[١] حصـــون

 

عادت الطفلة الصغيرة " مريم " إلى المنزل متهللة الوجه متحمسة للقاء أمها ، تحمل في يدها شهادة نتيجة امتحان الشهر ..

إنها تحب أمها جداً وتريد أن تُفرحها ، لقد حققت ما كانت تريده منها وتُذكرها به مراراً .. لقد حصلت على الدرجات النهائية في جميع المواد ..

لكن يا للمفاجأة ، بل يا للصدمة التي داهمت الصغيرة ، فما أن قرأت الأم الدرجات حتى قالت لها " آه لهؤلاء المدرسات غير الأمينات .. دائماً يعطين الدرجات النهائية للتلاميذ دون استحقاق" ..

لم تكن هذه هي المرة أولى التي تُصدم فيها مريم من أمها ..

ذات مرة ساعدتها في ترتيب مائدة الطعام للضيوف .. قالت لها أمها " لقد أخطأت في وضع السكاكين " فأسرعت مريم ووضعتها في مكانها السليم فسمعت أمها تقول لها مرة أخرى " الملاعق .. هذا أيضاً ليس مكانها " ، وبعد ذلك كان الحديث عن الأطباق والأكواب ..

تبذل مريم مجهوداً ضخماً لكنها لا تنجح في إرضاء أمها .. في البداية كانت تحصل على درجات متوسطة في بعض المواد ، وفوق المتوسطة في بقية المواد .. فكانت أمها تقول لها " مريم ، اعتقد أنك لو اجتهدت أكثر فسوف تنالين درجات عالية في جميع المواد " .. ولأن مريم تريد أن تُرضيها فقد بذلت جهداً أكثر وبالفعل نالت الدرجات العالية ، إلا أنها عندما عادت بهذه النتيجة قالت لها أُمها " لو كنت قد تعبت أكثر قليلاً لنُلت الدرجات النهائية " ..

ناضلت الصغيرة، فكم كانت تحب أمها وتود أن تسعدها.. ونالت بالفعل عن استحقاق الدرجات النهائية في كل المواد ، لكن أمها الغريبة لم تمتدح تفوقها بل اتهمت المُدرسات بعدم الأمانة.. لقد أعطين مريم أكثر مما تستحق ..

أيها القاريء

قد تعزى أحداث هذه القصة إلى نفسية الأم المريضة ، والأمر فعلاً كذلك .. إلا إنني أُضيف قائلاً بأن هناك طرفاً آخر مختبيء له دور خطير جداً ، هو إبليس ..

لقد رتب هذه الأحداث بمهارة شديدة ، وساعد على تكرار أمثالها ، إن له هدافاً واضحاً .. هو أن يُدمر نفسية هذه الصغيرة ..

وللأسف ، فقد كان له ما أراد ..

نشأت مريم وبداخلها شعور دائم بالتقصير .. تشعر دائماً بالواجب المُلقى عليها وتجتهد دائماً بكل طاقتها لكي تتممه لكنا أبداً لا تقتنع بأنها قد بلغت الهدف ..

لا ، لم أفعل واجبي كما ينبعي ..

لا ، لن يرضيهم ما قمت به ..

إنني مقصرة.. مقصرة ..

هذا دائماً هو لسان حالها ، إنها مصابة بالشعور المستمر بالتقصير ..

وحتى بعد ما بدأت تحيا مع الله حياة حقيقية لم يفارقها هذا الإحساس بل امتد أيضاً إلى أمورها الروحية..

هي تعمل دائماً كل ما في قدرتها .. تريد أن ترضي الله على قدر ما تستطيع ومع هذا فهي نادراً ما تشعر بأن الله يُشجعها ، ولمجرد أن تنقص قليلاً عن المستوى الروحي الذي في ذهنها تشعر بأنها مرفوضة .. وهكذا فهى لا تتمتع باستمرار بسلام الله لأنها تشعر دائماً بأنها مقصرة..

هل يحبها الله برغم تقصيرها ؟ .. في أعماقها تسمع الإجابة لا .. فهي لا تقدر أن تستوعب الحقيقة العظيمة التي يعلنها الوحي .. لا تفهم أن الله لا يحبنا لأننا صالحون ولكن لأننا نحتاج إلى حبه لنكون به صالحين ..

ماذا أقول عن هذه الفتاة ؟

لقد نجح إبليس في أن يبني داخلها حصناً خطيراً له ، حصن اسمه الشعور بالتقصير .. بناه ليحرمها من فرح الرب الذي هو قوة المؤمنين ..

آه أيها القاريء ، كم يستخدم عدونا ظروفنا والكلمات التي نسمعها ونحن أطفال صغار ليُشيد مثل هذا الحصن الخطير الذي يعاكس نمونا الروحي واستخدام الله لنا ..

 

حصن آخر .. " رفض الأُبوة "

لم يكن أبو " جرجس " أباً عادياً .. كان شرس الطباع ينفق أمواله في احتساء الخمر ولا يعبأ بشئون أسرته ، إلا أن أسوأ سيئاته هي أنه كان يلجأ لضرب الآخرين للتنفيس عن همومه ..

وأمضى " جرجس " طفولته معذباً .. يرى أباه يضرب أُمه مراراً أمام عينيه .. يسمع صراخها ، وفي أحيان متكررة كان يقتسم معها الكثير من لطماته ..

كره " جرجس " كلمة أب .. لقد بنى العدو في داخله حصن " رفض الأبوة " ..

ولم يعرف جرجس أبواب الكنيسة إلا وهو في الجامعة عندما افتقده زملاء له أمناء لله .. وعرف جرجس الطريق الوحيد للراحة ، وبدأ علاقة حية مع الرب يسوع .. وسار في حياة توبة مستمرة وانتظم على فترات الإختلاء بالله .. لكن بقيت مشكلة ضخمة تعوق نموه الروحي ، فهو لا يقدر أن يفهم أبوة الله له ولا أن يتمتع بها ..

حصن " رفض الأبوة " لا يزال قائماً في داخله .. يتمسك به إبليس لكي يمنع اختباره لأعماق حب الله له ..

