإذا حولت عينيك إلى أسفل الصورة، رأيت مجموعة من الناس، أبدع رامبرانت في أن يظهر على وجوههمم أثر اشتراكهم في هذه الجريمة البشعة..

ثم إذا نظرت إلى طرف الصورة، شاهدت شبح رجل يختفي وسط الظلال.. يقولون أنه رامبرانت نفسه، فقد أراد الفنان أن يؤكد أنه كان موجوداً هناك فوق الجلجثة يوم أن صُلب الرب..

نعم، لقد شارك بآثامه في صلبه..

وأنا وأنت شاركنا أيضاً معه.. هكذا يقول إشعياء النبي عن الرب إنه "مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا" (إش٥٣: ٥)..

نعم لقد جُرح الرب وسُحق لأنه حمل أوجاعنا وآثامنا..

أيها القارئ..

أن تقول إن المسيح مات لأجل كل العالم شئ وأن تقول إنه مات لأجلك أنت بالذات فهذا شئ آخر مُختلف تماماً..

أدرك يوحنا ذهبي الفم هذه الحقيقة العظيمة وعبَّـر عنها بكلمات معناها "لو لم يوجد في كل العالم سوى شخص واحد يحتاج للخلاص وكنت أنا هذا الشخص، لكان المسيح بكل تأكيد قد قاسى ما قاساه ومات نفس الميتة.. من أجلي أنا"..

لقد شهدت الجلجثة ثلاثة صلبان انتصبت متجاورة.. على كل منهم مات شخص متألماً.. اثنان من أجل جرائمهم والثالث، من أجلي أنا..

50.  مَن يخاف مَن؟

 

قال أحدهم: "أنا لا أخاف الشيطان"..

فرد علية صديقه "ليس هذا هو المهم، بل هل يخاف منك الشيطان؟!!"..

من المهم جداً أن يكون لنا دائماً الوعي بأننا أولاد الله القدير وأن الشيطان وكل قواته هم الذين يجب أن يخافوا منا ويهربوا من أمامنا..

لقد قدم لنا الرب يسوع أعظم امتياز، أن نجلس معه "فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يُسمى ليس في هذا الدهر بل في المستقبل أيضاً" (أف١: ٢١)..

ووهب لنا أن نستخدم اسمه العجيب لننتهر به الأرواح الشريرة (مر١٦: ١٧)..

كما منحنا دمه الثمين، المظلة التي تحمينا من كل هجمات العدو (رؤ١٢: ١١)..

وأعطانا السلطان أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو (لو١٠: ١٩)..

فهل بعد هذا نتحدث عن الخوف من مملكة الظلمة؟

أبي السماوي

حررني من الخوف..

لا تسمح لأي خوف من الشيطان وقواته أن يستقر في داخلي..

وأعطني كل الثقة أنني في المسيح أعظم من منتصر..

أشكرك لأنك الإله الذي يحرر ويملأ النفوس بروح القوة..

أعظمك.. أعظمك من كل قلبي..

فقد جعلتني لحياة المجد والانتصار والقوة..

51.  من جديد إلى جديد

 

افتتـح رجل دكاناً جديداً لبيع إحدى السلع بجوار دكان آخر يبيع نفس السلعة ببطء شديد..

صنع الرجل ديكوراً لدكانه الجديد كلفه الكثير من المال كما قام بعمل دعاية ضخمة له..

وماذا حدث، استيقظ الآخر العجوز من كسله، وقرر أن يفعل شيئاً يدافع به عن تجارته..

ماذا فعل؟

علق على دكانه عبارة تقول "أسس منذ خمسين عاماً"..

في اليوم التالي كان صاحب الدكان الجديد يرد عليه بعبارة أخرى كتبها بحروف أكبر..

"أسس اليوم.. وليس به أية بضاعة قديمة"..

+  +  +

الحياة مع الرب يسوع هي دائماً حياة متجددة، تحمل كل يوم أشياء جديدة..

الرب لا يريد لأولاده أن يكتفوا بذكريات الماضي.. بل يريد أن يكون لكل منهم اختبارات جديدة معه في كل يوم..

إن قصد الرب ألا نعيش فقط على توجيهاته الماضية بل أن نأخذ منه "أمر كل يوم بيومه" (٢مل٢٥: ٣٠)..

قصده أيضاً أن "الداخل يتجدد يوماً فيوماً" (٢كو٤: ١٦)..

في العهد القديم كان الشعب يتغذى بطعام "المن" وهو سائر في البرية، ولم يكن "مَـن" الأمس يصلح لليوم ولا "مَـن" اليوم يصلح للغد..

في صباح كل يوم كان الشعب يلتقط مناً جديداً..

وأنت أيضاً مع صباح كل يوم توقع الجديد من الرب..

جديد يجعل حياتك أروع من الأمس..

52.  سر الإختلاف

يمتد نهر الأردن من الشمال إلى الجنوب واصلاً بين تجمعين مائيين كبيرين هما بحيرة طبرية والبحر الميت..

بحيرة طبرية مياهها عذبة، تشتهر بالأسماك الجيدة، كما تنمو الأشجار والنباتات على شواطئها.

والبحر الميت على النقيض تماماً مياهه خالية من الحياة، مالحة جداً تقتل أي شئ حي يعيش داخلها أو عليها..

تُرى لِمَ هذا التناقض رغم أن كليهما يقعان على نفس النهر، نهر الأردن؟

السر بسيط للغاية.. بحيرة طبرية مياهها متجددة، تدخلها مياه وتخرج منها مياه.. المياه تصب فيها ثم تعود وتخرج منها مرة ثانية..

أما البحر الميت فليس له مخرج، فنهر الأردن ينتهي به، لذا فمياهه راكدة وأملاحها مرتفعة قاتلة لأية حياة..

تُرى هل فهمت هذا الدرس؟

كثيرون من المؤمنين للأسف مثل البحر الميت يأخذون ولا يعطون، يأخذون من الله الكثير في المخدع والكنيسة، من الصلاة وقراءة وسماع الكلمة.. يأخذون ويأخذون لكنهم مثل البحر الميت ليس لهم مخرج.. يغلقون على البركات التي يأخذونها من الله ولا يشاركون أحداً بها..

دائماً يأخذون ولا يعطون.. لذا يفقدون الفرح والانتعاش وينهزمون أمام القلق والاكتئاب..

أيها الحبيب..

الروح القدس يريد أن يجعل لك مخرجاً..

الروح يريد ان يملأ قارورتك بالطيب الثمين لكي تعود وتسكبه على رأس وقدمي الرب (يو١٢: ٣) في خدمة حية وشهادة مؤثرة وعطاء للآخرين..

لكي تعود وتسكبه على رأس الرب وقدمه في خدمة جديدة.. وهكذا يستمر الملء والسكيب بلا توقف، وهكذا تبقى دائماً منتعشاً وحياً..

+  +  +

سيدي الحبيب،

أشكرك من كل قلبي من أجل وعدك الصادق الذي سجلته لي في سفر الأمثال، أن  "المروي [الذي يروي] هو أيضاً يُروى" (أم١١: ٢٥)..

نعم، أشكرك.. أشكرك، أنه كلما زاد عطائي زاد أيضاً اغتنائي..

53.  لا رجوع للوراء

 

بينما كان نابليون مشغولاً بمعركة "ووترلو" الحاسمة، أسَـرَ جنوده عازفاً على المزمار من الذين يقطنون الجبال..

انجذب الامبراطور إليه بسبب مظهر ملابسه المميز والمزمار الذي يحمله..

طلب منه أن يُسمعه بعض الأنغام، فأطاع.. ثم عاد وأمره أن يعزف لحناً معيناً هو لحن المارش "التقدم إلى الأمام" فأطاع أيضاً..

أخيراً طلب منه أن يعزف لحن "الانسحاب.. الرجوع إلى الخلف".. هنا رفض الرجل وبكل حزم قائلاً "لا.. لا.. لا استطيع.. لم أتعلم من قبل هذا اللحن"..

هذه قصة، وإليك قصة أخرى تدور حول نفس المعني وتقدم لك ذات الدرس.. خلال حروب الثورة الأمريكية أقام "واشنطن" أحد الكباري ليعبر عليه هو وجنوده فوق مجرى مائي، ليتقدم لمواجهة العدو..

قال له أحد الجنود بعد أن عبروا "أيها القائد.. هل نحرق الكوبري أم نتركه.. ربما يضطرنا العدو إلى الإنسحاب.. آنذاك سنكون في احتياج سريع للكوبري حتى نقدر أن ننسحب بلا خسائر"..

أجابه "واشنطن" بحزم واضح "احرق الكوبري.. ليس من خيار ثالث.. إما النصرة أو الموت"..

+  +  +

تُرى هل فهمت الدرس؟

هل قررت أن تحيا للرب الذي أحبك؟ هذا ليس قراراً تأخذه اليوم ثم تتراجع عنه غداً..

هل وضعت يدك على المحراث وقررت أن تسير وراء المسيح؟.. لا، ولا تعود تنظر إلى الخلف..

لا، لا تعود تترك نفسك تنجذب مرة أخرى إلى بريق الخطية..

هيا.. هيا، بلا تردد، بلا شفقة زائفة على الذات، بلا تحفظ، بلا خوف..

هيا.. اضرم النيران واحرق كل كوبري في حياتك لا يزال يربطك بالخطية..

لا تترك خلفك أي طريق للرجوع مرة أخرى إلى عالم الإثم..

ركز نظرك على من أحبك.. اتبعه مهما كان الثمن.. هو الذي أعطاك الحياة الأبدية..

من يتبعه لا يعرف أبداً أن يعزف لحن الرجوع للخلف..

سيدي،

أشكرك من أجل كلماتك التي لا تُقدر بثمن التي تقول لي "اتبعني أنت" (يو٢١: ٢٢)..

سأسير وراءك،

واثقاً في حبك المُشبع

ونعمتك الكافية وقوة روحك التي تعطي النصرة..

54.  حجرة الذكريات

 

يُقال أن ملكاً لمملكة فارس نشأ في أسرة فقيرة.. ويُقال عنه أيضاً، أنه عندما تُوج ملكاً أمر بعضاً من خدمه أن يذهبوا إلى منزله القديم الذي نشأ فيه ويحضروا له بعضاً من الأشياء التي لا تزال باقية به..

أتوا برداء له، قديم ومهلهل، ووعاء مكسور كان يشرب منه، وصحن قديم كان يأكل فيه، وأشياء أخرى ليست ذات قمة مالية..

وضع الملك كل هذه الأشياء داخل إحدى حجرات قصره، وكان يذهب إليها مراراً..

لقد علق على إحدى حوائط هذه الحجرة عبارة كُتبت بخط واضح وضخم، تقول:

"كي لا أنسى"..

