[ ٦ ] اخــــــــرج

[ ٦ ] اخــــــــرج

 

            هل تثق أنك ابن لله ؟

            الله يتوقع منك أُموراً عظيمة .. إنه يتوقع من أولاده أن يحملوا دائماً أعلام النصرة ، أن يكونوا منتصرين على مملكة الظلمة وأن يضعوا دائماً جنود الشر تحت أقدامهم ..

            الله يتوقع منك أن ترفع راية الحَمَل المنتصر ليس فقط في حياتك الخاصة بل أيضاً في مواقع أُخرى كثيرة ..

            الله يريد من أبنائه أن يُحّرروا النفوس المهزومة من قوى الظلمة ، أن يفكوا قيودها وأن يطلقوا من أسر إبليس المرير ..

            وهو أيضاً يريد منهم أن يُخرجوا الأرواح الشريرة من الأشخاص المحتلين بها ، لكي يتحرروا من سلطان الظلمة وينتقلوا إلى ملكوت النور ..

            لقد أخرج الرب يسوع وهو على الأرض أرواحاً شريرة من أشخاص كثيرين كانت تسكنهم ، فهل توقف إخراج الشياطين بصعوده إلى السماء ؟ .. كلا ، فقد أمَرَ تلاميذه أن يفعلوا نفس الأمر
(لو٩ ،١٠) ، وقال لهم قبيل صعوده " هذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين [الأرواح الشريرة] بإسمي " (مر ١٦ :١٧) ..

            الرب يسوع هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد (عب١٣ :٨) ، وكلماته هذه هي لؤمني اليوم تماماً كما كانت للمسيحين الأوائل ..

            يسوع غالب .. يسوع منتصر ، وبإسمه نقدر أن نُخرج الأرواح الشريرة .. بإسمه نطردها من الذين تسكنهم .. نطردها لمجده ولإعلان امتداد ملكوته ..

            إن إخراج الأوراح الشريرة من الأشخاص الذين تسكنهم هو جزء أساسي من الكرازة
بالإنجيل .. إنه عمل مجيد يعلن مجد الله وقوة اسم الرب يسوع .. عمل يُفرّح المؤمنين جداً ويقود الكثيرين للإيمان الحقيقي ..

            ما أكثر احتياج خدام اليوم الأُمناء إلى المزيد والمزيد من الإنسكاب في عرش النعمة متوسلين إلى الآب السماوى بكلمات كالتي توسلت بها الكنيسة الأُولى في أحد اجتماعات الصلاة ..

            " امنح عبيدك أن يتكلموا بكلامك بكل مجاهرة بمد يدك للشفاء ولتُجَر آيات وعجائب بإسم فتاك القدوس يسوع " (أع٤ :٣٠) ..

            آه ، ما أكثر احتياج خدام اليوم إلى اجتماعات صلاة كهذه ، اجتماعات من أجل طلب قوة الله لكي تظهر بوضوح في الآيات والعجائب كما في تأثير العظات وبهجة العبادة ..

            نعم ، ما أكثر احتياج المؤمنين اليوم إلى اجتماعات صلاة من أجل امتلاك قوة الروح القدس لكي تكون لهم خدمة قوية تُرهب مملكة الظلمة ، وتربح منها نفوساً كثيرة للملك المسيح ..

            تأمل معي ما سجله سفر أعمال الرسل عن كرازة فيلبس الرسول ، يقول الوحي : " فانحدر فيلبس إلى مدينة السامرة وكان يكرز لهم بالمسيح . وكان الجموع يصغون بنفس واحدة إلى ما يقوله فيلبس عند استماعهم ونظرهم الآيات التي صنعها لأن كثيرين من الذين بهم أرواح نجسة كانت تخرج صارخة بصوت عظيم وكثيرون من المفلوجين والعرج شفوا فكان فرح عظيم في تلك المدينة "
(أع ٨ :٥-٨) ..

            أُنظر معي ، هنا كرازة بالإنجيل تسير جنباً إلى جنب مع إخراج للأرواح الشريرة .. نعم ، فطرد الأوراح من أجساد الناس التي تحتلها هو أمر دائماً يُلازم الكرازة القوية الرابحة للنفوس ..

            وكما نقرأ في سفر الأعمال عن طرد للأرواح الشريرة رافق الكرازة في القرن الأول الميلادي، كذلك نجد أيضاً في كتابات الآباء الأوائل ما يشير إلى استمرار هذه الظاهرة بعد ذلك ..

            ها هو القديس يوستينوس الشهيد يكتب نحو عام ١٦٥ ميلادية قائلاً :

            " أعداد لا تحصى من البشر تسكن بها الأوراح الشريرة .. لكي اُنظر فإن كثيرين من رفقائنا المسيحين يطردونها بإسم يسوع المسيح .. فيسوع الذي شفى في الماضي لا يزال يشفي .. والأرواح التي لم يستطع أحد أن يخرجها تقف أمامه عاجزة وتخرج بإسمه من اّلذين تسكن فيهم " ..

            ومن بعد يوستينوس لنا شهادة من كتابات القديس ايريناؤس ( عام ٢٠٠ ميلادية ) ، لقد كتب يقول :

            " إنهم تلاميذه بالحقيقة .. لقد أخذوا منه نعمة أن يصنعوا المعجزات بإسمه ، إنهم يصنعون الخير للناس بحسب الهبه التي أخذها كل واحد منهم .. بعضهم يطردون الأرواح الشريرة ، وفي الغالب فإن الأشخاص التي تخرج منهم يؤمنون بعد ذلك بالمسيح وينضمون إلى الكنيسة " ..