 

حصن ثالث .. " الشعور بأني غير مرغوب "

 

أنجبت الأم ثلاث بنات وهي الآن حامل وتتوق هي وزوجها أن يكون وليدها الرابع ولداً .. إنهما لا يزالان متأثرين بالنظرة القديمة للبنت أنها أقل من الولد ..

لكن لم تكن هذه إرادة الله ، فقد أنجبت أيضاً بنتاً ..

وكعادة إبليس ، فهو يسعى دائماً لبناء حصون داخل نفس الإنسان ، وهو بعد طفلاً .. انتظر حتى بدأت الصغيرة تفهم ما تسمعه من أحاديث تدور بالقرب منها ثم بدأ يُسمعها بين الحين والآخر كلمات تؤكد لها أن أباها وأمها لم يكُنا يريدانها ، بل كانا يرغبان ولداً ..

واستغل إبليس ابتعاد أسرتها عن الله ودبر لها في سنوات نشأتها الأولى أحداثاً قد تبدو للبعض أنها عادية إلا أنها كانت عميقة الأثر في زيادة إحساسها بأنها غير مرغوبة ..

كمثال كان إبليس يُحرك عائلتها لسبب أو لآخر لكي تتركها وحيدة في المنزل بعض الوقت ..

ونمت الطفلة وفي داخلها حصن لإبليس يزداد قوة يوماً وراء آخر .. حصن اسمه " الشعور بأني غير مرغوب " .. حصن كم أتعبها بعد ذلك في حياتها مع الله ..

هي تعرف بعقلها أن المسيح يحبها .. مات لأجلها ، لكنها لا تتمتع في قلبها بهذا الإحساس الثمين بأنها محبوبة جداً منه .. على العكس كثيراً ما تشعر أنه لا يريدها .. فهي في نظر نفسها ليست كالأُخريات اللاتي يخدمنه .. إنها لا تستحق أي شيء حسن "Worthless" ..

وكثيراً ما تشعر أنها ثقل على رفيقاتها في مسيرتهن مع الله .. ويهمس لها إبليس مستغلاً حالتها " يجب أن تبتعدى .. أنت عائق لهن .. كم أنت تسببين من مضايقات " ..

وهكذا نجح إبليس في أن يقودها إلى حياة الإنغلاق المدمرة والعزلة المريضة والحزن الرديء والشعور بالوحدة Loneliness .. أُمور ليست مطلقاً من مشيئة الله المحب تجاه أولاده ..

آه ، ما أخطر أن ينمو طفل بعيداً عن الأمان الذي يعطيه الحب .. ما أخطر أن يشعر بأنه غير محبوب .. هذا إحساس يدفعه بعد ذلك لرفض نفسه ويجعله غير قادر على إظهار الحب للآخرين ، بل ويؤثر أيضاً في علاقته مع الله وربما يجد نفسه غير قادر أن يحبه كما يريد وكما يجب أن يكون ..

 

حصن رابع .. " صغر النفس "

وهذا شاب نما في منزل يفرق في المعاملة بينه وبين أخيه ..

لماذا ؟ .. هو الأصغر .. لم يكن يُؤخذ برأيه ولم يُعتد باقتراحاته على عكس أخيه الأكبر الذي دأب كل من الأب والأم على استشارته والإعتماد عليه ..

نشأ الأخ الأصغر وفي داخله حصن يخضع لإبليس اسمه " صغر النفس " "inferiority".. حصن جعله يخشى دائماً المسئولية ويتهرب منها .. حصن أشعره بالعجز وأصابه بالتردد في اتخاذ قراراته ..

حصن خطير ، قد يتكون نتيجة لنشأة الطفل في أسرة تقارنه دائماً بغيره .. هو في نظرهم الأقل ، ربما في الجمال أو الذكاء أو القدرة على التصرف .. فينشأ الطفل يقارن نفسه بغيره ويشعر أنه الأقل والأسوأ .. وقد يتولد هذا الشعور نتيجة للإصابة بعاهة في الجسم أو نتيجة لفشل غير متوقع حدث في أحد المجالات ..

وربما يأتي بسبب المقارنة المستمرة بمن هم أفضل مادياً ..

 

أمثـــلة

إنسان لا يقدر أن يُصلي بصوت مرتفع وسط زملائه في اجتماع الصلاة .. السبب أنه يخاف النقد .. إن حصن " صغر النفس " موجود في داخله ..

وهذا آخر ينسحب سريعاً من أي عمل جماعي .. لماذا؟ .. لأنه يخاف أن يُقارن بغيره .. يهرب من الخدمة وربما يتعلل بعدم الاستحقاق بينما السبب الحقيقي أنه يخاف الفشل ..

وهذا ثالث يحاول أن يخفي شعوره بالنقص بالإنشغال بنقد الآخرين وإدانتهم .. وإذا وُضع في موقع قيادي أخفى إحساسه بصغر النفس بالتسلط والاحتداد والإصرار على الرأي حتى ولو كان خاطئاً .. " فصغر النفس " و " الكبرياء " هما وجها عملة واحدة هي " الانحصار في الذات " ..

ورابعة تُعوض إحساسها العميق بالنقص بالمبالغة في التزين أو بالحديث عن ذاتها وقد تحاول أن تُشعر الآخرين بأن عمرها أقل من حقيقته ..

وخامس يتحدث مع الناس بما يتفق دائماً مع وجهات نظرهم بغض النظر عن صحتها ، ولذا لا يكون دائماً صادقاً .. يتملق ويكذب لكي يكسب مديح الآخرين ..

وقد يدفع حصن " صغر النفس " الإنسان إلى فعل أُمور ليست في استطاعته كما يجعله لا يرضى بأقل منها ..

إبليس كم هو سعيد للغاية بوجود هذا الحصن داخل نفوس كثيرة فمن خلاله يسقطهم في خطايا الكذب والغيرة والهروب من المسئولية والإنعزال المريض عن الناس ، كما قد يدفعهم لتعويض هذا الإحساس بالنقص إما بالتحكم في الآخرين وفرض الرأي أو بالإنغماس في خطايا الجنس أو بالإثنين معاً ..