كان يدخل إلى هذه الحجرة بين وقت وآخر.وهكذا عاش الملك طيلة حياته شاعراً بعظمة ما حدث له..

سيدي الحبيب،

أي أعمال عظيمة قد أجريتها في حياتي، كنت جالساً في المزبلة (١صم٢: ٨) منغمساً في طين الحمأة (مز٤٠: ٢) لكنك أحببتني، ملكتني كرسي المجد (١صم٢: ٨)..

أقمت على صخرة رجلي. ثبت خطواتي وجعلت في فمي ترنيمة جديدة (مز٤٠: ٣)

قدتني إلى حياة جديدة، أعظم ما فيها هو أنت..

أتأمل في حبك وصدق وعودك وأمانتك معي.. فأنسى نفسي وأتصاغر جداً أمامك..

نعم يارب اسمح لي أن أقول لك "صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك" (تك٣٢: ١٠)..

55.  إلى الأمام.. إلى الأمام

حصل أحد الأمراء على سيف جديد، وفيما هو يريه لأصدقائه معجباً به، اندفع واحد منهم وقال: "لكنه قصير.. قصير جداً"..

رد الأمير قائلاً:

"كلا، المبارز الشجاع لا يقول أبداً عن السيف إنه قصير.. هل تراه سيفاً قصيراً.. تقدم به نحو العدو خطوة واحدة للأمام وستجد أن طوله قد صار مناسباً"..

+  +  +

قد تواجه مسيرتك الروحية مع الله أو خدمتك له جبالاً شاهقة أو بحاراً لا تُعبر..

لا تهب الأمر..

لا تكتف بما وصلت إليه..

سر إلى الأمام.. إلى الأمام..

دائماً إلى الأمام، وسترى أن كل شئ قد صار حسناً..

قائدك يسير أمامك..

وهو يشجعك قائلاً "أنا أسير قدامك والهضاب أمهد" (إش٤٥: ٢)..

فهل ترفع صوتك مع النبي القائل "ليقل الضعيف بطل أنا" (يؤ٣: ١٠)..

تشجع.. لا تنظر إلى قِصر إمكاناتك.. تقدم إلى الأمام..

لا تتوقع الهزيمة.. ثق في النصرة..

لا تخف الأرواح الشريرة.. آمن أنك تستطيع باسم الرب أن تطردها..

هيا.. هيا إلى الأمام.. ساحقاً إبليس تحت الأقدام..

هيا.. هيا إلى الأمام.. وستختبر مجد الله..

56.  عجائب الإتحاد

أيها القارئ العزيز..

أغلب الظن أنك تعيش حياتك العادية دون أن تعطي انتباهاً كافياً لما يحويه عالمنا من عجائب، مع أنها حقاً عجائب مدهشة، محيرة للعقل، فهل تسمح لي ببضعة دقائق لأحدثك عن بعض منها..

انظر إلى الملح الذي لا تخلو منه مائدة طعام..

هل تعلم أنه يتكون من عنصرين هما الصوديوم والكلور، وكلاهما من العناصر السامة جداً القاتلة للإنسان..

الماء أيضاً الذي لا حياة بدونه هو عجيب أيضاً.. كل جزئ منه يتكون من ذرتين أيدروجين وذرة أكسجين.. الأيدروجين غاز يشتعل، والأكسجين يساعد على الإشتعال، ومع هذا فنحن نستخدم الماء لإطفاء النيران..

عجيبة ثالثة هي سبيكة ألنيكو Alnico.. إنها أقوى السبائك المغناطيسية.. ومع هذا فهي تتكون من ثلاثة معادن غير مغناطيسية هي الألومنيوم والنيكل والكوبلت..

ألا تعلمنا الطبيعة بهذه الأمثلة هذا الدرس الهام..

إن اتحادنا معاً يعطينا قدرات إضافية لم تكن تتوفر لنا ونحن بمفردنا، كما يخلصنا من الكثير من ضعفاتنا..

لهذا كثيراً ما يحدثنا الكتاب المقدس عن الوحدة بين المؤمنين.. ولم يقصد أبداً الوحدة الشكلية بل الوحدة التي تنشأ وتقوى بالحب..

فالأسرة المتحدة بالحب لها القدرة على الارتفاع والنجاح ومقاومة ضربات العدو..

والخدام المتحدون معاً بالحب يصنعون العجائب ويثمرون لمجد الرب..

وكلمة الله تقول لنا إنه إذا كان الواحد يساوي ألفاً في الحرب الروحية، فالإثنان المتحدان لا يساويان ألفين بل ربوة أي ما يوازي عشرة آلاف..

من أعظم عطايا الرب لنا الحب.. أن نحب بعضنا بعضاً لنحيا معاً في الوحدة.. وهذه الوحدة تأتي لنا بالبركة بكل تأكيد..

"هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معاً [في وحدة].. لأنه هناك أمر الرب بالبركة حياة إلى الأبد" (مز١٣٣: ١، ٣)

57.  فلاح وقطة صغيرة

 

فجأة دوت صرخة عالية، وسمع صوت تحرك مياه.. لقد سقطت قطة صغيرة في عمق البئر..

سمع فلاح الصوت، فجاء وأطل برأسه إلى داخل البئر، وشاهد المنظر، وكم كان مؤثراً للغاية..

القطة تحاول الهرب من الماء إلى حافة الجدار، منزعجة بصرخات أليمة جداً..

تأثر الفلاح بما رأى وسمع، وسارع بإنزال دلوه إلى أسفل سطح ماء البئر مجتهداً أن يصطاد به القطة..

ولكن القطة لم تفهم ما صنعه الفلاح لأجل إنقاذها واستمرت في محاولتها في تسلق الجدار ولكن دون جدوى..

وظلت تصرخ وتصرخ وفجأة توقفت عن الصراخ.. لقد وجدت نفسها ترتفع إلى أعلى وهي بداخل دلو الفلاح..

صديقي..

هل تعلم أن الرب يسوع يملك أحن قلب في الوجود، ويستحيل عليه أن يتجاهل صراعاتك..

إن أحشاءه تعتصر بالألم حينما يراك عاجزاً..

تحاول أن تتحرر من أمور تسيطر عليك وتقلق حياتك وكثيراً ما تود أن تصرخ من شدة التعب، وتعاود المحاولة بكل ما تمتلك، لكن بلا جدوى..

يسوع يشعر بك وبحبه الفريد ينحني بدلوه نحوك.. يريدك فقط أن تترك نفسك في يديه.. أن تتوقف عن الاعتماد على قوة إرادتك وتٌلقي رجاءك بالتمام على نعمته الغنية، أن تثق في حبه وتستند بالكامل على عمله فيك..

هو يقول "تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت١١: ٢٨)..

فهل تصدقه؟!

58.  بعضنا لبعض

 

 تقابل أعمي مع مشلول عند تقاطع طرق.. كان المكان مكتظ بالعابرين من هنا إلى هناك والعكس .. والإثنان يريدان أن يعبرا إلى الجهة الأخرى..

الأعمى يبحث عن شخصاً آخر يقوده..

والمشلول ينشـد شخصاً ليحمله..

سريعاً أدركا أن كلاً منهما محتاج للآخر.. حمل الأعمى المشلول وعبرا كلاهما بلا أدنى مشكلة..

ماذا إذاً لو رفض كل منهما أن يستعين بالآخر، ماذا لو فضلا أن يعبر الواحد مستقلاً عن الآخر؟! بلا شك سيضيعان كثيراً من الجهد والوقت عبثاً..

نعم نحتاج أن نتعاون معاً لكي نوفر كثيراً من التعب..

الله يبارك دائماً العمل الجماعي ويعطي أفراده أضعاف ما يمنحهم حينما يعملون فرادى، كل منهم مستقل عن الآخر..

الله يفرح بأولاده حينما يراهم يحبون بعضهم بعضاً.. الله يفرح بالمحبة، المحبة العملية التي تتمثل في الأيادي المتشابكة سوياً والقلوب المتحدة معاً في قلبه العظيم..

يا صديقي.. أنت تمتلك شيئاً تقدر أن تخدم به أخاك كما ينقصك شئ يجعلك محتاجاً إلى معونته.. هذه هي مشيئة الرب أن يُكمل أحدكما الآخر.. "تهتم الأعضاء.. بعضها لبعض" (١كو١٢: ٢٥)..

هكذا خلقك الله تكتمل في وحدتك مع إخوتك..

  • ● ●

أبي السماوي..

أعترف الآن أمامك بأنني كثيراً ما اكتفيت بنفسي، وانغلقت على ذاتي..

كثيراً ما رفضت أن أعترف باحتياجي لإخوتي، أولادك..

إنه كبريائي الذي منعني أن أطلب نصيحتهم.. ومرات أخرى حرمني من معونتهم..

رفضت أن أطلب مشاركتهم..

لم أمعن قصدك في أن نكمل بعضنا بعضاً.. لم أفهم أنك تريدهم أن يتمتعوا بمحبتي كما تريدني أن أتمتع بمحبتهم..

أبي..

ساعدني من الآن أن أحيا في المحبة..

أثق أنك ستعمل في لاختبر مجد الوحدة.. مع إخوتي، أبنائك..

59.  ثــق

أصيبت دراجة أحد الصبية بعطل مفاجئ فأتى بها إلى عامل مختص، ثم تركها له بعد الاتفاق على أن يعود إليه بعد أسبوع ليأخذها منه..

لكن ما أن وصل الصبي إلى منزله حتى راودته الشكوك في قدرة هذا العامل، فدرج عائداً وبسرعة ليستردها منه قبل أن يبدأ في إصلاحها..

للأسف كثيرون منا يعملون مع أبيهم السماوي ما فعله هذا الصبي، مع أنه أب يستحق كل الثقة..

من يحبنا مثله؟.. من يهتم نظيره بأدق أمور حياتنا؟.. مَن غيره له السلطان الكامل على كل الأمور المحيطة بنا؟!!

أب حنّان يحبنا جداً وفي ذات الوقت له القدرة المطلقة على إصلاح كل عيوبنا..

ومع هذا، فإننا كثيراً بعد أن نذهب إليه ونضع مشاكلنا واحتياجاتنا عند قدميه ونفعل مثل هذا الصبي نذهب إليه ونستردها قبل أن يُكمل عمله..

 

أيها القارئ..

لا تنس قط هذا الدرس البسيط.. عدم الثقة تحرمك من يد الله المُسددة لكل احتياج..

تُرى هل تعاني من قلق تجاه أمر ما؟

تعال به عند قدمي القدير الذي يحبك..

اطرحه في الصلاة.. واستمر مصلياً حتى تشعر أن ثقله قد زال عن قلبك، وأن هدوءاً حقيقياً قد ساد ذهنك..