            وهكذا فإن إخراج الشياطين هو ظاهرة تصاحب دائماً الخدمة القوية والكرازة المؤيَّدة بالروح القدس .. ولا عجب في هذا فالرب يسوع قد سبق وأكد هذه الحقيقة مُعلناً أن طرد الشياطين هو إحدى علامات امتداد ملكوته .. " إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله "
(مت١٢ :٢٨) ..

***

الحصار والإحتلال

            يمكننا أن نُميز في المعارك العسكرية التي تدور بين الدول المتصارعة بين أمرين :

·                        الحصـار

·                        الاحتـلال

هذان الأمران نجدهما أيضاً في هجوم مملكة الظلم على البشر .. فقد تُحاصر الأرواح الشريرة شخصاً فتُقيّد حركته في مجال أو أكثر من حياته " obsession " ، الأمر الذي حدثناك عنه من قبل في الفصول السابقة ..

            وقد تحتل الشخص بمعنى أنها تسكن فيه وتمد سيطرتها الشاملة عليه " possession " ..

 

            وكما في الحروب بين الدول قد يحدث ويؤول الحصار إلى احتلال ، هكذا أيضاً في هجوم الأرواح الشريرة قد تنتقل من حالة الحصار في أحد المجالات إلى حالة السُكنى والاحتلال الكامل .. هذا يحدث عندما تستسلم النفس لحصار العدو ولا تقاوم قيوده لفترة طويلة من الزمن ، وهكذا فالإستسلام للقيود يقود إلى الاحتلال مما يعني أن الأسباب التي تُقَيّد الإنسان والتي ذكرناها في فصل سابق هي عينها الأسباب التي تسمح للأرواح الشريرة بالسُكنى في الأجساد ، ومن المفيد هنا أن نُذَكَّر أنفسنا بها ..

·                        الدخول في دوائر الإتصال بالأرواح الشريرة كاللجوء إلى السحر وتحضير الأرواح .. الخ ..

·                        الاستمرار في ارتكاب الإثم برضى لفترة طويلة ..

·                        وجود قيود آتيه من الآباء والأجداد لم تُقاوم ..

·                        الدخول في عهد مع الشيطان ..

كما يساعد على احتلال الأرواح الشريرة لشخص حدوث ثغرة في جهازه النفسي نتيجة لصدمة عصبية مفاجئة أو لدخوله في حزن رديء فترة طويلة ..

 

أمـر خطير للغـاية

            إن احتلال الأرواح الشريرة التي لا تعرف الشفقة لإنسان هو أمر صعب للغاية حتى أن الألفين من الخنازير التي دخلت بها الأرواح التي كانت في مجنون كورة الجدريين (مرقس الأصحاح الخامس) لم تقدر أن تتحملها وفضَّلت أن تموت غرقاً عن أن تحيا مسكونة بها ، مع أن كل خنزير منها لم يدخله سوى واحد على ألفين من عدد الأرواح التي كانت بالمجنون .. لذا كم يجب أن نشكر الرب يسوع لأنه حرره ، كما يجب أن نشكره لأنه إلى الآن يستخدم المؤمنين به في تحرير النفوس المحتلة ..

            الرب يريد من المؤمنين أن يخرجوا الشياطين .. أن يخرجوها بسلطان وقوة اسمه معلنين نصرة الصليب .. نعم يسوع منتصر .. منتصر .. منتصر ..

حرية دُفِعَ ثمنها بالكامل

            نعم تستطيع كل نفس محتلة بالأرواح الشريرة أن تتحرر منها .. لماذا ؟ .. ببساطة لأن الرب يسوع في حب عجيب دفع على خشبة الصليب ثمن حريتها بالكامل ..

            أيها الحبيب ، إذا وَقَعَت عيناك على صورة للرب وهم يقودونه مقيداً إلى الجلجثة أو إذا نظرت إلى صورة الصليب ولاحظت كيف قيدوا جسده الغض بخشبة العار ، فاعلم أنه بهذه القيود أخذ قيودنا .. كل قيودنا لكي يعطينا ملء حريته ..

            تأمل معي كيف عَلَّقَ القديس متى على تحرير الرب للأجساد من احتلال الأرواح الشريرة
لهم .. لقد قال " ولما صار المساء قدموا إليه مجانين كثيرين فأخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم . لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضناً (مت٨ :١٦ ،١٧) ..

            آه ، يا للمبادلة العظيمة التي حدثت فوق الجلجثة ..

            حمل خطايانا لكي يعطينا بره ..

            أخذ أسقامنا لكي يعطينا صحته ..

            وقُيِّدَ لكي يمنحنا ملء حريته ..

            نعم ، لقد أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له ..

            لذا كم هو مفرح للنفس التي أحبت المسيح أن تتأمل في هذه الحقيقة .. اقرأ معي هذا النص من الصلوات القديمة التي لا تزال تُرَدَّد في الكنائس التقليدية ..

                        " نحن الذين صرنا مديونين للعدل الإلهي بذنوبنا وهو الذي دفع الديون عنا ..

                        قَبِلَ أن يُربَط بالحبال ليحلّنا من رباطات خطايانا ..

                        تواضع ليرفعنا ..

                        جاع لُشبعنا ..

                        عطش ليروينا ..