 

 

 

 

 

حصن خامس .. " حب السيطرة "

هذا النوع ينتشر كثيراً داخل نفوس السيدات اللواتي عشن طفولتهن وفترة الصبا في منازل ريفية محافظة تفرض على الفتاة قيوداً كثيرة وتعاملها على أساس أنه ليس لها حق التعبير عن رأيها..

إنه " حصن السيطرة " الذي كثيراً ما يظهر فيهن عندما تعطي لهن الحرية سواء بسبب الزواج أو التفرغ للخدمة الروحية في بيوت التكريس ..

فإذا تزوجت فرضت سيطرتها على المنزل الجديد .. تريد أن يخضع الجميع لأوامرها حتى ولو كانت خاطئة .. وإذا صارت خادمة مكرسة ظهرت بوضوح تحكماتها المنفرة وعنادها المستمر.. ويزيد من خطورة هذا الحصن محاولاتها لإقناع نفسها بأن هذه هي الوسيلة الوحيدة للقيادة الناجحة ، وأن الأمور تتطلب مثل هذا الحزم ..

 

حصن سادس .. " عدم المغفرة "

أن لا تكون لك الرغبة في أن تغفر ولو لشخص واحد فقط من الذين أساءوا إليك فهذا بكل تأكيد يعوق عمل الروح القدس فيك ، لذا يحاول إبليس بكل الطرق المتاحة له أن ينشيء فينا ومنذ طفولتنا هذا الحصن الخطير ..

كم من أطفال يتعرضون في صغرهم لإعتداءات جنسية " sexual abuse " وربما من أقرب الناس إليهم "incest" .. وكم من أطفال يعانون من معاملة قاسية من آبائهم ، معاملة تفتقر جداً إلى الحب الحقيقي ..

ويكبر الطفل منهم ويصير شاباً أو شابة ويبدأ علاقة حقيقة مع الله ، لكنه لا ينمو .. ولا يقدر أن يستمر فرحاً فترة طويلة .. لماذا؟ .. في القلب خطية مختبئة تمنع عمل الروح القدس .. إنه لم يغفر بعد لمن أساءوا إليه وقت أن كان طفلاً صغيراً ..وقد تكون هذه الخطية غير واضحة له ، لكن عندما يعود بذاكرته إلى الوراء أثناء خلوته مع الله ويسترجع ما حدث معه فإنه يتأوه " لا .. لا أستطيع أن أُسامحه عما فعل بي " ..

ما أخطر هذا الحصن .. عدم الغفران يعوق الفرح بالله ، يعطل عمل الروح القدس .. لقد شرح الرب بنفسه هذا الأمر بمثل قال لنا في الأصحاح الثامن عشر من إنجيل متى .. الآن أرفع قلبك وأطلب من الرب أن يلمس داخلك بكلمات هذا المثل .

 

 

 

 

 

المثـــــــل

تحدث الرب عن عبد كان مديوناً لملك بعشرة آلاف وزنة ما يقرب من اثنتي عشرة مليون دولار .. مبلغ ضخم جداً يستحيل عليه سداده .. صورة لدين الخطية الذي يستحيل على الإنسان أن يسدده ..

لكن الملك سامح العبد .. والرب يسوع سامحنا على حساب دمه المسفوك الذي لا يقدر بثمن ..

ثم حدث شيء ، يقول الرب يسوع " ولما خرج ذلك العبد [ بعد أن ترك الملك له الدين ] وجد واحداً من العبيد رفقائه كان مديوناً له بمئة دينار [ أي نحو عشرين دولار ] (مت ١٨: ٢٨) ..

ماذا يريد الرب يسوع أن يعلمنا بهذا المثل ؟ .. قارن معي بين ١٢ مليون دولار و ٢٠ دولار .. أي فرق هذا ، لا مجال للمقارنة بينهما .. نعم لا مجال للمقارنة بين غفران الله لك الذي كلفه موت الصليب وغفرانك أنت لأي شخص مهما كانت إساءته لك ..

ولنُكمل قراءة المثل .. لم يرض العبد أن يترك لرفيقه المبلغ (٢٠ دولار) بل " أمسكه وأخذ بعنقه .. وألقاه في السجن حتى يوفي الدين " (مت ١٨: ٢٨ ، ٣٠) ..

هذه صورة يُقدمها الرب للإنسان الذي يرفض أن يسامح .. والآن لنقرأ كلمات الرب المحذرة ، إنه يُكمل قائلاً " غضب سيده وسلمه إلى المعذبين .. فهكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته " (مت ١٨: ٣٤ ، ٣٥) ..

آه أيها القاريء ، إن عدم المغفرة يُسلمنا إلى المعذبين .. إلى الأرواح الشريرة التي تُعذب .. إلى أرواح الإكتئاب والقلق ..

آه ، لن تنفع جهود الأطباء النفسيين ولن تفيد المهدئات القوية النفوس التي لا تريد أن تغفر .. فلن تزول أبداً من داخلهم آثار إساءة المسيئين المدمرة إلا بعد أن يسامحوهم من القلب ..

صديقي القاريء ، " عدم الغفران " حصن خطير للغاية .. عندما لا تغفر فأنت تفتح الباب للأرواح الشريرة لكي تأتى وتؤثر عليك ، لهذا نرى الرسول بولس يعلن مقدماً استعداده للمغفرة لكي يُغلق هذا الباب أمام قوات الشر .. يكتب يقول " إن كنت قدسامحت بشيء فمن أجلكم بحضرة المسيح لئلا يطمع فينا الشيطان " (٢كو ٢: ١٠ ، ١١) ..

أيها القاريء ، دعنى أسألك سؤالاً محدداً :

هل غفرت كل إساءة أتت لك ذات يوم ؟

  • من أبيك أو أمك
  • من شخص آخر من أُسرتك
  • من أصدقائك ..
  • من أشخاص لا علاقة لهم بك

 

صديقي ، " عدم المغفرة " حصن خطير للغاية لا تهدمه سوى معاول الإيمان التي تحركها يد النعمة الغنية ..