ثق أن الرب إلهك هو القادر على كل شئ..

وأنه سيحول كل شئ إلى خيرك (رو٨: ٢٨)..

ثق.. ثق فيه ولا تكن مثل هذا الصبي الذي بعد أن سلم دراجته للعامل عاد وأخذها منه قبل إصلاحها..

60.  من النحاس إلى الذهب

 

تعرض شعب الله لهزة عنيفة بعد موت سليمان الملك، وانقسموا إلى مملكتين.. والسبب هو ابتعادهم عن الله واستسلامهم لحياة الخطية..

ياللأسف، الهيكل العظيم الذي بناه سليمان، سُرِقَ في عهد ابنه رحبعام الذي ترك وصايا الله.. والذي سرقه هو "فرعون" ومن بين ما سرقه أتراساً من الذهب الخالص عددها ثلاثمائة، ويزن كل منهما نحو ثلاثة كيلو جرامات ونصف..

وماذا فعل رحبعام؟

يقول الكتاب المقدس أنه صنع بدلاً منها أتراساً مثيلة من النحاس..

نحاس بدلاً من الذهب، لماذا فعل هكذا؟

ياللأسف، لقد أراد رحبعام أن يحتفظ بمظهر الذهب دون أن يمتلك جوهره..

أيها القارئ.. هل تفعل مثله؟

عندما تتساهل مع الخطية، أو تسمح لمحبة غريبة أن تدخل قلبك، فأنت تفقد الذهب..

تفقد الشركة مع الله.. هل تستعين بالنحاس لتخفي به فقدانك للذهب؟..

هل تجتهد أن تظهر للناس بنفس الصورة التي كانوا يرونك بها من قبل؟.. تُقدم لهم مظاهر التقوى، والحقيقة أنك فقدت محبتك الأولى وصرت كما يقول الكتاب "نحاساً يطن" (١كو١٣: ١)..

لك صورة التقوى، لكن بدون قوتها..

عبادة بدون حرارة في القلب..

وخدمة بلا غيرة وحماس..

وشهادة ميتة لا تؤثر في أحد..

وكلمات ليست لها فعالية..

أيها القارئ، إن كنت قد صرت هكذا، فلا تستسلم لليأس.. تعال الآن إلى الرب يسوع، قل له إنني قد صرت نحاساً..

لقد أعطاك وعداً ثميناً سجله لك في سفر إشعياء النبي:

"عوضاً عن النحاس آتي بالذهب" (إش٦٠: ١٧)

تعال إليه حالاً.. فيا له من وعد..

تعال اركع عند قدميه..

ضع نفسك بين يديه..

آه، أي أمور عظيمة يصنعها معنا حين نسلم نفوسنا له..

هو دائماً الكيميائي الأعظم الذي يحول نحاسنا إلى ذهب!!

61.  حادثة مروعة

كان مرشداً سياحياً في منطقة شلالات نياجرا الشهيرة.. وفي أحد أيام عطلته دخل قاربه وتمدد فيه ليستريح قليلاً، لكن غلبه النعاس ولم يكن قد أحكم ربط القارب بالصخرة القريبة..

تحرك القارب مع التيار، وظل يبتعد شيئاً فشيئاً إلى أن رأته مجموعة من الناس كانت هناك للتمتع بمنظر المياه.. فبدأت في الصراخ والنداء عليه حتى يستيقظ ويعود قبل أن يسير القارب في اتجاه اللاعودة..

لكنه كان مثقلاً بنوم عميق، فلم يستيقظ.. واقترب القارب في سيره مدفوعاً بالتيار إلى جوار آخر صخرة في الطريق إلى الشلالات.. هنا ضاعف الناس من صراخهم، فهذه الصخرة هي الأمل الوحيد الباقي ونادوا بأعلى صوتهم: "ها هي الصخرة.. ها هي الصخرة"..

لكن نُعاسه الثقيل جداً أعماه عن أن يرى الخطر المحدق به..

واستمر القارب في حركته في اتجاه الشلالات الجبارة.. واستيقظ الرجل من نومه ليجد نفسه وسط ضجيج المياه المخيفة التي قضت على حياته..

حادثة مروعة.. أليس كذلك؟

نائماً في قارب.. قمة السلام الزائف.. غير واعٍ أنه ينحدر إلى هاوية الموت..

حادثة مروعة.. نعم ، ولكنها تتكرر كل يوم.. وربما تكون أنت أحد ضحاياها!!

آه ، كم من نفوس تموت كل يوم بلا رجاء في حياة سعيدة بعد الموت..

آه ، كم من نفوس أنامتها الخطية ولذات الجسد..

كم من نفوس صارت في سبات عميق بسبب انشغالها الزائد بأمور الأرض.. والزمن يمضي والنهاية تقترب وإبليس قد "أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضئ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح" (٢كو٤: ٤)..

ولكن الروح ينادي:

"ها هي الصخرة.. ها هي الصخرة.. امسك بها"..

الروح القدس ينادي: التفتوا إلى الرب يسوع "صخر الدهور" (إش٢٦: ٤)..

تعالوا إليه.. آمنوا به.. ملكوه حياتكم..

الإيمان القلبي به يبررك "القلب يؤمن له للبر" (رو١٠: ١٠)، ويعطيك خلاصاً من الهلاك الأبدي "إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلُصت" (رو١٠: ٩)..

"لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو٣: ١٥)..

62.  يعلو فوق الضباب

انزعج الركاب جداً، وهرعوا سريعاً وبكل الغضب يريدون أن يُقابلوا قبطان السفينة..

التقى بهم مساعد القبطان وسألهم: "لِمَ كل هذا الإنزعاج؟"

أجابوه: "ألا ترى، السفينة تشق النهر بسرعة شديدة بينما الضباب الكثيف يحيط بنا من كل جهة ويعوقنا عن رؤية الطريق"..

قال لهم والابتسامة تملأ شفتيه "لا تخافوا قط.. مكان قيادة القبطان يعلو فوق الضباب بكثير.. إنه يرى الطريق جيداً.."

+  +  +

أيها الحبيب..

حينما يحيط بك الضباب من كل جانب وتُعاق الرؤية، ولا تعرف إلى أين المسير.. رجاء لا تفقد شجاعتك ولا تدع عزيمتك تخور..

لا تستسلم لحظة للشكوك التي يحاربك بها إبليس من جهة أمان الطريق..

ثق أن القبطان الأعظم هو الذي يقود..

ثق أنه يعلو فوق الضباب.. يرى كل الطريق ويعرف التفاصيل..

ثق أنه يحبك، وقد وضع على عاتقه مسئولية حمايتك..

ركز مشاعرك في محبته العجيبة التي أحبك بها مردداً مع داود النبي كلماته المطمئنة الصادقة:

"وإذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معي" (مز٢٣: ٤)

"الرب يحامي عني" (مز١٣٨: ٨)..

"بسلامة أضطجع بل أيضاً أنام لأنك أنت يارب منفرداً في طمأنينة تسكنني" (مز٤: ٨)

ثق فيه.. اعتمد عليه.. وهو يقودك آمناً برغم الضباب..

سيدي الحبيب

اسمح لي أن أضع حياتي، كلها بجملتها بين يديك.. قُدني كما تشاء.. واستخدمني كما تريد..

سيدي

زد إيماني..

أنك أنت سلامي وشفائي

سيدي..

زد إيماني في كلماتك..

أن غير المستطاع للناس مستطاع لديك، وأنك تملأ كل احتياجي بحسب غناك في المجد..

سيدي..

أنا لك..

63.  أين الفلوت؟

 

كان المايسترو الشهير "ميخائيل كوستا" “Sir Michael Costa” يقود فرقته الموسيقية التي تضم مئات الآلاف والأصوات، حين صاح فجأة: "قف.. قف.. أين الفلوت؟"

كان عازف الفلوت يجلس في أحد الأركان، فقال في نفسه "ماذا أٌقدم أنا؟!!

أين صوت الفلوت من صوت الأرغن العالي ودوي الأبواق ورنين أجهزة الإيقاع.. ليس لي أهمية ما"..

وقرر العازف أن يستمر واضعاً الآلة على فمه دون أن ينفخ فيها..

لكنه بمجرد أن توقف سمع صوت المايسترو يقول لكل فرقته:

"توقفوا.. توقفوا أين الفلوت؟"

ربما يحاربك إبليس في وقت ما بالإحساس بصغر النفس..

ربما تقول لنفسك، ما نفع صلاتي.. ما قيمة تسبيحي.. ما جدوى خدمتي؟!!

لا تقل هذا أبداً..

المايسترو الأعظم يلاحظك جيداً.. ولن تكتمل الصورة أمامه دون أن تقوم أنت بالدور الذي حدده لك..

ربما يكون صغيراً في عينيك..

ليس هذا مهماً، فهو بكل تأكيد كبير في عينيه..

64.  فرق شاسع

 

كان فنان معروف يقوم بإعداد لوحة حائط ضخمة الحجم..

نصب سقّـالته ووقف عليها ليدهن أرضية اللوحة ..

وأتى لزيارة أحد أصدقائه.. هذا وقف صامتاً عند الباب ولم يتحدث إليه، فقد رآه مشغولاً، يدهن اللوحة بدرجات مختلفة من اللون الرمادي الداكن..

أراد الفنان أن يرى الأرضية التي يرسمها من زاوية أفضل.. حرك السقالة ونزل بها إلى أسفل ثم سار راجعاً بظهره إلى الوراء وعيناه لا تفارقان اللوحة..

اقترب بظهره من صديقه، لكنه لم يلمحه فقد كان مشغولاً تماماً بالنظر إلى لوحته..

تأمل فيها ثم قال بصوت عالٍ وبتلقائية: "لوحة رائعة.. رائعة"..

تعجب الصديق مما يسمعه، فقطع صمته وأعلن عن وجوده قائلاً: "أية لوحة رائعة هذه.. كل ما أراه هو ألوان داكنة بلا معنى"..

رد الفنان مبتسماً "معذرة يا صديقي، عندما تنظر أنت إليها فأنت لا ترى إلا ما هو بالفعل مرسوماً، أما أنا فعندما أنظر إليها فإنني أرى ما سوف يُرسم عليها.. وفرق شاسع بين النظرتين!!"

+  +  +

سيدي،

أعطني دائماً أن أرى الأمور كما تراها أنت..

علمني أن أنتظر بثقة، واثقاً أنني سأرى بعيني في الواقع ما سبق أن أعطيتني أن أراه بالإيمان.. الإيمان بصدق وعودك..

65.  كيف تقاوم الرياح؟

يتميز ساحل جزيرة لابرادور بالجبال الجليدية الشاهقة الإرتفاع..