                        وصعد على الصليب عرياناً ليكسونا بثوب بره " ..

                                                                          " من صلوات القسمة المقدسة "

            من هم الذين يستخدمهم الرب لطرد الأرواح الشريرة ؟

            يقدّم لنا الرسول بولس في اصحاحين هامين (رو١٢ ، ١كو١٢) أسماء المواهب المختلفة التي يعطيها الروح القدس للمؤمنين ، ولم يذكر من بينها موهبة إخراج الشياطين ..

            ماذا يعني هذا ؟ ..

            هذه الموهبة ليست موهبة خاصة تُعطى لمؤمن دون آخر .. إنها للكل .. كل المؤمنين لهم السلطان أن يُخرجوا الشياطين بإسم الرب يسوع ..

            يتعجب ترتليانوس (القرن الثاني الميلادي) عن وجود مسيحي لا يعرف أن يطرد الأرواح الشريرة من الأجساد التي تسكنها ..

            لكن هل هذا يعني أنه من المفروض على كل مسيحي حقيقي أن ينشغل بطرد الأرواح
الشريرة ؟ .. وهل يعني أن يهتم كل مؤمن بالبحث عن الّذين تسكن فيهم الأرواح لكي يطردها
منهم ؟ ..

            الإجابة لا ، فالله لا يشغل كل المؤمنين بهذا العمل بل يُثَقِّل به بعضاً منهم فقط ، ولكن مع هذا تبقى الحقيقة أن لكل مؤمن يتمسك بالرب يسوع الملك القدرة على طرد الأرواح الشريرة وعليه أن لا يتردد إذا دعاه الروح القدس في موقف معين لهذا العمل .. إن الأرواح الشريرة ترتعب أمام أي مؤمن يعرف أن له بإسم الرب يسوع سلطاناً عليهم ..

            ولزيادة الإيضاح فلنأخذ هذا التشبيه .. اُنظر إلى جنود الجيش ، كلهم يعرفون كيف يطلقون الرصاص ولكن هل كلهم يستخدمون بنادقهم أثناء العمليات العسكرية ؟ .. لا ، لأن هذا ليس إختصاص كل واحد منهم خلال المعارك .. هذا هو فقط دور القناصة ، لكن رغم ذلك ليس هناك ما يمنع أي جندي حتى الجندي المختص بالمهام الطبية أن يستخدم البندقية ويطلق الرصاص إن وُجدت
ضرورة مُلِّحَة ..

            نعم هناك جماعة مميزة من المؤمنين يثقلهم الروح القدس دون غيرهم بطرد الأرواح الشريرة، ولقد حفظت لنا الصلوات القديمة لكسر الخبز نصاً للشماس يؤكد وجود هذه الجماعة في العصور السابقة ..

            " صلوا من أجل طاردي الأرواح الشريرة " .

 

كيف نكتشف الذين تسكن بهم الأرواح الشريرة ؟

            الأرواح الشريرة تحرص على الإختفاء ، وقد تلجأ إلى خداع الكثيرين مستغلة اشتراك المحتلين بها في الكثير من الأعراض مع مرضى الأمراض النفسية والعصبية .. فيلاحظ مثلاً في حالة الإبن الذي تحدَّث عنه إنجيل متى ١٧ أنه كان مصاباً بالصرع إلى جانب أنه كان يميل إلى تدمير نفسه " كان يقع كثيراً في النار وكثيراً في الماء " (مت١٧ :١٥) .. كذلك يذكر لنا الوحي وجود نفس هذا الميل في مصاب كورة الجدريين ، فقد كان " يجرح نفسه بالحجارة " (مر٥ :٥) ..

            إن كثيرين من الذين تسكن فيهم الأرواح الشريرة مصابون بأعراض بعض الأمراض النفسية كالإكتئاب والميل إلى الإنتحار ، كما أن بعضاً من الذين منهم أخرج الرب يسوع الأرواح الشريرة كان يُطلق عليهم مجانين (مت٨ :١٦) ..

            مع هذا فنحن لا ننكر وجود أشخاص مصابين بأمراض نفسية ولا تسكن الأرواح فيهم ، ولكننا نحذر من سهولة الخلط بين الأمرين .. بل أكثر من هذا هناك أشخاص تسكن الأرواح فيهم وفي نفس الوقت هم مرضى نفسياً ، ولذا فُهم في احتياج إلى علاج طبى للذهن وإلى معالجة روحية للجروح الداخلية بعد أن تُطرد الأرواح منهم ..

 

كيف نُمَيّز الأمر ؟

·                        مهما أمعنت الأرواح الشريرة في الإختفاء فسيأتي وقت لن تقدر فيه أن تخفي فزعها من حضور الله وسط جماعة المؤمنين ، ولاسيما إن كانوا مجتمعين بقلب واحد ومملوئين بالفرح السماوي .. فلا شيء يكشف الظلمة أكثر من نور الحب الإلهي وفرح النصرة في المسيح .. لذا فهي عادةً ما تصرخ وهي مرتعبة عندما توجد في مكان به عبادة حية من مؤمنين ممتلئين بالروح القدس ..

كما قد يحدث نتيجة لشعورها بالضغط من قوة جو التسبيح الذي في المكان أن تضغط بقوة على الشخص الذي تسكن فيه .. قوة يتفاوت أثرها عليه من شعور بالضيق يدفعه إلى ترك المكان إلى انطراح على الأرض في حالة من اللاوعي ..