 

حصــن الحرمـــان

فالشابة التي كانت تعاني في طفولتها من حرمان من حنان الأسرة قد يدفعها إبليس أن تًُشبع احتياجها بإنغماس في خطايا جنسية أو بتورط في ارتباط عاطفى مُدمر لها ..

والطفل الذي يُحرم طويلاً من أمور مادية كالطعام أو الملابس قد ينمو ويصير رجلاً وبداخله ميل لتبذير الأموال ، فينفق الكثير بلا تعقل لمجرد إشباع رغبة داخلية للامتلاك أو التظاهر .. وقد يُصاب بمرض السرقة رغم عدم احتياجه للمال ، وقد يصير قاسياً في معاملاته مع القريبين له ..

 

حصن الشفقة على الذات

حصن غالباً ما ينشأ نتيجة لخبرات فشل مر بها الإنسان أو نتيجة لحرمان عاطفي أو مادي عانى منه سنوات طويلة وقد يتكون نتيجة للإصابة بإحدى العاهات وربما لعيب في الشكل ..

صاحب هذا الحصن شخص انهزامي .. إذا حدث وأخطأ استسلم للدموع ومشاعر الحزن مشفقاً على ذاته بدلاً من أن يقوم سريعاً من سقطته ، وإذا أصابته تجربة استسلم للهزيمة بدلاً من أن يقاومها .. إنه يفتقر إلى الإيمان بالله الذي يحول اللعنة إلى بركة والذي يجعل كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبونه ..

وقد يعوض فشله بأن يسعى لجذب شفقة الآخرين بدلاً من أن يطلب معونتهم فمثلاً إذا أُصيب بمرض ظهر في داخله شعور بعدم الرغبة في الشفاء لكي يحظى بإهتمام الآخرين أطول فترة ممكنة، إنه يجد لذة في الحديث مع الآخرين عن متاعبه وآلامه ..

كما قد يتسم صاحب هذا الحسن بالحساسية المفرطة ، فيكون الشخص حساساً جداً لآراء الناس عنه ومواقفهم منه ..

 

حصـن التبــاهـى

نشأت " سارة " وسط أسرة بعيدة عن المسيح ، تهتم جداً بالمظاهر .. لقد اعتادت أمها أن تجلس مع الآخرين وتحدثهم بكلمات تعلن بها عن نفسها .. تارة تكلمهم عن أعمالها المؤثرة وتضحياتها الكبيرة ، وتارة أخرى تشير إلى ثقافتها المرتفعة وإلمامها بشتى الأمور .. تشتري أشياء باهظة الثمن، لا بسبب إحتياج لها بل لأجل التباهي بها ..

للأسف نمت "سارة " بعيدة مثل أسرتها عن المسيح ، وأخذت عن أمها هذا الاتجاه " التباهي" .. لكن الرب في حنانه لم يتركها .. أرسل لها خلال المرحلة الجامعية من يوقظها من غفلتها ويضع أقدامها على الطريق ..

بدأت " سارة " حياة جادة مع الرب ولكن بقى هذا الاتجاه في حياتها " التباهي " ولكن اختلفت مجالات ظهوره .. لم تعد تتباهي بالماديات بل بالروحيات ..

إنها تتحدث مع الآخرين بكلمات روحية ولكن لتُظهر معرفتها بالكتاب ، تسرد تعاملات الله معها ولكن ليس بهدف أن تمجده بل من أجل أن تزهو بذاتها .. وكثيراً تذكر أخباراً عن الخدمة لتظهر ذاتها أنها العالمة ببواطن الأمور ..

آه ما أقسى هذا الحصن .. حياة لأجل الذات لا لأجل الرب يسوع ..

 

حصــن الخــوف

تُرى هل تشعر بالخوف من :

* الفشل * المرض * الظلمة

* السفر * الأماكن المغلقة * المرتفعات

* بعض الأشخاص

إنه " حصن الخوف " ٠٠

ما أثره وكيف يشيده إبليس داخل النفوس؟

دعنا نجيبك عن طريق هذه الأمثلة ..

لم تكن قد تجاوزت الثلاثة أعوام عندما كانت تلعب ذات يوم بالرمال على شاطيء البحر .. لكن فجأة هبت عاصفة شديدة ، وعلت الأمواج بصورة خطيرة ووصلت إليها وكادت أن تغرقها بمياهها الجامحة .. رأتها أمها التي كانت تراقبها عن قرب ، فانزعجت جداً وعلا صراخها وهي تسرع لنجدتها ..

أُنقذت الطفلة ، لم تغرق ، لكن إبليس قد نجح في أن ينقل ما حدث إلى أعماق نفسها .. إلى اللاشعور .. فظل الخوف من المياه يلازمها لسنوات طويلة بعد ذلك ..

وفتاة أُخرى لها علاقة قوية بالله .. تخدمه وتتعب كثيراً من أجله ، ولها إيمان حلو يشهد به كل من اقترب إليها .. إلا أن هناك نقطة ضعف في حياتها .. أنها تخاف الموت وترتعب منه .. ظاهرة تتعارض من إيمانها القوى المعروف .. ما السبب ؟

في جلسة روحية مع مُرشدها الروحي أظهر الروح القدس الفاحص السبب .. تذكرت ما حدث لها حين كانت في السادسة من عمرها .. مات أحد أقربائها أمام عينيها .. رأت النساء ينُحن ويبكين بطريقة هستيرية مزعجة جداً أدخلت الرعب إلى قلبها ..دخل إليها واستقر فيها فصارت تخشى الموت جداً ..

وهذا شخص لا يقدر أن يتحدث أمام الأعداد الكبيرة من الناس والسبب أنه حين كان بالمرحلة الإبتدائية أحرجه أحد المعلمين أمام تلاميذ الفصل .. ضحكوا بصوت مرتفع .. إلى الآن يخاف أن يتكرر هذا الموقف ..