والغريب عن هذه الجبال أنه بالرغم من ارتفاعها فوق سطح المياه الذي يتجاوز ارتفاع ثلاثين دوراً من المباني، إلا أنها تبحر نحو الجنوب في إتجاه يضاد حركة الرياح القوية التي تهب عليها..

كيف تقاوم الرياح؟.. كيف تسير عكس اتجاهها؟!!

السر يعود إلى أن ما يظهر للعين من هذه الجبال لا يمثل سوى ٨/١ كتلتها، والباقي مختبئ أسفل المياه.. وهناك في الأعماق تيارات قوية للغاية تدفع هذه الكتل الضخمة في إتجاه الجنوب غير عابئة إطلاقاً باتجاه الريح على السطح..

تُرى هل فهمت هذا الدرس الثمين؟

هل تريد أن تكون سلساً في يد الله.. يدفعك إلى الاتجاه الذي يريده، فتستسلم له بسهولة غير مبالِ بقوة رياح العالم المضادة؟

احرص جداً على علاقتك مع الله المختبئة عن الناس، والتي لا يراها أحد سواه..

ستفقد أُذنك الحساسية لسماع صوته وفهم توجيهاته إذا أهملت خلوتك اليومية معه التي لا يراها أحد..

ولن تكون مُقاداً بروح الله إذا فقدت فرص الاختلاء في الصلاة وقراءة الكلمة..

احرص جداً على الحياة العميقة المختبئة مع الله، ولن تقدر أبداً رياح الإثم القوية أن تجرفك في اتجاهها، وستكون مثمراً لمجد الله..

تقول كلمة الله أن الذين "يتأصلون إلى أسفل" هم الذين "يصنعون ثمراً إلى ما فوق" (إش٣٧: ٣١)..

66.  حين يهرب منك النوم

 

طلبت طفلة صغيرة من أمها أن تقص عليها قصة النبي دانيال قبيل نومها.. فقالت لها الأم "أخاف عليك أن تحلمي بالأسود المخيفة"..

أجابتها الصغيرة "سأحلم فقط بدانيال وسأترك الأسود"..

أيها القارئ..

لا تكن سوداوي النظرة، تلمح عيناك دائماً الجوانب السلبية لأي موضوع وتركز عليها.. بل ابحث عن النقاط المضيئة وانشغل بها أكثر..

ولا تفكر في متاعب الماضي التي تجدد الأحزان بل احص إحسانات الله العديدة التى صنعها من قبل..

هناك من ينصحك بعد الأرقام حينما يهرب منك النوم..

لدينا نصيحة أفضل.. عِد أعمال الله العجيبة التي باركك بها، وستمتلئ بالسلام والراحة وستخلد سريعاً إلى النوم..

ثق في إلهك أنه سيعطيك أن تتذكر الأمور المُعزية وأن تنسى الأُخرى التي تأتي بالهم "لأنك تنسى المشقة كمياه عبرت تذكرها" (أي١١: ١٦)!!

"ما أكثر أفكارك يا الله عندي ما أكثر جملتها..

إن أحصها فهي أكثر من الرمل بشفتي الإبتهاج يسبحك فمي إذا ذكرتك على فراشي" (مز١٣٩: ١٧، ١٨ – مز٦٣: ٥، ٦)

67.  هو الرب

من نحو قرن مضى، اعتاد شحاذ فقير جداً أن يقف فوق أحد الكباري بمدينة لندن..

كان وحيداً، تظهر عليه علامات الحزن والأسى.. ويقضى وقتاً عازفاً على "كمان" تبدو عليه مظاهر التلف..

كان يعزف محاولاً أن يجذب بموسيقاه انتباه العابرين، آملاً أن يأتوا إليه ويعطوه القليل من المال، لكن أحداً لم يعبأ به..

فجأة، توقف بجواره رجل غريب..

اندهش الشحاذ وبدأ يتفرس فيه بنظرات توسل.. يريد أن يأخذ منه صدقة.. لكن الغريب لم يعطه النقود التي يحلم بها بل صنع معه أمراً آخراً غير متوقع.. طلب منه الكمان لكي يعزف عليه..

أخذه بالفعل وبدأ العزف.. على غير العادة، جذبت الأنغام أول المارة.. فأتى واستمع، ثم ألقى نقوداً في قبعة الشحاذ الموضوعة على الأرض.. ولم يذهب بل بقي يتمتع بالعزف الرائع..

وواصل الغريب عزفة للألحان العذبة، وازداد عدد المتجمهرين، وامتلأت القبعة بالنقود..

تزاحم الناس جداً.. الكل يريد أن يستمع، وأتى رجل الشرطة، لكنه بدلاً من أن يصرف الواقفين، جذبته أيضاً الموسيقى فوقف معهم يتمتع بهذه الأنغام الحلوة..

وسرى همس بينهم.. [هو الفنان "باجانيني".. هو "باجانيني" الشهير]..

+  +  +

 

هذه قصة تشبه قصص كثيرين..

كانوا لفترة من الزمن مثل هذا الشحاذ.. يتسولون على كوبري الحياة المليئة بالهموم..

مراراً حاولوا أن يعزفوا على قلوبهم الكئيبة أنغاماً مُفرحة، لكن بلا جدوي..

فجأة مر شخص عجيب، غريب ليس من عالمهم.. وقف يستمع لموسيقى حياتهم الشقية..

اقترب إليهم أكثر.. نظر وأمعن النظر في حالتهم التعيسة..

نظر إليهم بعينيه المملؤتين بالحب..

ظنوه سيمن عليهم بحل لمشكلة أو تسديد لاحتياج، ففعل ما هو أعظم..

ما أحن قلبه.. وما أقوى نظرات حبه!!

نظراته كشفت لهم احتياجاتهم الحقيقية.. أظهرت خراب قلوبهم.. ثم أعطتهم الأمل..

عرفوا أنه هو الوحيد الذي يعطي الراحة..

سلموا له قلوبهم..

أخذها، وبدأ يعزف عليها بيديه المثقوبتين ألحاناً تُشع بالمجد..

وتغيرت حياتهم..

ووضعوا أقدامهم على طريق الفرح والراحة.. صاروا أغنياء وشهدوا لما حدث لهم.. وسُمِعَ صوت شهادتهم عالياً..

[هو "الرب يسوع".. هو الرب الذي يغفر ويشفي ويحرر]..

هو الرب.. "هو الرب" (يو٢١:٧)..

+  +  +

 أيها القارئ..

هل تعاني من دوام الحزن والقلق؟

هل أنت متعب؟

تعال.. تعال في هذه اللحظة إلى الرب يسوع.. ثق فيه، اترك قلبك له، وهو بيده الماهرة سيعزف عليه أجمل الألحان وأشجاها..

وسيبدأ فوراً معك عمله الحلو العجيب، وسيصنع المعجزات لأجل سعادتك، وسيطلقك في طريق المجد..

68.  حتى أذيع حبك

بعد موت الموسيقار الألماني شومان Schuman، انشغلت زوجته بعزف مقطوعاته الموسيقية للناس.. وكان لها عادة غريبة تستحق التأمل..

في كل مرة كانت تنوي فيها أن تقوم بالعزف، كانت تقضي وقتاً كافياً تُعيد فيه قراءة بعضاً من الرسائل التي اعتاد زوجها أن يكتبها لها، عندما يكون بعيداً عنها..

كانت تقول إنها إذ تقرأ من جديد كلماته فإنها تمتلئ أكثر بحياته، الأمر الذي يجعلها أكثر تهيؤاً لنقل أعماله الرائعة للناس..

+  +  +

أيها القارئ الحبيب..

هل تريد أن تنقل للناس رسالة الرب يسوع المفرحة، هل تريد أن يسمعوا رسالة الغفران والشفاء والحب والحرية؟

هل تريد أن تكون رائحة المسيح الذكية؟

هل تريد أن تذيع أخباره السارة؟

امتلئ بحياة الرب.. اقرأ أولاً كلماته، ودعها تسكن فيك..

اقرأها باستمرار وحينئذ ستمتلئ بحياته وستفيض بروحه، وسينساب نوره العجيب من خلالك مؤثراً في الآخرين..

سيدي..

قُدني لكي أقضي في كل يوم وقتاً رائعاً معك..

اجلس فيه مع كتابك.. عند قدميك..

استمع لصوتك واُسمعك صوتي وندخل في حوار الحب..

فأمتلئ منك.. فتعكس حياتي وكلماتي نورك للآخرين..

69.  من علامات الحب

 

أراد أحد الفنانين أن يرسم صورة دقيقة للإسكندر الأكبر، وإذ كان يحبه جداً أراد أن يخفي آثار الجرح الذي أصاب جانب وجه الإسكندر في إحدى المعارك.. فقد كان الأثر سئ النظر..

رسم الفنان الإسكندر جالساً وقد اراح رأسه على يده اليمنى ثم جعل أصابع هذه اليد تغطي هذا الأثر..

الحب الحقيقي دائماً يخفي آثار جروح الخطية التي أصابت الآخرين.. مكتوب "المحبة تستر كثرة من الخطايا" (١بط ٤: ٨).. حينما يخضع المؤمن للروح القدس فإن الروح يثمر فيه، ومن ثمره "محبة.. لطف" (غلا٥: ٢٢)..

الروح القدس يجعله يحب الناس ويستر عيوبهم.. الذي عرف محبة الروح، لا يقدر أن يشترك في أحاديث النميمة أو الإدانة..

إنه يحب الآخرين كما علمه سيده أن يحبهم.. دائماً ينسى إساءتهم ويتذكر مواقفهم الحسنة..

دائماً ينسى عيوبهم ويتذكر امتيازاتهم، فإذا تحدث عنهم تكلم عن جوانبهم المضيئة واغفل ذكر الأخرى المظلمة.. يحبهم جداً، لذا يقاوم الحديث عن ضعفات الآخرين..

إذا فكر فيهم فهو يفكر في الأمور التي تمدحهم ويتجنب الأمور التي تسئ إليهم.. فهو يعرف كلمات رسالة فيلبي: "إن كانت فضيلة وإن كان مدح ففي هذه افتكروا" (في٤: ٨)..

إنه يحبهم جداً، ولا يقدر ألا يحبهم، فقد صار الحب اتجاهاً في حياته..

نعم، الذي يترك نفسه للروح القدس لا يقدر أن يتوقف عن الحب..


٦٩- رباب ذات عشرة أوتار

صلى شخص إلى الله متأملاً في كلمات داود "يا الله أرنم لك ترنيمة جديدة برباب ذات عشرة أوتار أرنم لك" (مز١٤٤: ٩).. فقال..

أسبحك بعيناي.. سأنظر إليك طويلاً وسأشبع من التأمل فيك..