            وقد تُعلن الأرواح الشريرة عن وجودها أثناء الصلاة بأن تضغط على جسد من تحتله .. ولذا قد يشعر بالإختناق ، وقد يطلق من صدره زفيراً قوياً له صوت مسموع .. وقد يسقط على الأرض ويتلوى كالحية ، وقد تلمع عيناه ببريق حاد مفزع .. وقد يشعر بتخدير أو وخز في يديه .. وفي بعض الأحيان تتخشب أصابعه ، وفي أحيان قليلة قد تعلن الأرواح الشريرة عن وجودها بضحكات ساخرة ..

 

·                        كما يُكتشف وجود الأرواح الشريرة بسهولة إذا حدث رد فعل غير طبيعي وعنيف من الشخص إذا سمع إسم المسيح أو ذُكِرَ أمامه شيء يتعلق بالصليب أو بدم الرب يسوع أو إذا اقترب من أجساد الشهداء والقديسين الغالبين ..

·                        فبعض الذين تسكن بهم الأرواح لا يقدرون أن يحتملوا منظر الصليب فيغلقون عيونهم إذا رأوه..

·                        والبعض لا يحتمل الكتاب المقدس إذا قُرِّب إليه ..

·                        والبعض يعجز عن النطق بإسم يسوع أو بالآيات التي تعلن هزيمة إبليس مثل " وهم غلبوه بدم الخروف .. " (رؤ١٢ :١١) .. ولا يقدر أن يردد عبارات مثل " أنا ليسوع الملك " ، " أنا مفدي بالدم " ، " يسوع يحرر " ، " أجحدك يا إبليس " ..

·                        والبعض يرتعب إذا إقترب من أجساد الشهداء ..

يقص لنا القديس أغسطينوس في إعترافاته كيف لم تقدر السنوات الطويلة أن تمحو من ذاكرته منظر الأرواح الشريرة التي رآها في ميلانو وهي تخرج من المسكونين بها معترفة بالمسيح لدى اقترابهم من الموكب الذي كان يحمل جسدي الشهيدين " جرفه " و " بركه " عند نقلهما من المدفن إلى الكنيسة " ..

·                        كما قد يتميز الشخص المسكون بالأرواح بقوة جسدية تفوق القوة البشرية الطبيعية ، قوة لم تكن له قبل إصابته .. يخبرنا إنجيل مرقس كيف كانت لمجنون كورة الجدريين قوة غير عادية قطع بها كل السلاسل التي ربطوه بها وكيف أن أحداً لم يقدر أن يذلله (مر٥ :٤) ..

·                        وقد يلاحظ تَغَيّر واضح في صوت الشخص المسكون عندما يتحدث وعندما يضحك ..

·                        كما قد يحدث كثيراً عندما تُوضع الأيدي على الشخص أثناء الصلاة له أن يهيج ويقاوم ويحاول أن يرفعها عندما توضع فوق رأسه ..

هذه النقاط السابقة تساعد على التمييز بين المحتلين بالأرواح الشريرة والمرضى نفسياً بغير احتلال ..

 

احتلال كـاذب

            أحيانا يلجأ بعض الذين يعانون من الإهمال الشديد من الآخرين إلى التظاهر بأنهم محتلون من الأرواح الشريرة ، وهم يفعلون ذلك لكي يجذبوا تعاطف وشفقة البعض .. وقد يلجأون إلى هذه الحيلة الغريبة دون وعي كامل لما يفعلونه بتأثير من لاشعورهم " subconscious " المريض ، وفي هذه الحالة تصدر من الشخص أثناء الصلاة له بعض التصرفات التي تحدث عند طرد الأرواح الشريرة من إنسان .. هذه التصرفات تكون مختزنة في اللاشعور نتيجة لرؤية سابقة لطرد الأرواح من آخرين أو لسماعه من قبل عن تفاصيل ما يحدث معها ..

            لذا من المهم جداً أن يكون لدي الجماعة التي تهتم بخدمة طرد الأرواح الشريرة موهبة تمييز الأرواح حتى لا تُخدع ، ولكن يُلاحَظ بصفة عامة أمران في حالة الإحتلال الكاذب :

·                        لا يقدر الشخص أن يغير نبرة صوته لمدة طويلة ..

·                        تكون تصرفاته طبيعية إذا غاب عنه الأشخاص الذين يهتمون به لظنهم أن به أرواحاً ..

 

قارئي العزيز ، لا تنسَ أبداً أنه سواء كان الشخص مريضاً أو محتلاًَ فإن الرب يسوع هو الحل ..

            هو الطبيب الذي يشفي ..

            وهو الملك الذي يحرر ..

 

الــرب يحــرر

            إذا قرأت قصة تحرير الرب لمجنون كورة الجدريين فستجد نفسك أمام أمرين متناقضين ..

·                        المجنون يستقبل الرب يسوع ، لقد " ركض وسجد له " (مر٥: ٦) ..

·                        المجنون لا يريد الرب يسوع ، " مالي ولك يا يسوع ابن الله العلي " (مر٥ :٧) ..

والآن كيف نُفَسِّر هذا التناقض ؟

إن هذين الموقفين المتناقضين يتكرران كثيراً مع الأشخاص المسكونين بالأوراح الشريرة عندما يوجدون أمام مؤمنين مملؤيين بالروح أو داخل اجتماعات روحية قوية ..

·                        فجأة يطلبون عمل الرب يسوع المحرر ..

·                        لكن لا تمضى دقائق حتى ينفروا ويبتعدوا ..