وكثيرون لا يقدرون أن يتمتعوا بالأمان رغم معرفتهم الذهنية بكل وعود المسيح المطمئنة ، والسبب أنهم نشأوا وسط أسر مفككة لم تقدر أن تعطيهم الحب الحقيقي الذي يعطي الأمان .. الآباء في عراك مستمر مع الأمهات أو في انشغال دائم بالماديات .. انشغال بزيادة الدخل وشراء الجديد من الأثاث .. انشغال على حساب مع هو أثمن بكثير .. على حساب الروابط الأسرية وجو الأُلفة .. ليس من وقت لديهم لشركة المحبة .. يا للأسف فهذه لا يقدر شيء آخر أن يعوضها ، فينشأ الأطفال غير قادرين على التمتع بالله الذي يعطي الشعور بالأمان الكامل ..

وهكذا نشأ الكثيرون وبهم " حصون الخوف " .. يخافون خوفاً غير عادي من الناس أو الظروف أو المرض أو الجبال أو الأماكن المظلمة أو الحيوانات كالقطط ..

وبالرغم من أن البعض منهم يحاول جاهداً بتفكيره العقلي أن يستهتر بما يخاف منه إلا أنهم دائماً يخفقون !!.. فالحصون التي يشيدها إبليس قوية وتحتاج إلى تدخُل المسيح ، هو وحده الذي يقدر أن يسحقها تماماً ..

 

أيهــــا القـــــاريء

تُرى هل أزعجتك بالحديث عن هذه الحصون .. أنا معك هذه حقيقة مُحزنة ومزعجة جداً أن نعرف أن إبليس يفعل كل هذا في نفوس الصغار الأبرياء مستغلاً ابتعاد والديهم وعائلاتهم عن
المسيح ..

أنا معك في هذا ، لكن هل أنت معي في أن الرب يسوع قد جاء إلى عالمنا لينقض كل أعمال إبليس ..

نعم أمر مُحزن أن يشيد إبليس هذه الحصون في نفوس أطفال لم يجدوا حماية كافية من أسرهم .. لكن شكراً لله فالقصة لها بقية ، لقد أتى يسوع ليهدم كل هذه الحصون ..

يكتب الرسول بولس عن القوة التي لنا في الرب يسوع قائلاً " إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون . هادمين ظنوناً [ تخيلات imaginations, K.J.V. ] وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (٢كو ١٠: ٥) ..

آه يا للمجد ..

كل التخيلات الكاذبة ستنتهي ..

كل كبرياء وتعالي سيزول ..

كل الفكر سيخضع للرب ..

كل الحصون ستنهدم ، ولن تعود ..

المسيح أتى لكي ينقض أعمال إبليس .. هللويا ..

في العقد القديم كان الشعب يحتفل كل خمسين عاماً بسنة كانوا يطلقون عليها سنة اليوبيل .. هذه السنة هي سنة للتمتع بالحرية ..

ففي يوم الكفارة لهذه السنة (لا ٢٥) كان يُعلن ببوق الهتاف أن سنة الحرية قد أتت .. ستُطلق حرية العبيد وسيُرد لكل شخص كل ما فقده من ممتلكات ..

آه ، يا للحقيقة المجيدة التي يعلنها الوحي بهذا الرمز ، فنحن الآن في سنة يوبيل دائمة .. الله يقول " سنة مفديَي قد أتت " (إش ٦٣: ٤) ، والروح القدس يبوق عالياً [ كلمة يوبيل تعني البوق ] بأنه على حساب دم الرب يسوع الكفاري يستطيع كل منا أن يسترد ما فقده من سلام وفرح ..

يقول الوحي " كل وطاء يرتفع وكل جبل وأكمة ينخفض ويصير المعوج مستقيماً والعراقيب سهلاً " (إش ٤٠: ٤) .. ما أورع هذا الوعد ..

  • كل وطاء يرتفع .. نعم ستُزال عقد النقص وصغر النفس والشعور بالتقصير والشفقة على الذات .. وآثار الحرمان.
  • وكل جبل وأكمة ينخفض .. ويتحرر الإنسان من كل قيود السيطرة والتعالي والتباهي وحب المظاهر ..
  • ويصير المعوج مستقيماً .. فلن نعود نتستر وراء حجج كاذبة لنخفي دوافعنا المنحرفة من أنانية أو غيرة أو حب للسيطرة أو للظهور .. سيمُتحن كل ما نفعله في ضوء كلمة الله التي تميز أفكار القلب ونياته ..
  • والعراقيب [ الطرق الوعرة ] تصير سهلاً .. ستتلاشى الأفكار الخاطئة المسيطرة على ذهني وسيصبح تفكيري سلساً ..
  • والشعاب طرقاً سهلة (لو ٣: ٥) .. ستنتهي من حياتي المناقشات العقيمة مع نفسي والتشتيت والسرحان وأحلام اليقظة .. سأصير بسيطاً وواضحاً..

 

يا للمجد ، الرب يسوع يزيل من النفس كل آثار الماضي المتعبة .. يرفع عنها كل أثر للرفض وعدم القبول من الآخرين ، كل ما عانت منه في الطفولة .. يتحدث الوحي قائلاً " كامرأة مهجورة [ مرفوضة ] ومحزونة الروح [ كئيبة ] دعاك الرب وكزوجة الصبا إذا رُذلت " (إش ٥٤: ٦) .. الرب يسوع يعطي وعداً ثميناً لكل نفس تقبل إليه ، يقول لها " أشفيك من جروحك يقول الرب. لأنهم قد دعوك منفية صهيون التي لا سائل عنها [ غير مرغوب فيها ] " (إر ٣٠: ١٧) ..

صديقي ، ضع خطاً سميكاً تحت عبارة لا سائل عنها .. فإذا كنت لا زلت تشعر أنك غير مرغوب فيك فهذه الآية الصادقة قد كتبها الله خصيصاً لك ..

أنظر إنه يقول أيضاً " أدعو التي ليست محبوبة محبوبة " (رو ٩: ٢٥) ..

يسوع جاء إلى عالمنا من أجل كل الذين شيد إبليس فيهم حصونه.. هو يقول إنه أتى ليعطيهم " جمالاً عوضاً عن الرماد ودُهن فرح عوضاً عن النوح ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة فيُدعون أشجار البر غرس الرب للتمجيد " (إش ٦١: ٣) ..