أسبحك بأذناي.. سأصغي إلى صوتك الحلو، إلى كلمتك الحية وسأطيعها..

أسبحك بقدماي.. سأسير بقوة روحك في طريق الشهادة لك.. عن دعوتك..

أسبحك بيداي.. أعمل في خدمتك، كل طاقتي أكرسها لك..

أسبحك بلساني.. سينطلق فمي بعجائبك.. سأتحدث عن حبك..

أسبحك بقلبي.. إنه لك.. كله لك..

رباب ذات عشرة أوتار.. عينان وأذنان وقدمان ويدان ولسان وقلب.. عشرة أوتار نعزف عليها لمن أحبنا أعذب الألحان وأروعها..

هو يستحق كل شئ..

الكل له..

70.  أكذوبة

استيقظ في الصباح الباكر على صوت مزعج متقطع آت من زجاج نافذة حجرته المغلق..

ما الأمر؟!

اقترب فشاهد فراشة صغيرة بالداخل تحوم في رعب واضح..

كلما اقتربت إلى الزجاج، ابتعدت عنه في الحال..

تطلع إلى الخارج فرأى طائراً شديد الهياج يقرع على الزجاج..

لم تكن الفراشة ترى الزجاج، فتوقعت أن يلتهما الطائر بين لحظة وأخرى..

والطائر هو أيضاً لم يكن يراه فكان يتوقع في كل لحظة أن يصطاد الفراشة..

لكن الفراشة ظلت طوال الوقت في أمان تام كما لو كانت تبتعد عن الطائر بآلاف الكيلو مترات..

+  +  +

أحياناً يقترب لنا الخطر ويبدو أنه لم يعد هناك شئ مطلقاً يفصلنا عنه..

هل نحن واثقون في الرب.. في حمايته؟

إذن هي أكذوبة، فلا تزال ملايين ملايين الكيلو مترات تفصلنا عن الخطر..

ثق أن الرب دائماً يقف ليفصل بينك وبين كل خطر..

هيا.. هيا قل له بملء الفرح:

"سِتري ومِجَني أنت" (مز١١٩: ١١٤)

71.  هل تملك هذا الزيت؟

كان الباب ضخماً وثقيلاً..

ولكنهم يريدوا أن يدخلوا !!

اجتهدوا أن يفتحوه بالقوة، دفعوه بكل شدة، حاولوا كسره..

محاولات عنيفة متعددة..

لكن الباب كان صلداً للغاية، وانتهت محاولتهم بالفشل..

أخيراً جاء رجل شيخ، كم كان حكيماً..

صب قليلاً من الزيت على مزاليجه، فانفتح بسهولة..

+  +  +

صديقي كثيرون يحاولون معالجة المشاكل بالشدة والعنف والقسوة والبتر، ولكن في الكثير من الأحيان تكون الحاجة إلى قليل من اللطف..

لا تنس أن واحداً من ثمر الروح هو اللطف، هكذا يقول الكتاب "وأما ثمر الروح فهو.. لطف" (غلا٥: ٢٢)..

ويقول لنا بولس الرسول "كونوا لطفاء" (أف٤: ٣٢)..

آمن بأن الروح القدس سيثمر فيك لطفه.. وستكون لطيفاً.. وستتحرر من اندفاعات الغضب..

72.  دائماً يحملنا

كان زائر من الخارج يتجول بمنطقة البحر الميت لمهمة خاصة، وفيما هو يسير على شاطئه زلت قدماه فسقط في الماء..

ارتعب الرجل فقد كان يجهل السباحة كما كان يعلم أن هذه المنطقة ذات مياه عميقة..

أصابة الذعر، ولعجزه عن التفكير بدأ يضرب المياه بكلتا يديه، أصيب بالإعياء توقف عن الحركة مستسلماً.. وياللعجب، فقد وجد المياه تدفعه إلى أعلى آمناً..

البحر الميت، مياهه ذات كثافة عالية جداً بسبب ما بها من أملاح كثيرة ومعادن، لذا لا يمكن أن يغرق شخص يقع فيها ويستسلم لقوة دفعها إلى أعلى..

أيها الحبيب..

دائماً هناك قوة من أسفل تحمل أولاد الله المؤمنين، الوحي يؤكد لنا هذا قائلاً "الأذرع الأبدية من تحت" (تث٣٣: ٢٧)..

لكن احذر، فلن تستفيد من هذه القوة إذا أسلمت نفسك للخوف والقلق وتركت ذهنك يعاني من صراع الأفكار..

صديقي..

لا تقلق.. لا تفكر كثيراً.. ثق أنه "عند الرب السيد للموت مخارج" (مز٨٦: ٢٠)..

اهدأ عند قدمي القدير.. استسلم لحمايته وسيخرجك "من وجه الضيق إلى رحب لا حصر فيه" (أي٣٦: ١٦)..

ثق فيه وسوف تتمتع دائماً بالأمان.. لا تخف، هو يحملنا.. دائماً يحملنا إلى أعلى..

هو يقول لنا مُطمئناً "على الأيدي تُحملون" (إش٦٦: ١٢)..

73.  حلول غير متوقعة

في أحيان كثيرة لا تكون مشيئة الله الحكيمة أن تعبر إلى الجانب الآخر من الجبل بالصعود إلى القمة ثم الهبوط من الناحية الأخرى.. قد يختار لك الحل الغير متوقع على الإطلاق، أن يعبر بك من خلال قناة يشقها أسفل جسم الجبل..

لذا لا تنزعج إذا وجدت أن الباب المتوقع لحل المشكلة مغلق ولا يوجد أي احتمال لفتحه من جديد..

فالله إذا أغلق باباً أعد بدلا منه طريقاً..

هو الله القدير، وكل الحلول لديه بنفس السهولة..

أحياناً يخيل إلينا أن الرب لا يفعل شيئاً.. وكثيراً ما نريده أن يعالج مشاكلنا بالحلول السهلة التي نرغبها، ولكن هذا ليس إيماناً.. فالذي يؤمن يثق أن الله سيحل كل المصاعب بالطريقة المناسبة التي يراها هو..

عجيب هو الله، وعجيبة هي طرقه!!

يعمل كل شئ حسب رأي مشيئته لنكون "لمدح مجده" (أف١: ١٢)..

74.  للأبناء فقط

 

عادت الأم من عملها لتجد أطفالها الثلاثة يلعبون مع أصدقائهم وقد اتسخت ثيابهم جميعاً..

لم تكن هذه هي المرة الأولى، لقد نبهتهم كثيراً من قبل، أن يحافظوا على نظافة مظهرهم وجمال هندامهم..

والآن ماذا تفعل؟

بعد تردد، مدت يدها وصفعت كل طفل من أطفالها.. لكن واحداً منهم احتج قائلاً: "لماذا لم تضربي الآخرين أيضاً؟ ألم تتسخ ثيابهم مثلنا؟"

أجابت الأم: "نعم، ولكنهم ليسوا أولادي"..

+  +  +

تُرى، هل أدركت أن الرب يستخدم الآلام بهدف التأديب حتى تترك الخطايا المحببة إلى نفسك؟

افرح جداً، فهذا دليل على أنك ابن له، فالآب لا يؤدب سوى أولاده..

لا يتعامل معهم كقاضٍ يعاقب متهمين بل كأب محب جداً، حنان يؤدب أولاده الأعزاء..

وفرق شاسع بين العقاب والتأديب..

العقاب يُنفذ بالكامل مع المخطئ.. أما التأديب فينتهي بمجرد أن يتحقق الهدف منه ويقف المخطئ ضد خطاياه..

العقاب الذي كان واقعاً علينا بسبب خطايانا تحمله بالكامل الرب يسوع بدلاً منا.. أما التأديب فعلينا نحن أن نتحمله..

الله يؤدبنا كأب، لذا فهو لا يبدأ تأديبه لنا بالأحداث المؤلمة بل يستخدم أولاً كلمته المبكتة (٢تي٣: ١٦)، يُسمعنا إياها مراراً، فإذا لم نتجاوب معها لجأ إلى وسيلته الثانية في التأديب، عصا الآلام حتى نقف ضد خطايانا فنصير نافعين له..

نعم التأديب مؤلم.. لكنه الدليل إننا ابناؤه الأعزاء على قلبه..

+  +  +

ولنتعلم أن نميز بين آلام وآلام..

آلام التأديب التي في مشيئة الله أن تستمر حتى نرفض خطايانا..

والآلام التي يهاجمنا بها إبليس وليس في قصد الله أن تستمر بل أن تنتهي بسرعة..

آلام التأديب لن تختفي قبل أن نرفض خطايانا ونندم عليها..

أما الآلام الثانية فلن تنتهي إلا بمقاومتها.. يقول الكتاب المقدس: "قاوموا إبليس فيهرب منكم" (يع٤: ٧)

لنقاوم هذه الآلام باستخدام كلمة الله "سيف الروح".. بأن نردد لإبليس الآيات التي تعلن كذبه، حاملين "سيف الروح الذي هو كلمة الله" (أف٦: ١٧)

ولنقاومها بأن نأمر إبليس باسم الرب يسوع أن يبتعد عنا "اذهب يا شيطان" (مت٤: ١٠)..

ولنقاومها ونحن نعلن حماية الدم الثمين لنا "وهم غلبوه بدم الخروف" (رؤ١٢: ١١)..

وكيف نميز بين آلام التأديب والآلام التي من إبليس؟

آلام التأديب يسبقها ويصاحبها توجيه من الروح القدس يوضح الهدف منها.. إنها للتوبة ولن تتوقف قبل رفض القلب الصادق للخطية.. أما الآلام الثانية فسيدفعك الروح القدس للدخول في مصارعة مع إبليس للتخلص منها..

صل والروح القدس "روح الفهم" (أش١١: ٢) سيعطيك أن تُميز جيداً أي نوع من الآلام الذي تعاني منه..

75.  هناك فقط

نشأ في عائلة فقيرة جداً، ابناً وحيداً لأبيه.. فلما بلغ الثمانية عشر من عمره ترك البيت راغباً أن يعتمد على نفسه..

لكنه أُصيب بعد فترة بمرض خطير، أنفق في علاجه كل ما جمعه من المال، ومع هذا فلم يُشف منه تماماً..

أخيراً تحت ضغط الشدة قرر أن يعود مرة أخرى إلى أبيه..

قابله أبوه بترحاب ضخم وأحسن جداً في استقباله، ومع هذا فقد ندم الابن على عودته..

لقد وجد أباه، على الرغم من كبر سنه وشدة الأمراض التي ألمت به، يرهق نفسه كثيراً في العمل لكي يحصل على الكفاف من الطعام..

ندم جداً على عودته.. فكيف يقبل أن يقاسم أبيه طعامه القليل الذي يناله بعد شق النفس؟!..