 

 

ما تفسير هذا ؟

            إن جمال الرب يسوع جذاب فعلاً .. الرب يحرر ، والنفس المسكونة تستطيع أن تُعِّبر عن انجذابها للشخص الوحيد الذي يحرر .. أما النفور فيأتي من الأرواح التي تسكن فيها ، إنها تهرب بسرعة من حضور الرب المزعج لها ..

            أيها القاريء ، ما أروع هذا .. مهما كثرت الأرواح الشريرة داخل أي إنسان فهي لن تقدر أن تعوق لجوءه إلى الرب يسوع ، ولن تقدر أن تمنعه من أن يعلن للرب الرغبة في الحرية ..

            اُنظر إلى مجنون كورة الجدريين الذي ركض إلى الرب وسجد له .. كم كان عدد ما به من أرواح شريرة ؟ .. لقد سأل الرب يسوع رئيس هذه الأرواح " ما اسمك " ، فأجابه " لجئون لأننا كثيرون " (مر٥ :٩) .. واللجئون هو وحدة عسكرية في الجيش الروماني يبلغ عددها من ٤٢٠٠ إلى ٦٠٠٠ جندي ..

            مبارك الله ، فلم يقدر هذا العدد الضخم من الأرواح الشريرة المحتشدة داخل هذا المجنون من أن تمنعه عن أن يركض إلى الرب يسوع طالباً منه الحرية ..

            هذا درس هام نتعلمه من هذه القصة ، ولكنه ليس الدرس الوحيد الذي تقدمه لنا قصص إخراج الرب للأرواح الشريرة .. هناك دروس أُخرى تضيء الطريق على نحو خاص لمن يُثقّله الرب بخدمة إخراج الأرواح من النفوس المحتلة ..

+ + +

الــــــدروس

لا حــوار

            يقول لنا القديس متى عن الرب يسوع أنه " أخرج الأرواح بكلمة " (مت٨ :١٦) .. ماذا يعني هذا ؟ .. إن الرب يُعَلِّمنا أن لا نتناقش مع الأرواح الشريرة ولا ندخل في حوار معها .. لقد كان يمنعها من أن تتكلم (مر١ :٣٤) .. وذات مرة قال لواحد منها " اخرس " (لو٤ :٣٥) ..

            نعم هناك استثناء وحيد وهو الحوار الذي دار بين الرب وقائد الأرواح الشريرة في حالة مجنون كورة الجدريين ، ولكن هذا الحوار كان لهدف خاص .. لقد سأله الرب ما اسمك لكي يكشف لنا عدد الأرواح الشريرة التي كانت تحتل هذا المجنون ، فضخامة العدد تُظهر بوضوح قوة الرب يسوع الغير عادية ..

            لا تدخل في نقاش مع الأرواح الشريرة لأنها أرواح كاذبة جداً تخلط في كلامها بين الحقائق والأكاذيب .. فهي لا تكذب في كل ما تقول لأن هذا الكذب ليس خطراً لأنه كذب يسهل اكتشافه .. لكنها قد تقول أكثر من نصف كلامها صدقاً والباقي كذباً ، تدسه بمهارة بين الحقائق الصادقة حتى ينخدع السامع ويقبله كحقيقة ..

            تأمل ما كان يقوله الروح الشريرة عن الرسول بولس ورفقائه " هؤلاء الناس هم عبيد الله العلي الذين ينادون لكم بطريق الخلاص " (أع١٦ :١٧) .. هل هناك خطأ في هذه الكلمات ؟ .. اُنظر ماذا فعل الرسول بولس ؟ .. يقول سفر الأعمال أنه تضايق والتفت إلى الروح وطرده ..

            لماذا تضايق الرسول من كلمات الروح الشرير ؟

            لأنها ليست كلها كلمات صادقة ، لقد دُسَّ فيها كذب .. الأصل اليوناني للآية يوضح هذا فترجمته الحرفية هي هكذا " هؤلاء هم عبيد الله العلي الذين ينادون لكم بطريق للخلاص " (a way of salvation) ..

            اُنظر أي تشويه للحق .. إنها لا تقول لهم أنهم ينادون لكم بطريق الخلاص ، بل بطريق للخلاص معطية إيحاءاً بأنه يوجد أكثر من طريق .. يا لخطورة هذا التشويه ، فالوحي يقول " ليس بأحد غيره [ أى غير الرب يسوع ] الخلاص . لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص " (أع٤ :١٢) ..

            أيها القاريء ، لا تدخل في نقاش مع الأرواح الشريرة فهي أرواح كاذبة جداً وخادعة للغاية تريد أن تضيع وقتك .. الكتاب المقدس يمنعناً بشدة من الحصول على المعلومات عن طريق الأرواح الشريرة .. هذه خطية (تث١٨ :١٠-١١ ، ١أى١٠ :١٣) ..

            الروح القدس هو نبع معرفتنا الأوحد في الحرب الروحية ، ومع الأرواح الشريرة ليس الإحتياج إلى النقاش بل التحدي وإعلان سلطان أولاد الله عليها ..

            كثيراً ما تتكلم الأرواح الشريرة أثناء طردها .. لا تناقشها ، هذا هو المبدأ العام الذي يجب أن لا نحيد عنه إلا في حالة واحدة نادرة الحدوث ، عندما نتأكد أن الروح القدس يقودنا إلى نقاش معها لهدف خاص .