صديقي ، هل نجح إبليس أن يجعل حياتك مثل الرماد ؟ .. كفى اكتئاباً ، الرب يسوع سيحولها إلى فردوس من الجمال ..

هل تنوح وتبكي ؟ .. جفف مدمعك فالرب سيمسحك بدهن الفرح والابتهاج ..

هل تعاني من الشعور بالإحباط والإحساس باليأس ؟ .. الرب بنفسه سيضع ترنيمة جديدة في فمك، وسيعلمك كيف تنسى نفسك لتنطلق في التسبيح .. ومن الأعماق ..

صديقي ، دعني أُوكد لك بملء الثقة أنه يوجد لك شفاء .. يسوع يهدم كل الحصون ..

ثق في الرب يسوع .. ثق في حبه .. ثق أنه يستطيع أن يُدمر كل ما شيده إبليس في داخلك من حصون ..

ثق فيه .. أعطه وقتاً كافياً وسيتغير كل شيء .. أنتظر أمامه .. ولن تكون كما كنت ..

إننا نقدم لك ثلاث خطوات أساسية للشفاء ..

 

أولاً .. أقبل حب يسوع لك

أن تقبل حب يسوع وتتمتع به يعني أنك تعمل الخطوة الأساسية الأولى والحاسمة لهدم أي حصن بناه العدو في داخلك ..

افتح قلبك للرب .. قُل له يا سيد أشبعني بحبك .. أملأني به .. اسكبه في أعماقي بروحك.. أنا جائع جداً له ..

صديقي ، لا تصدق إبليس إن قال لك أنك أسوأ من أن تأتي ليسوع .. آه ، يا لخبثه .. إنه يريد أن يحرمك من الحرية .. يريد أن تبقى الحصون كما هي ..

صديقي ، لا تقل في نفسك لن آخذ شيئاً لأني لا أستحق .. يسوع يأتي لكل إنسان يشعر أنه لا يستحق .. يأتي له ليهدم كل الحصون التي فيه ، ليجعله إنساناً آخر .. ما أعظم إلهنا ، " إله كل نعمة " (١بط ٥: ١٠) .. حبه يشفي كل الجروح ..

يسوع بحبنا لا أننا بلا عيوب ، على العكس لقد أحبنا مجاناً وقد أتى ليُعالج كل عُيوبنا .. هو طبيب ، أعظم طبيب .. أتى لأجل المرضى وليس الأصحاء .. احتمل على الصليب كل أنواع المشاعر المؤلمة التي يمكن تمكن أن يمر بها إنسان على أرضنا .. كسرت قلبه .. لذا هو يشعر بك .. هو يفهمك .. يحبك .. وسيشفيك ..

 

ثانياً .. آمن بشفاء الرب لك

صدق أنه يشفيك تماماً ، واترك له طريقة الشفاء ليحددها هو ويعلنها لقلبك ، فقد يشفيك في لحظة أو بالتدريج ، خلال صلواتك الفردية و دراستك للكلمة أو أثناء الأجتماعات الروحية ، وأحيانا يستخدم الرب خدامه المملوئين بالروح القدس بوضع أياديهم للشفاء (مر ١٦: ١٨) .. أو من خلال العودة بك إلى الوراء و التي سأشرحها لك من خلال هذه القصة :

كان بنو الأنبياء يقومون ببناء مسكن فسقط من أحدهم رأس فأس من حديد في الماء .. فصرخ طالباً مساعدة أليشع النبي ، فقال له النبي " أين سقط " .. فأراه الموضع ، فقطع أليشع عود شجرة وألقاه هناك فطفا الرأس (٢مل ٦: ٥- ٧) ..

لقد فُقد الرأس في الماء .. غرق وبدا كما لو كان قد فُقد إلى الأبد .. هذا ما يقوله إبليس لنا، إن ما ضاع منا في طفولتنا لن يسترد مرة أُخرى ..

لكن كلا.. هذه أُكذوبة من أكاذيب إبليس تفضحها هذه القصة ..

سنسترد ما فقدناه ..

لنصرخ إلى أليشع الحقيقي .. إلى حبيبنا الرب يسوع .. ولندع سؤاله " أين سقط " يفحص أعماقنا ..

أين سقط الفأس؟ .. أين فُقِدَت البركة؟ .. سؤال أساسي .. لا تعرف أن تجيب عليه بإمكانياتك الذهنية .. لا تقلق .. ردد من قلبك صلاة داود " اختبرني يا الله [ افحصني Search me (N.I.V.) ] .. وانظر إن كان فىّ طريق باطل (طريق مؤلم hurtful way, Amplified Bible) واهدني طريقاً أبدياً " (مز ١٣٩: ٢٣، ٢٤) ..

صديقي ، إذا قادك الرب للشفاء بهذه الطريقة ، فلا تخف من ظهور المواقف المؤلمة التي حدثت لك في الماضي .. لا تُبق هذه المواقف مدفونة في أعماقك .. إنها لا تزال حية وتؤثر ربما دون أن تدري على سلوكك ..

تجاوب مع الرب يسوع إذا شاء أن يسير معك إلى الوراء إلى كل موقف مؤلم افقدك سلامة نفسك لكي يزيل كل أثر له لا يزال باقياً ..

لا تعاتب الرب لما حدث ..

لا تتذمر لأنه سمح بهذا الموقف أو ذاك ..

تعلم أن تكون مثل أيوب الذي رفض أن يتهم الله بالرغم من أنه لم يكن يفهم سبب كل ما حدث له .. لقد انتظر بصبر خلاصه .. حاولت زوجته أن تهز ثقته فيه ، لكن أيوب كان عظيماً.. لم يلُم إلهه ..

كفى تذمراً ، ودع الرب يعالج ما حدث .. هو يحبك ..

 

ماذا فعل أليشع ؟

ألقى عود الشجر في المكان الذي سقط فيه الفأس فاسترده بمعجزة ..