أعلن الابن أنه سيرحل مرة أخرى باحثاً عن العمل..

قال له أبوه: "يا ابني، لم تتحسن صحتك بعد كما ينبغي.. لماذا ترحل؟"

إلا أن الابن كان قد حسم الأمر، وأعلن إصراره على الذهاب إلى بلدة بعيدة ليعمل بها..

حاول معه الأب ثانيةً "سأبذل جهداً أكثر، ستكبر قطعة الخبز.. ستكفينا"..

لكن الابن هاله جداً أن يكون ثمن طعامه هو صحة أبيه، وأصر بحزم على أن يرحل..

استسلم الأب في النهاية وقال له "يا ابني، ليباركك الله.. إذا لم أرك هنا مرة ثانية، فلي رجاء أن أراك هناك في السماء"..

وسار معه ليودعه وهو عاجز أن يبث له كلمة واحدة أخرى..

وبعد أن قطعا مسافة طويلة، وجد الأب نفسه عاجزاً عن أن يسير أكثر.. فتوقف ليودعه ثم افترقا.. واصل الابن سيره بينما استدار الأب عائداً..

لكن ما هي إلا خطوات قليلة حتى عاد الأب منادياً ابنه والدموع تملأ عينيه..

وأخرج له جنيهاً من جيبه وأعطاه له، ثم عاد راجعاً..

وفهم الابن ماذا يعني هذا الجنية..

إنه كل ثروة أبيه التي يتاجر بها كل يوم..

كانت هي المرة الأولي التي يكتشف فيها عمق حب أبيه له..

كانت الرياح باردة جداً، والشمس تشرع في المغيب إلا أن دفئاً خاصاً بدأ يسري بقوة داخل صدره وهو يكمل سيره مردداً "أبي يحبني.. أبي يحبني.. حقاً يحبني.. حقاً يحبني.."

وصمم الابن أن يكون رحيله هذه المرة مختلفاً..

سيحيا حياة جادة، وسيبذل كل جهده..

ثم بعث لأبيه مبلغ حصل عليه من عمله..

ودارت الأيام، ونجح الابن جداً في حياته العملية.. لكنه لم يعرف باب الكنيسة وعاش لا يبالي مطلقاً بوجود الله.. إلى أن جاء يوم ألح عليه شخص أن يحضر اجتماعاً روحياً..

سمع الواعظ يتحدث عن الابن الضال، وسمعه يقول "لقد تحدثت كثيراً قبل اليوم عن الابن الضال.. لكن هذا اليوم أريد أن أحدثكم عن أبيه"..

أنصت بانتباه بالغ إلى الكلمات التي يقولها الواعظ..

أثرت فيه جداً.. تذكر ما صنعه معه أبوه الأرضي ووجده صورة لما يصنعه الآب السماوي مع الخاطئ..

أثرت فيه المحبة جداً.. صرخ في قلبه قائلاً "أبي السماوي يحبني.. أبي السماوي يحبني.. حقاً يحبني.. حقاً يحبني"..

صمم أن يحيا له..

ندم على حياته السابقة.. اعترف بها له.. فتح قلبه لحبه العظيم ليبدأ حياة أخرى مختلفة تماماً..

+  +  +

أيها القارئ..

ترى هل اكتشفت عمق حب الله لك؟

تعال إلى الجلجثة.. تعال، قف عند الصليب، فلن تكتشف عمق حبه لك إلا إذا تقابلت معه هناك..

ستجده يبذل ابنه، يموت من أجلك ليعطيك كل شئ..

يموت هو.. لتحيا أنت..

هناك فقط ستفهم كم أحبك!!

+  +  +

76.  ساعته لا تتعطل أبداً

هل قرأت عن الساعة الغريبة التي صممها "ليناؤس" عالم النبات المعروف؟

هي ساعة بلا عقارب.. كما أنها تختلف في فكرتها عن الساعة الرقمية الحديثة..

إنها ساعة عجيبة، تتحدث إليك عن طريق الزهور..

زهور بديعة الشكل ذات رائحة أخاذة!!..

زهور مرتبة بنظام معين، كل زهرة منها لها وقت معين من اليوم لتتفتح فيه، بالتتابع واحدة وراء الآخرى.. فإذا نظرت إليها عرفت الوقت..

الله أيضاً أعد لك ساعة مثيلة من الزهور.. يفتح لك براعم بركاته، بركة وراء الأخرى ليُمتعك برحيق إرادته الصالحة الكاملة وبعسل محبته الرائع الحلاوة..

أيامنا تتتابع وتمتعنا ببركاته يزداد أكثر وأكثر، هكذا تؤكد لنا كلمة الله الصادقة قائلة: "أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل" (أم٤: ١٨).. نسير "من قوة إلى قوة" و "من مجد إلى مجد"..

وساعة الله تسير بمنتهى الدقة والنظام، كل برعم له وقت مناسب تماماً يتفتح فيه، فلا تنزعج من أية سحابة قاتمة تراها الآن في أفق حياتك فسوف تهطل منها أمطار غزيرة من البركة في الوقت الخاص الذي حدده لها المصمم الأعظم.. وهو دائماً الوقت المناسب لك..

الوحي الإلهي يقول إن الله "صنع الكل حسناً" (جا٣: ١١).. هذه آيه معبرة تؤكد اقتدار الله في عمله لكنها لو قُرئت هكذا بدون الكلمتين التاليتين لها فقدت الكثير من معناها، فالآية كاملة تقول الله "صنع الكل حسناً في وقته" (جا٣: ١١)..

نعم الله يصنع كل شئ حسناً ولكن "في وقته".. في الوقت المناسب..

الله أعد لك بركات كثيرة لكل يوم.. لكن لا تفعل مثل يعقوب وتستعين بحيل بشرية لكي تُعجل من تمتعك بها..

لا تفعل ذلك حتى لا تخسر الوقت والمجهود، كليهما معاً..

لا تكن قلقاً، اهدأ.. اهدأ أمام الله، فشجره لا يعطي ثمراً إلا "في أوانه" (مز١: ٣)..

ثق أن الله لا يتوقف لحظة واحدة عن الاهتمام بك.. ساعته لا تتعطل أبداً..

 

+  +  +

سيدي..

علمني أن أهدأ دائماً عند قدميك، وأضع ثقتي كاملة فيك..

واضعاً نصب عيني كلماتك "أنا الرب في وقته أسرع به" (إش٦٠: ٢٢)

77.  قصة بدون تعليق

تَعَودَ الناس أن يروا "وليم" العجوز يدخل الكنيسة يومياً في تمام الثانية عشر ظهراً، وما هي إلا دقائق قليلة ويشاهدوه خارجاً منها..

تقدم إليه واحداً، دفعه حب الاستطلاع أن يعرف سبب هذه العادة الغريبة..

هل لك أن تخبرني لماذا تقصد الكنيسة كل يوم في مثل هذا الموعد ولا تبقى بها إلا بضع دقائق؟..

تعودت أن أصلي كل يوم بالكنيسة، فهي بالقرب من عملي، وجوها الهادئ يساعدني على الانفراد بالرب..

لكنها دقائق قليلة، أتكفي للصلاة؟!

أعتدت مهما كانت مشغولياتي أن أدخل الكنيسة في تمام الثانية عشرة وأقف دقائق قليلة.. أتمتع بحضور الرب، وفي كل مرة أقول له: "أيها الحبيب يسوع، وليم هنا"..

إنها صلاة قصيرة، لكنها تمتعني بحضوره المُريح والشافي والمعزي..

في وقت لاحق دخل وليم المستشفى بسبب مرضه.. كان له في عنبره تأثير عجيب إذ كان يُدخل البهجة إلى قلب المرضى الذين كانوا يأتون إليه ويمرحون معه.. وجاءت الممرضة لتتحدث معه..

حسناً يا وليم، كلهم هنا يتعجبون أن صحتك تتحسن بسرعة على غير المتوقع.. ويشهدون أنك أدخلت الفرح والسرور لهؤلاء المرضى.. لقد فعلت بهم ما لم نقدر نحن عليه، وجهك المبتسم دائماً يشع فيهم سلاماً..

أتعرفين السبب؟!.. كل يوم يزورني من الخارج طبيبي الخاص.. هو سر تحسن صحتي وأيضاً وجهي المبتسم..

ارتسمت علامات التعجب على وجه الممرضة وقالت:

لكنني لم أر طبيباً يأتي لزياراتك من خارج المستشفى..

رد العجوز مبتسماً:

في كل يوم الساعة الثانية عشر تماماُ يأتي طبيبي لزيارتي ويقول لي:

"أيها الحبيب وليم، يسوع هنا"..

78.  معجزة تسير

حاول كثيراً، ومضى وقت طويل، ولكنه لم ينجح في أن يحرك الصخرة من مكانها..

كان لا يزال في مرحلة الطفولة ولم تقو ساعداه بعد، لذا رغم كل ما بذل من جهد بقيت الصخرة مكانها..

من بعيد كانت أنظار والده تلاحقه.. أخيراً اقترب له وقال: "يا بني.. تُرى هل استخدمت كل قوتك؟"..

أجاب الطفل باستغراب ودهشة "نعم، ولوقت طويل"..

قال له أبوه: "لا لم تستخدم قوتك كلها، فلم تطلب مني أن أساعدك"..

صديقي، هل تعلم أن الآب السماوي منح أولاده المتمسكين به قوته لكي يستخدموها.. لكن للأسف كثيرون منهم لا يعرفون هذا!!

+  +  +

لهذا صلى الرسول بولس من أجل مؤمني أفسس لكي يعرفوا قوة الله التي لهم، ولم يبدأوا في استخدامها:

"لا أزال.. ذاكراً إياكم في صواتي كي يعطيكم.. أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته.. لتعلموا.. ما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته" (أف١: ١٦-١٩)

الذي يثق أن عظمة قدرة الآب السماوي الفائقة معه، لن يلمس فقط معجزات كثيرة تحدث معه بل سيصير هو نفسه معجزة.. معجزة الله التي تسير بين الناس..

79.  الرب يعظم عمله

أعلنت الصحف ذات يوم عن قدوم عازف كمان شهير، سوف يعزف مقطوعات موسيقية راقية المستوي وعلى كمان فريد من نوعه يبلغ ثمنه آلاف الجنيهات..

امتلأ المكان تماماً بالمشاهدين، الكل قد أتى ليستمع بأنغام هذا الفنان صاحب الكمان الباهظ الثمن..

ولعب على الكمان وأخرج ألحاناً بديعة أعجبت الحاضرين كثيراً، ولكن فجأة توقف عن العزف وألقى بكمانه على الأرض وحطمه بقديمه وسار عليه!!