            لا تناقش الأرواح الشريرة ، بل وَجِّه لها الأمر بالخروج بإسم الرب يسوع كما فعل الرسول بولس حين طرد الروح من عرّافة فيلبي .. لقد التفت إليه وقال " أنا آمرك بإسم يسوع المسيح أن تخرج منها " (أع ١٦ :١٨) ..

            يقول القديس الأنبا أنطونيوس [القرن الرابع] : " لقد كمم الرب أفواه الأرواح الشريرة ومنعها من الكلام مع أنها قالت له الصدق " أنت ابن الله " .. لقد منعها من الإستمرار في الكلام حتى لا تزرع شرورها مع الحق ولكي يُعِّودنا أن لا نهتم بما تقوله حتى ولو بدا لنا أنها تقول الصدق .. لأنه من غير اللائق لنا نحن الذين نمتلك الأسفار المقدسة ونتمتع بحرية المخلص أن نتعلم من إبليس " ..

 

 

 

امتليء بالروح القـدس 

بعد أن أخرج الرب الأرواح الشريرة من المجنون الأعمى والأخرس قال " إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله " (مت ١٢ :٢٨) ، وحين وصف لنا القديس لوقا نفس الحادثة نقل لنا كلمات الرب " إن كنت بإصبع الله أُخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله " (لو١١ :٢٠) ..

            واضح من مقارنة الآيتين معاً أن الرب يسوع يطلق على الروح القدس لقب " إصبع الله " .. لنمتليء بالروح " إصبع الله " لكي نطرد به الشياطين ، فنحن حين نأمر الأرواح الشريرة أن تخرج فنحن في الواقع نستخدم إصبع الله المقتدر الذي يبحث في أعماق من تسكن بهم الأرواح حتى يبلغ إلى موضع اختبائها فيوجه أمراً لها بالخروج بإسم المسيح ..

            هو " روح القوة " يوجه الأمر بقوة غير عادية لا تقدر الأرواح الشريرة على مقاومتها ..

آه يا أبانا السماوي ،

املأ أولادك بكل ملء الروح ..

البسهم القوة التي من الأعالي

حتى لا يرهَبونَ الأرواح الشريرة

بل يثقون أن لهم قوة وسلطاناً عليها ..

حتى يعلنوا نصرة الحمل وقوة الدم الثمين ..

ورهبة اسم ابنك المبارك ..

حتى يفرحوا بأن عريسهم منتصر فيهم ..

حتى يتهللوا دائماً بأنه منتصر ..

المسيح منتصر ..

وهم منتصرون في المسيح المنتصر ..

هللويا ..

+ + +

قـــوة الحــب       

            كما نحتاج أيضاً أن نمتليء بالروح القدس لكي يكون لنا ثمرة .. المحبة ..

            محبتنا للذين تسكن بهم الأرواح الشريرة أمر لا بديل عنه إن أردنا أن نحررهم .. لابد أن نعلن محبتنا لهم قبل وأثناء وبعد طرد الأرواح منهم ..

            وتظهر أهمية هذه المحبة على نحو خاص في الحالات التي يرفض فيها الشخص المحتل أن يتحرر ويعلن رغبته في أن يظل مسكوناً بالأرواح الشريرة .. هذه الحالات تكثر مع أرواح الشهوة والهوى ..

            الله لن يُخرج روحاً شريراً من شخص لا يريد أن يتحرر ويتمسك بالعبودية ، فماذا نفعل معه؟ هل نتركه يحرم نفسه من الحرية ؟ هل نتركه يهلك ؟ ..

            كلا ، هنا تقع المسئولية علينا .. لابد أن ندخل المعركة مع إرادته .. لابد أن ندخلها بسلاح الحب ..

            لكن هذا ليس سهلاً .. إنه طريق شاق مُكلِّف .. فما أكثر مقاومة الشخص المحتل لهذا الحب على الرغم من احتياجه الشديد له .. الأرواح الشريرة التي به هي المسئولة عن هذا الإتجاه العدائي ، لذا فهي معركة بين الحب والكراهية ، ولا شيء يخنق الأرواح الشريرة مثل الحب النقي .. الحب الذي يعكس حب الصليب بطريقة عملية محسوسة .. يقول الرسول بولس " إن جاع عدوك فاطعمه . وإن عطش فاسقه . لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه " (رو١٢ :٢٠) .. اُنظر إنه يمكننا أن نتأمل في الجزء الأخير من هذه الآية على اعتبار أن المحبة هي جمر نار تُطَهِّر رأس المحتل [مركز الإرادة] من تأثير الأرواح الشريرة ..

اعلــن إيمـانك      

            وهذا درس آخر تعلنه لنا قصة إخراج المسيح للأرواح الشريرة من الولد المصروع ، ففي هذه القصة نلمح عنصراً ضرورياً لا بديل عنه في تحرير الأشخاص المحتلين بالأرواح الشريرة ..

            هو عنصر الإيمان ..

            لقد فشل التلاميذ في إخراج هذه الأرواح ، فلما سألوا الرب عن السبب قال لهم " لعدم إيمانكم [ لقلة إيمانكم RSV,NIV] " (مت ١٧ :٢٠) .. تأمل معي أيضاً في هذه العبارة التي فاه بها الرب وقتها " أيها الجيل غير المؤمن .. إلى متى أحتملكم " (مت ١٧: ١٧) ..