الرب يسوع هو العود الحقيقي الذي قُطِعَ من أرض الأحياء على الصليب (إش ٥٣: ٨) .. لقد تألم الرب قبل أن يموت على الصليب ، ليس فقط ليهبك الحياة الأبدية بل أيضاً لُيعيد إلى نفسيتك صحتها التي فقدتها بسبب ما حدث معك في الماضي ..يقول لنا سفر إشعياء أن الرب تألم لكي يحمل عنا أحزاننا وأوجاعنا حتى يريحنا منها " أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها " (إش ٥٣ :٤) ..

القاريء العزيز إن كان الرجوع إلى الوراء وتذكر المواقف المؤذية هي الوسيلة التي اختارها الرب لشفائك ، فلتتذكر هذه المواقف وفي قلبك اليقين أنك ستتحرر من كل آثارها الضارة لأنك تواجهها بالإيمان أن الرب في آلامه حمل كل أحزانك و تحمل كل أوجاعك ..

ولا تعتمد على نفسك في اختيار المرشد الروحي الذي ستسترجع معه هذه المواقف .. اطلب من الرب أن يقودك هو في الاختيار للمرشد الروحي ..

هو شخص ممتليء بالروح القدس يظهر في حياته ثمر ومواهب الروح القدس بكل وضوح .. إذهب إليه بثقة أن الروح سيستخدمه لإظهار المواقف القديمة التي أذت نفسيتك و شيدت بها الحصون ..

إذهب إليه بثقة أن الرب سيكون حاضرا وهو الذي سيداوي كل جروحك " وأشفيك من جروحك يقول الرب " ( إر ٣٠: ١٧ ) .. تحدث مع هذا المرشد معترفا بما حدث معك في الماضي ..

ثم وأنت تعترف اُنظر الرب في كل موقف ترويه و دع حضوره المعزي لا يفارق المشهد الذي استرجعه ذهنك .. تأمل في حبه .. ثق أنه كان يشعر بآلامك ، هذه حقيقة أخفاها إبليس عنك ، لكن الكتاب المقدس يعلنها لنا .. " في كل ضيقهم تضايق " ( إش ٦٣ : ٩ ) .. ألا تعرف أن إخفاء هذه الحقيقة عنك هو الذي أذى أعماقك وسمح للعدو أن يبني في داخلك حصنه ..

لكن الكتاب المقدس يعلنها لنا " احزاننا حملها ( الرب يسوع ) " ( إش ٥٣ :٤ ) .. ألا تعرف أن إخفاء هذه الحقيقة عنك هو الذي أذى أعماقك وسمح للعدو أن يبني في داخلك حصنه ..

الآن إصلح الأمر .. استرجع ما حدث ودع حضور يسوع الشافي يملأ المشهد .. ولا تنزعج إذا انهمرت من عينيك دموع كثيرة .. إنها دموع الراحة .. يسوع يعزيك .. إقبل حبه وتعزيته في هذا المشهد .. هذا هو العلاج ..

صديقي ، هكذا تصبح جلسات الإرشاد تلامساً حقيقياً مع حب يسوع .. مع نور يسوع .. مع شفاء يسوع .. ستشعر بنوره المبهج وهو يخترق نفسك في عمق أعماقها ليشفيها من الخبرات الماضية المؤلمة التي كان ذهنك يتحاشى مواجهتها من قبل ..

آه ، أى ضربات مقتدرة يوجهها الروح القدس في مثل هذه الجلسات للحصون عندما تكون هذه هي الطريقة التي اختارها الرب لشفائك .. وليسمح ليّ القاريء أن أنقل له من مذكرات إحدى الشابات نموذجاً لما يحدث في هذه الجلسات الحاسمة كمثال واقعي يشرح ما أقوله بصورة أوضح ..

 

كتبــت تقــول

" كان ينتابنى خوف غريب من رؤية السيقان .. كنت أخاف جداً منها حتى أني لم أكن أحتمل النظر إليها .. كانت تبدو مخيفة جداً كأنها أجزاء لجسم ميت .. وكنت أيضاً لا أقدر أن أنظر إلى أي إنسان ميت أو مشلول .. وظللت هكذا سنوات طويلة لا أدرى السبب ولا أعرف كيف أتحرر من هذا الخوف الغريب ..

في إحدى الجلسات مع المرشد الروحي تحدثت عن هذا الخوف ، فوضع يده على رأسي وصلى لي من أجل هذا الأمر .. كنت مغمضة العينين أثناء صلاته ، فشاهدت أمامي منظراً قديماً حدث لي وأنا طفلة صغيرة ..

رأيت نفسي أقف عند باب حجرة بها سرير كانت ترقد عليه إنسانة ميتة .. كانت أرجلها ممتدة ومربوطة ..

أخافني المنظر جداً .. فقال ليّ أبي أُنظري الرب يسوع في هذا المشهد .. وفعلاً رأيت الرب يقف جانبى يطمئني ويأخذني من يدي ويقترب بي إلى قدميها ويضع يده عليها .. وعندما لمسها بدت أمامي كأقدام حية بلا أربطة ..

استمر المرشد في صلاته وعندما انتهي شعرت أنني تحررت من هذا الخوف ، وجاءت على ذهني كلمات الكتاب " أُرنم للرب لأنه قد تعظم الفرس وراكبه طرحهما في البحر " (خر ١٥: ١) .. لقد تحررت كلية من الخوف من الموتى أو من السيقان ، وأصبحت أنظرها الآن كأنها أمر عادي جداً..

لقد اجتزت بعد ذلك في موقف شاهدت فيه إنسانة ميتة وجلست بجوارها أكثر من نصف ساعة ولم أشعر بأي خوف .. لقد حررني الرب يسوع " ..

 

مواقــف الإيــــذاء

إذا أظهر الرب مواقف للإيذاء وأنت طفل ، إيذاء جنسي أو بدني (ضرب) أو نفسي (إهانة) فلا تخف من مواجهتها .. تخيل مرة أُخرى ما حدث ثم تطلع إلى الرب يسوع والتفت إلى من أساء إليك وقل له :

أسامحك ..