ذُهل الحاضرون من وقع الصدمة، وظنوا أن العازف الشهير قد أصابته لوثه عقلية مفاجئة..

وحزنوا عليه وعلى الكمان الغالي الثمن..

بعد قليل، صعد إلى المسرح المدير المسئول وبدأ يهدئ من روع الحاضرين..

"أحبائي.. لا تقلقوا.. فهو لم يكن يعزف على كمانه الخاص.. هذا الكمان الذي تحطم أمامكم لا يزيد ثمنه عن عشرة حنيهات، والآن استمعوا إليه وهو يعوف لكم على آلته النادرة"..

وعزف الموسيقار عليها وأجاد، لكن قلة قليلة جداً من الحاضرين هي التي شعرت بشئ من الاختلاف!!
لقد أراد العازف الشهير أن يقول لسامعيه أن "العازف" وليس "الكمان" هو الذي يصنع الموسيقى..

أيها القارئ..

لا تسمح لوجود ضعفات في حياتك أن يُعَطل فرحك.. ولا تسمح لإبليس أن يُصيبك بصغر النفس أو الإحساس بالعجز والفشل..

ثق أن ضعفاتك ونقص خبراتك وقلة إمكاناتك تعطي فرصة عظمية للعازف الأعظم لكي يُظهر اقتداره، ثق سيصنع بك عجباً..

ولنتذكر هذه الكلمات التي قالها الرسول بولس: "افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح.. حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (٢كو١٢: ٩، ١٠)..

لقد قال الرب لبولس: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تُكمل" (٢كو١٢: ٩)..

ما أعظم هذه الحقيقة!!.. ضعفاتنا تعطي للنعمة الغنية الفرصة لكي تُظهر كفايتها..

"الرب يعظم عمله" (يؤ٢: ٢١)

80.  ليس بسببي

 

كان خادماً مميزاً.. وكان الرب يستخدمه بقوة عظيمة..

أحبه الناس جداً، وكرموه كثيراً..

ذات يوم سأله أحدهم "ألا يؤذيك اهتمام الناس الشديد بك ومديحهم الكثير لك؟"

صمت الخادم برهه ثم أجاب "كلا.. لقد ذهب الحمار إلى أورشليم وهناك وضع الناس ثيابهم تحت أقدامه..

لكن الحمار لم يتكبر..

كان يعرف أنهم لم يفعلوا هذا بسببه بل ليمجدوا الرب الذي كان يجلس على ظهره..

هكذا الأمر معي.. فأنا أعلم جيداً أن الناس عندما يكرمونني فهذا تكريم لست أنا مصدره بل الرب الذي يستخدمني..

وكم يكفيني أنه يستخدمني"..

+  +  +

"لا أنا بل المسيح" (غل٢: ٢٠)

81.  ما أثمنه!!

فُقِدَت ساعة ثمينة من رجل غني أثناء تجوله داخل ورشة أخشاب كبيرة، تمتلئ أرضيتها بنشارة خشب يصل ارتفاعها إلى بضعة سنتيمترات..

أعلن الرجل استعداده لتقديم مكافأة مالية كبيرة لمن يجد الساعة..

سارع العمال إلى تقليب النشارة باجتهاد مستخدمين أدواتهم.. ولكن دون جدوى..

وفي أثناء تواجدهم خارج الورشة لتناول الغذاء، دخل صبي صغير ثم خرج بعد مدة قصيرة وفي يده الساعة الثمينة..

نظروا إليه باستغراب شديد ثم سألوه.. كيف.. كيف وجدتها؟

أجابهم قائلاً: "لم أفعل أمراً خارقاً.. كل ما قمت به أنني جلست على الأرض في هدوء وظللت أسترق السمع حتى التقطت أُذناي صوت دقات الساعة"..

أيها الحبيب..

ما أكثر احتياجنا إلى الهدوء..

ما أكثر احتياجنا إلى الانفراد مع الرب في جلسة هادئة..

كثيرون منا فقدوا ما هو أكثر بكثير من هذه الساعة.. كثيرون منا فقدوا تمتعهم بغنى المسيح وحرموا أنفسهم من تعزيات وقوة الروح القدس..

لم تعد شهادتهم للرب مؤثرة، وخدمتهم صارت بلا ثمر..

حاجتنا إلى الهدوء

نعم نحن في حاجة ماسة إلى الهدوء.. إلى الهدوء عند قدمي الرب..

ففي جلساتنا الهادئة مع الرب نسترد كل ما نفقده من راحة وسلام وفرح بسبب اخطاءنا

كلمة الرب تحثنا قائلة "بالرجوع والسكون تخلصون بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم" (إش٣٠: ١٥)..

+  +  +

احرص جداً على جلستك الهادئة مع الرب الذي يحبك ويشتاق للحديث معك..

بكل تأكيد سيُسمعك كلماته الحية، وسيُعطيك الوعود التي تحتاجها.. وسيملؤك بقوته وحكمته، وسيمنحك سلامه وفرحه..

نعم، ما أثمن الهدوء، وما أعظم السكون.. عند قدمي الرب..

82.  كلنا قصار.. ولكن!!

 

ذاع الخبر في كل أنحاء المدينة.. الملكة تريد شباباً طوال القامة للعمل ضمن حراسها..

كان امتيازاً فائقاً أن يعمل شخص في خدمة الملكة، ولذا تمنى كل شاب أن ينجح في الاختبار وأن يقع عليه الإختيار..

قابل أحدهم صديقاً له فتحدث إليه قائلاً "أعتقد أن فرصتي أكبر منك.. إن قامتي أطول"، ثم وضعا كتفيهما جنباً إلى جنب ليعرفوا عملياً حقيقة الأمر..

بالطبع لم تكن هذه هي المقابلة الوحيدة التي جرت هكذا، فسرعان ما امتلأت المدينة بالمقارنات والقياسات..

وتحدث شاب إلى نفسه قائلاً "أعتقد أنني قست نفسي بكل شباب المدينة.. إن قامتي تعلوهم جميهاً.. حتماً سوف أنجح"..

وجاء يوم الاختبار، واكتشف الشباب أن هناك شرطاً آخراً.. فالملكة لا تريد فقط طوال القامة بل من يزيد منهم عن المتر والثمانين سنتيمتراً..

وعاد الشاب السابق ليقول لنفسه "حسناً، بكل تأكيد سأكون حارساً للملكة.. إنني أطول الجميع"..

وتم قياس الأطوال بكل دقة وظهر أن طول هذا الشاب هو مئة وتسعة وسبعين سنتيمتراً ونصف..

كان أقل طولاً من المطلوب بنصف سنتيمتر فقط.. إنه أمام شرط الملكة، قصير.. لا فرق بينه وبين أقصر شاب في المدينة، كلاهما مرفوض..

أيها القارئ، كثيرون يفعلون مثل هذا الشاب، يقيسون أنفسهم ببقية الناس.. هكذا فعل الفريسي في المثل الذي حدثنا به الرب يسوع في إنجيل لوقا..

كثيرون يقيسون أنفسهم بغيرهم، فيتوهمون أنهم مقبولون لدى الله لأنهم أفضل من غيرهم..

يظنون أنهم مقبولون لمجرد كونهم لا يفعلون خطايا معينه مثل القتل والزنى أو لأنهم لا يؤذون أحداً.. ونسوا أن مقياس الله يختلف عن مقايس البشر، وأن خطية واحدة يفعلها الإنسان ولا تُغفر له تحرمه من التمتع بإلهه..

مقياس الله القدوس يحكم على كل البشر هكذا "الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد" (رو٣: ١٢)..

أيها القارئ.. في كل تاريخ البشرية، لم ولن يوجد إنسان استطاع أن يحقق شروط الله إلا شخص واحد.. هو الإله المتجسد الرب يسوع، الوحيد الذي لم يفعل خطية واحدة..

وهو يدعو كل إنسان في الوجود قائلاً له:

اُنظر، بدوني أنت قصير القامة.. السماء ترفض قبولك.. إنك لا تفي بالشروط المطلوبة.. بل إن العدل الإلهي يطالب بهلاكك، قانونه يقول "أُجرة الخطية [أية خطية] هي موت" (رو٦: ٢٣)..

ولكن انظر أيضاً..

أنا أكملت كل الشروط عنك..

أنا سددت جميع ديونك،

أنا مُت بديلاً عنك..

وها دمي المسفوك يعلن أنني قدمت حياتي فدية عنك..

إنه دم يطهر من كل خطية ..

تعال إلى..

آمن بي..

اقبل حبي.. موتي بديلاً عنك..

اقبل خلاصي.. غفراني لخطاياك..

اقبل الحياة الأبدية التي أُقدمها لك..

أجعلك إنساناً جديداً.. إنساناً مُبرراً تُحسب في السماء بلا خطية (مز٣٢: ٢)..

اقبلني.. فأجعلك تُرى كاملاً، لأنك تُرى في (نش٥: ٢)..

أيها القارئ الحبيب..

ليس هناك في الوجود امتياز أعظم من أن تكون "في المسيح" البار والكامل.. فبدون المسيح، أي إنسان أياً كان هو قصير.. قصير جداً عن مقياس السماء..

هو يقول:

"أنا هو الباب إن دخل بي أحد فيخلص.. الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية" (يو١٠: ٩، ٣: ٣٦)

83.  لماذا لا أفعل مثلها؟

 

منظر كان يراه كل يوم.. لكن هذه المرة ترك فيه انطباعاً أقوى من أن تمحوه الأيام..

هذه المرة لم ينظر فقط بل فكر أيضاً وبعمق..

هو قروي وقد تَعَوَّدَ عند الغروب كل يوم أن يرى الجِمال المُنهكة وهي تركع أمام جاره مالكها، فيرفع عنها الأحمال الثقيلة التي ترتفع فوق ظهورها..

هذه المرة، فكر في نفسه..

إنني مثل هذه الجِمال أرزح طوال النهار تحت وطأة هموم ثقيلة..

لماذا لا أفعل مثلها؟!

لماذا لا آتي إلى مالكي الذي اشتراني بدمه؟َ!

لماذا لا أركع عند قدميه، لكي يرفع عني لماذا لا أتقابل معه عند نهاية كل يوم لكي يُريحني؟!

اترك كل شئ عند قدميه، ولن تُحرم قط من السلام والراحة

84.  ١٤ أم ٧٢؟

 

أهي مجرد معلومة طبية أم تحمل درساً في الحياة مع الله؟!

دعني أوضح لك..

حينما يراك الناس مقطب الوجه فهذا يعني طبياً أنك أجهدت إثنين وسبعين عضلة، أما عندما تبتسم فأنت تستخدم أربع عشرة عضلة فقط!!