            " إلى متى أحتملكم " .. انتبه إلى هذه الكلمات .. تذكر أن الرب لم ينطق قط بمثلها وقت أن احتمل آلام الهزء والجلد وأهوال الصليب .. آه ، إن عدم إيماننا يؤلمه بالفعل أكثر من أي شيء آخر..

            اُنظر ماذا يقول لنا القديس يوحنا الحبيب " أنتم من الله أيها الأولاد وقد غلبتموهم لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم " (١يو٤:٤) ..

            آمن أنك غالب .. آمن أنك أقوى من الأرواح الشريرة .. نعم أنت أقوى لأن الذي فيك أعظم من إبليس رئيس هذا العالم ..

            من يدخل معركة لطرد الأرواح الشريرة لابد أن يكون له الإيمان أنه منتصر في المسيح المنتصر .. لبد أن يكون متمتعاً بالثقة في أن خطاياه قد غُفِرَت من أجل اسم الرب (١يو٢ :١٢) ولذا لم يَعُدْ لمملكة الظلمة أي سلطان على تقييده ..

            هيا يا من يستخدمك الله في طرد الأرواح الشريرة .. هيا اعلن بثقة أنك أبن الله .. اعلن بكل فرح قبل أن تأمرها بالخروج انك " في المسيح " .. وإن خطاياك مغفورة بدمه .. إعلن هذا حتى تحمي نفسك مسبقاً من هجومها المضاد لك ..

            لا تخف مطلقاً من إيذاء الأرواح لك ، فقد تُهددك بكلمات تخرجها من أفواه الذين تسكن بهم أو بتعبيرات غاضبة تظهر على وجوههم .. ثق أنك محمي " في المسيح " ، واحذر الخوف لأنه يعطي العدو فرصة لكي يبدأ هجومه المضاد .. تذكر أن الرب يسوع أعطانا السلطان أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو ..

            أيها الحبيب ، لا تدخل معركة لطرد الشياطين إن لم يكن لك إيمان بأن لك سلطاناً على كل الأرواح الشريرة وأنك محمي من سهامها الملتهبة بمظلة دم الحمل ..

 

لنصــلِّ ولنصـــم

            كما تقدم لنا قصة إخراج الرب للأرواح الشريرة من الولد المصروع درساً هاماً آخراً ..

            القصة توضح لنا أن الأرواح الشريرة تختلف عن بعضها البعض في درجة قوتها ، فالرب يتحدث عن نوع قوي من الأرواح يقول عنه " هذا الجنس [kind,NIV] لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم " (مر٩ :٢٩) .. كلمة جنس هنا هي " genos " وتعني نوع kind أو أُسرة family أو صنف breed ..

            لقد اشار الرب إلى أن التلاميذ لم يقدروا أن يخرجوا هذا الجنس بسبب قلة إيمانهم (مت١٧ :٢٠) ، ثم عاد وقال أنه جنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم (مر٩ :٢٩) ، مما يعني أنه نوع من الأرواح الشريرة يتطلب إخراجه إيماناً قوياً لا يأتي إلا بالصلاة والصوم .

            نعم ، الأرواح الشريرة تختلف في قوتها وهذا ما نلمسه عملياً في مواجهتنا معها فكما يقول الأب يوحنا كاسيان نقلاً عن الأب سيرنيوس " يجب أن لا نجهل أن الأرواح الشريرة ليست كلها في نفس العنف وطاقة الحركة ولا في ذات الشجاعة والمكر " .

            هناك أرواح شريرة متخرج بمجرد حضور المقيدين بها في اجتماع روحي قوي أو لمجرد سماعها أيات من الكتاب أو عند رشم الصليب عليها أو لذكر أسماء القديسين المنتصرين والشهداء على مسامعها .. وهناك أرواح قوية تحتاج مواجهة والبعض منها إلى إيمان عظيم يأتي بالصلاة والصوم ، وقد يأخذ الأمر بعض الوقت ..

            لنُصلِّ ولنصم لكي نمتلك الإيمان العظيم بكفاية قوة موت الرب وقيامته ، متحررين من كل اتكال على ذواتنا ..

            لنُصلِّ ولنصم لكي نُقاد بروح الله في إخراج الشياطين من المأسورين بها ..

            لنُصلِّ ولنصم لكي نمتليء بقوة الله المجيدة ..

            آه ، ليت جزءاً من أصوامنا وصلواتنا يُخصص لأجل هذا الغرض الواضح والمحدد الذي أعلنه إشعياء حين تحدث عن الصوم وقال أنه " حل قيود الشر . فك عقد النير وإطلاق المسحوقين أحراراً وقطع كل نير " (إش٥٨ :٦) ..

            ولنثق أننا حين نصلي ونصوم من أجل النفوس المحتلة والمقيدة بالأرواح الشريرة فإن الرب سيستخدم إخراج الأرواح من أجل كرازة مجيدة وإعلان واضح لقوته المحررة ..

 

كــرر الأمـــر

            نقطة أُخرى نتعلمها من قصص طرد الرب للأرواح الشريرة وهي توجيه الأمر لهذه الأرواح بالخروج أكثر من مرة ، فلم تخرج الأرواح من مجنون كورة الجدريين بمجرد أن قال الرب "اخرج" (مر٥: ٨) .. كما أن وصف القديس لوقا البشير لإخراج الرب للشيطان من الأخرس يُفيد أن الأمر استغرق بعض الوقت ..