أسامحك لأجل الرب الذي سامحني ..

 

وإذا لم تقدر أن تقول له هذا من قلبك ، تحدث مع الرب يسوع عن عدم قدرتك وقُل له أعطني أن أسامح كما سامحتني أنت .. تأمل الصليب وستستطيع أن تغفر ..

وهكذا قد يحدث الشفاء بمواجهة المواقف القديمة بحب يسوع الشافي وفي حضور الروح القدس الحارق للأشواك والمبدد لكل ظلمة وهكذا يتم الجزء الأساسي والحاسم من خطة الله في هدم الحصون التي بناها العدو، وتبقى خطوة أُخرى تنهي على أي أثر لها.. أن تدع الروح القدس يجدد ذاكرتك..

كيــف ؟

بكلمات الكتاب المقدس الحية ..

هذا يقودنا إلى الخطوة الثالثة الضرورية للقضاء على أي أمل لإبليس في إعادة بناء حصونه المنهدمة ..

 

ثالثاً .. واجه الأفكار القديمة بكلمات الكتاب

+ فإذا كنت من قبل تعاني من الشعور بأنك غير مرغوب ولست محبوباً .. انتهر إبليس وقُل له هذا ليس صحيحاً.. كلمة الله الصادقة تعلن عكس كذلك .. أقرأ معي هذه الآيات الذهبية ..

  • " كنتِ عريانة وعارية . فمررتُ بك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب " (حز ١٦: ٨) ..
  • " الرب إلهك في وسطك جبار . يُخَلص. يبتهج بك فرحاً " (صف ٣: ١٧) ..
  • " محبة أبدية أحببتك من أجل ذلك أدمت لك الرحمة " (إر ٣١: ٣) ..
  • " يَلَذُ له نشيدي وأنا أفرح بالرب " (مز ١٠٤: ٣٤) ..

 

ولتكن صلاتك المستمرة يارب لا تسمح أن أُصدق أكاذيب إبليس ، بل أجعلني أتمسك دائماً بالحق الذي تعلنه آيات كتابك لي ..

+ وإذا أراد إبليس أن يعيد لك الإحساس بالفشل أو بأنك أقل من الجميع .. ردد مثل هذا الآيات التي
تعلن قصد الله نحوك ..

  • " الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة " (٢تى ١: ٧) ..
  • " الصغير يصير ألفاً والحقير أمة قوية " (إش ٦٠: ٢٢) ..
  • " ليقل الضعيف بطل أنا " (يؤ ٣: ١٠) ..

+ وإذا كان الحصن الذي يريد العدو أن يعيد بناءه مرة أُخرى بداخلك هو حصن الشعور الدائم
بالتقصير، فهذه آيات ذهبية تبطل كل محاولاته ..

  • " حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي " (٢كو ١٢: ١٠) ..
  • " أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح " (٢كو ١٢: ٩) ..
  • " افرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا " (فى ٤: ٤) ..

+ أما إذا كانت الحساسية الشديدة من كلمات الآخرين عنك هي نقطة ضعفك السابقة فلا تترك نفسك
لها إذا تحركت من جديد ، بل رُدّ على ما تشعر به بعبارة الرسول بولس القاطعة ..

  • " أما أنا فأقل شيء عندي أن يُحكَم فيّ منكم أو من يوم بشر " (١كو ٤: ٣) ..

+ وإذا أتى على ذهنك أفكار غيرة نحو إنسان أفكار شُفيت منها من قبل، فقل لذاتك ..

  • " ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص " (يو ٣: ٣٠) ..

+ وإذا هاجمتك مرة أخرى المخاوف ، فالآيات المطمئنة كثيرة والوعود المشجعة عديدة وهي كلها قد
كتبت لك ..

  • " الرب لي فلا أخاف " (مز ١١٨: ٦) ..
  • " صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر " (مز ٧٣: ٢٦) ..
  • " أكون لها [ للنفس ] سور نار من حولها وأكون مجداً في وسطها " (زك ٢: ٥) ..

+ وإذا أدركت أنك تميل إلى الشفقة على ذاتك حينما تخطأ أو عندما تجتاز في ضيق ، ردد باستمرار
مثل هذه الآيات :

  • " أرفع عينيَّ إلى الجبال من حيث يأتي عوني " (مز ١٢١: ١) ..
  • " أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني " (فى ٤: ١٣) ..
  • " ... لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة .. " (عب ١٢: ١) ..

صديقي ، إذا فشلت مرة في مقاومة الأفكار التي يهاجمك بها إبليس ، رجاء لا تيأس قف بكل حزم أمام اليأس ، فخسارة موقعة قتال ليس معناها خسارة كل الحرب .. الحرب ليست معركة واحدة .. أهدأ ولا تنزعج .. لن تستمر الهزائم طويلاً مادمت جاداً .. قُل لنفسك لأكن صبوراً ، فالله لم ينتهِ بعد من عمله معي ..

إنه يحبك جداً وهو يدعوك أن تأكل وتشرب الشفاء والحرية ..

نعم فالشفاء يؤكل والحرية تُشرب ..

هو يقول لنا " خذوا كلوا هذا هو جسدي .. اشربوا .. هذا هو دمي " (مت ٢٦: ٢٦، ٢٧) ..

وحين نأكل جسده فنحن نأكل جسده المكسور الذي يداوي كسورنا ، وإن جاز التعبير فنحن نأكل جراحاته الشافية .. يقول إشعياء النبي " بحبره [ الحبر هو الجرح الذي لم يلتئم ] شُُفينا " (إش٥٣: ٥) ..

وحين نشرب دمه ، فنحن نشرب عصير المحبة الأبدية الذي يحرر من القيود ..

أيها القاريء الحبيب ، ليكن لك ثقة أن الرب يسكب فيك حياته الشافية بكل غنى ..

يقول القديس أغسطينوس " كُل الحياة .. اشرب الحياة .. تكون لك الحياة الكاملة " ..

نعم .. المسيح يحبك ..

نعم .. المسيح يُغير ..