ألا يعني هذا شيئاً؟

نعم فالله لم يخلقك لتكتئب بل لتفرح.. لا لتغتم بل لتبتسم، تبتسم للآخرين وتكون لطيفاً معهم..

الابتسامة يا صديقي كما يقولون هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى مترجم!!

المسيح دعانا للفرح.. والفرح الذي دعانا له فرح كامل، هكذا يؤكد الكتاب المقدس في أكثر من موضع (يوحنا ١٥: ١١)..

والرسول بولس يحثنا على الفرح المستمر "افرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا" (في٤: ٤)..

والروح القدس الذي يسكن فينا يثمر بالفرح في قلوبنا ويجعلنا نفرح حتى في أصعب الظروف وأحلك الأوقات..

لذا فسمة أساسية من سماتنا كأولاد لله أننا عادة فرحون..

  • فرحون لأن خطايانا التي ثقلت ضميرنا أياماً كثيرة قد طرحت بعيداً بقوة دم يسوع الثمين..
  • وفرحون لأننا طرحنا همومنا المتعددة على من يقدر أن يحملها بدلاً منا.. إنه دائماً يعتني بنا..
  • وفرحون لأنه يدافع عنا أمام هجمات إبليس، ويضمن لنا النصرة إلى النهاية..
  • وفرحون لأنه أخرجنا من دائرة الأنانية ومن عزلة الذات الأليمة وقادنا إلى طريق الحب وبذل النفس للآخرين، فاختبرنا أنه في العطاء تتكاثر سعادتنا وتبقى الابتسامة على وجوهنا كل الوقت..

لقد جاء يسوع إلى عالمنا المملوء بالشقاء والأنين لكي يعطينا حياة أفضل، هذه الحياة الجديدة هي بكل تأكيد حياة الابتسامة والفرح..

تذكر دائماً أن أربع عشرة عضلة أفضل من إثنتين وسبعين!!

85.  مَن يستحق؟

 

هذة قصة قد تبتسم عندما تقرؤها، ومع هذا فهي تُشير إلى مبدأ من أهم المبادئ في علاقتنا مع الله..

زار أمير سجناً من السجون، وفي أثناء تجوله به أعلن أنه سيعفو عن واحد فقط من السجناء، سيختاره بعد أن يستمع بضعة دقائق إلى كل واحد منهم..

وماذا حدث؟ لقد تبارى كل سجين في إثبات أنه برئ وأنه قد دخل السجن ظلماً، إلا واحداً قال للأمير في انكسار غير مفتعل "أنا بالذات لا أستحق أن أخرج لأنني مجرم استحق العقاب"..

نظر إليه الأمير وفاجأة قائلاً "سأطلقك أنت حراً.. فلن أسمح بوجود مجرم مثلك بين أبرياء"..

يقول أغسطينوس:

"تبحث عن الاستحقاق فلن تجد سوى العقاب وتبحث عن النعمة، فيالعمق غنى الله"..

فالرب يسوع يقدم للخاطئ الخلاص مجاناً.. كل خاطئ بإمكانه أن يقترب إلى الرب ويقول له "إنني خاطئ مجرم مذنب.. خلصني".. في الحال الرب سيعطيه الحياة الأبدية "لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم.. هو عطية الله" (أف٢: ٨)..

أيها القارئ..

هل تريد حقاً أن تتمتع بغنى المسيح؟

لا، لا تأت إليه مثل الفريسي الذي تحدث عن فضائله وسموه عن غيره.. بل تعال كالعشار الذي قرع صدره شاعراً باحتياجه وعدم استحقاقه..

اكشف له عن مرضك، فيمتعك بلمساته الشافية..

اظهر له كل قيودك.. سيحررك منها، لتنمو معه من مجد إلى مجد..

هيا.. تعال إليه.. تعال الآن.. لا تُخف عنه أحمالك.. ضعها بكاملها عند قدميه، وسيُريحك منها..

"لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (مت٩: ١٢)..

هو الطبيب الحقيقي الذي "أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا" (مت٨: ١٧)، لكي يمتعنا بشفائه المؤكد وراحته العظمى وسلامه الكامل..

هو الطبيب الحقيقي الذي "يستطيع كل شئ ولا يعسر عليه أمر" (أي٤٢: ١)..

هو يريد أن يكون طبيبك الخاص.. وهذا هو شرطه أن تقبل عطاياه مجاناً..

86.  أعطه ريشتك

كان في زيارة لإحدى المدارس الفنية، فسأل واحداً من تلاميذها:

"تُرى ماذا تفعل عندما تكتشف أن اللون الذي استخدمته لتلوين جزءاً من الصورة ليس مناسباً.. هل تمزق اللوحة وترسم غيرها؟"

أجاب التلميذ:

"كلا.. مُدرسنا فنان عظيم، وعندما نخطئ نترك له الريشة ليضع بها على ألواننا الخاطئة لمساته الخاصة.. فتصبح الصورة أجمل بكثير مما كانت ستصير إليه لو لم نخطئ"..

أيها الحبيب..

هذا ما يفعله الرب يسوع مع قراراتنا الخاطئة التي نتوب عنها..

هو الفنان الأعظم، الذي يعالج أخطاءنا، ولكن لابد أن يُسلم له كل منا "ريشته"..

سلم له ريشتك بلا شروط وسوف يجعل حياتك أجمل وأروع..

سيدي الحبيب،

كم من مرة أخطئ وارتكب حماقات تسيئ إلى غيري..

وكم من مرة أحاول أن أعالج الأمور بعيداً عنك.. أضع رجائي في الناس، فيزداد الأمر سوءاً..

سيدي،

عمق فيَّ هذا الدرس،

أنه في كل مرة أٌخطئ التصرف ألجأ إليك..

وأضع إيماني فيك،

وأثق كل الثقة، أنك ستستخدم كل ما حدث لخيري..

سيدي،

أي فرح يملأ قلبي.. أنك أنت الفنان الأعظم الذي دائماً يُصلح أخطائي..

87.  يطلبه بهُما!!

تحكي قصة أن كوخاً في إحدى القرى النائية كانت تقيم به عائلة من أربعة أفراد، الأب والأم وطفلان صغيران..

ذات يوم أمسكت النيران في هذا الكوخ، وكان حريقاً هائلاً وقف أمامه أهل القرية مكتوفي الأيدي، عاجزين أن يفعلوا شيئاً..

لكن فجأة خرج من وسط الجموع المحتشدة شاب يصيح بأعلى صوته ويقول "كيف لا يوجد شئ يمكن أن نفعله لننقذ هؤلاء المساكين".. وإذ لم يجبه أحد قذف بنفسه وسط النيران بجرأة غير عادية، وبعد دقيقة خرج منها حاملاً الطفلين، طفل أسفل كل ذراع من ذراعيه..

وبمجرد أن خرج انهار سقف الكوخ، ولم يَرَ أحد والدي الطفلين مرة أخرى..

دارت مناقشات في القرية حول مصير الطفلين، لمن يصيرا؟

كان هناك اثنان يطالبان بهما.. الأول، عمدة القرية وكان يلح في الطلب مستنداً على أن لديه المال والمركز والمكان وكل ما يضمن حياة سعيدة لهما..

والثاني كان الشاب الذي أنقذهما..

سألوه، وأنت بأي منطق تطالب بهما؟!!

لم يجب بكلمة واحدة ولكنه رفع يديه الإثنتين.. يدين محروقتين من أجلهما..

الرب يسوع أيضاً يأتي الآن إلى كل إنسان ويرفع له يديه المثقوبتين.. يطلبه بهما..

لا تخف.. إن لديه أيضاً كل الإمكانيات التي تضمن لك حياة سعيدة رائعة..

88.  يحملنا بجملتنا

طفل صغير لم يكن قد تجاوز الأربعة أعوام بعد.. وقف وسط إخوته على رصيف القطار في انتظار الأب العائد لهم بعد غيبة طويلة..

حالما رأى أباه أسرع نحوه صائحاً بصوت عالٍ "أبي أريد أن أحمل حقيبتك طوال الطريق إلى المنزل"..

نظر الأب إلى حقيبته وهو يعلم مدى ثقلها، لكنه لم يُرد أن يحزن طفله..

قال له "لن أحرمك من رغبتك.. لكن هات يدك وضعها في يدى واحمل الحقيبة"..

عندما فتحت الأم لهم الباب.. أسرع الطفل بفرح نحوها وهو يصيح مبتهجاً "أمي.. أمي.. لقد حملت حقيبة أبي.. حملتها طوال الطريق"..

ولم يكذب الطفل..

أيها القارئ العزيز.. هذا تماماً ما يجب أن نفعله دائماً وفي كل المواقف.. نضع أيادينا الواهنة التي لا تقدر بمفردها أن تحمل شيئاً في يد يسوع العظيمة القادرة على حمل أثقل الأحمال..

في البداية سنرى يسوع يشاركنا حملها ولكن مع الوقت سنتأكد وكل يوم ستزداد ثقتنا أن الأمر أعظم بكثير..

إنه هو يحملنا.. يحملنا بجملتنا.. وبكل أحمالنا..

كم كان رائعاً أغسطينوس حين قال "اُطلب بطرس المتكل على قوته ستجد الخائن.. واطلب بطرس المعتمد على إلهه ستجد بطرس الكارز"

سيدي الحبيب..

يكفيني أنك تحملني..

فوعدك لي "على الأيدي تحملون".. (إش٦٦: ١٢)

89.  "أنسى ما هو وراء"

سألوا أحد الفنانين البارزين "ما هو أروع أعمالك الفنية؟"

ابتسم الفنان وأجاب دون تردد: "لوحتى القادمة.."

والآن ماذا يقول الرسول بولس "أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام" (في٣: ١٣)..

كثيرون يخطئون حينما تنحصر تعزياتهم فيما فعله الله معهم في الأيام السابقة.. يعيشون على اختبارتهم القديمة كما لو أن الله قد صار غائباً عن حياتهم الحاضرة..

لا، ليس هذا هو قصد الله معنا.. إنه لا يريدنا أن نتعزى فقط بتذكر معاملاته معنا في الماضى، بل أيضاً باختبارات جديدة..

هل يتوقف الرب عن البركة؟؟.. مستحيل!!

إنه تبارك اسمه "أمساً واليوم وإلى الأبد.." (عب١٣: ٨)..

لقد قال بفمه المبارك "ها أنا معكم كل الأيام" (مت٢٨: ٢٠) كل الأيام وليس بعضاً منها..

  • ● ●

إن كل صباح يحمل لك رسالة من السماء هي.. الله سيعمل معك اليوم عملاً جديداً..

 

استخدم محرر هتمل عبر الإنترنت لإنشاء محتوى موقعك على الويب بسهولة. يمكنك تجربتها مجانا والاشتراك في عضوية إذا كنت راضيا.