            يقول القديس لوقا "وكان [ الرب ] يُخرَج شيطاناً " ( لو١١:١٤) .. وفعل يُخرج تأتي في هذه الآية في زمن imperfect tense  ، لذا فيمكن ترجمة الآية هكذا : "He was in the process of ejecting a demon  " ..

            هذا يؤكد ان طرد الرب للشيطان في هذه الحالة قد اخذ وقتاً .. وبالطبع فإن الرب يقدر أن يطرد الأرواح الشريرة في الحال لكنه سمح ببعض الوقت في هاتين الحالتين لأنه أراد أن        يُشجعنا حتى لا نفشل إذا استغرق إخراجنا للأرواح الشريرة وقتاً ..

            كرر أوامرك للأرواح الشريرة بإسم الرب يسوع .. أعد على مسامعها الآيات التي تعلن سلطانك عليها .. اعلن لها قوة دم الرب يسوع ، حتما ستخرج في النهاية ..

            كذلك فإنه من المفيد أن نُقيّد حركة الأرواح الشريرة بإسم الرب يسوع قبل أن نأمر بطردها حتى تكف عن الهيجان ولا تؤذى أحداً ..

 

امـلأ الفـراغ سريعـاً

            في إحدى قصص طرد الرب للأرواح الشريرة أمَرَ الرب الروح أن لا يعود مرة أُخرى (مر٩: ٢٥) ..

            لماذا أمر الرب بهذا ؟ .. لقد أراد أن يُعلّمنا درساً هاماً , فالرب يريد أن يوجه أنظارنا إلى ميل الأرواح الشريرة الى العودة لاسترداد مواقعها التي طُردَت منها .. الرب يسوع يقول
" إذا خرج الروح النجس من الإِنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة ولا يجد ثم يقول أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه . فيأتي ويجده فارغاً مكنوساً مزيناً. ثم يذهب ويأخذ معه سبعة أرواح أُخر أشر منه فتدخل وتسكن هناك " (متى ١٢: ٤٣-٤٥ ) ..

            إن كلمات الرب هنا واضحة كل الوضوح ..نعم إن طرد الأرواح من شخص كانت تسكنه هو خطوة بالغة الأهمية ولكنها من الممكن أن تكون السبب في ازدياد حالته سوءاً إذا عادت له الأرواح مرة ثانية لأنها ستعود ومعها أرواح أُخرى .. الرب يسوع يقول " تصير أواخر ذلك الإِنسان أشر من أوائله " (مت ١٢: ٤٥) ..

            نعم ستكون أواخر هذا الإِنسان أشر إذا لم يُملأ قلبه بعد طرد الأرواح منه ..

            ومَنْ يملأ قلب الإِنسان ويصد عنه أعدائه ؟

            ليس آخر سوى الذي مات بدلاً منه ..

            ليس سوى الذي سحق لأجله إبليس وكل جنوده ..

            لا شك أنها خطوة هامة أن نطرد الأرواح خارجاً , ولكن الخطوة الأهم أن نرحب بملك الملوك ليجلس على عرش حياتنا بدلاً منهم ويصير سيد مستقبلنا وضامن حياتنا ..

            نعم إنه أمر هام جداً لا بديل عنه لكل من تحرر من سُكنى الأرواح الشريرة حتى يبقى في الحرية :

·                        أن يختبر سريعاً كلمات الرسول بولس " ليحل المسيح بالإِيمان في قلوبكم " (أف ٣: ١٧ ) ..

·                        وأن يتمتع بدماء الرب الغافرة .. " إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويُطَهِّرنا من كل إثم " (١يو١: ٩ ) ..

·                        وأن ينشغل بالرب ليحتل مركزي تفكيره ومشاعره .. ليتكل عليه من كل قلبه وليشبع به من خلال الجلسات المنتظمة مع الإِنجيل والشركة الحية في الجسد والدم المعطيان الحياة, ودوام الصلاة والتسبيح ..

·                        وليكن له يقين شديد أن الرب هو حافظه ولا يخاف قط فالوعد الإِلهي صادق  " نعلم أن كل من وُلِدَ من الله لا يُخطيء

            [ الأصل اليوناني يعني لا يعتاد الخطية ]

بل المولود من الله يحفظ نفسه

            [ أي الرب يسوع ابن الله سيحفظه بحسب الترجمات : (NASB RSV, NIV, The living bible, ، انظر ايضا النص القبطي للعهد الجديد المطبوع بلندن سنة ١٨٤٧ ) ].

         والشرير لا يمسه .

            [ " hapto"to lay hold, to fasten, to cling    أي لا يقدر أن يحتفظ به ] " (١يو٥: ١٨ ) ..

            بهذا أيها القاريء الحبيب نكون قد حدثناك عن طرد الأرواح الشريرة من الأشخاص الذين تسكن فيهم , والآن نُكلمك عن طردها من الأماكن ..

 

لنطرد الأرواح الشريرة من الأماكن

          يسجل لنا نص طقس المعمودية للكنيسة القبطية والذي يعود إلى قرون المسيحية الأُولى إدراك الكنيسة منذ القديم لإمكانية سُكنى الأرواح في الأماكن ..

            يصلي الكاهن قائلاً : " أنعم على هذا الماء لكي لا يوضع فيه ولا ينزل مع الذي يتعمد فيه روح رديء ولا روح نجس ولا روح النهار ولا روح الظهيرة ولا روح المساء ولا روح الليل ولا روح الغرق ولا روح الجن مثل الذين تحت الأرض (الهاوية) .. انتهرهم بقوتك العظيمة ".

            وفي نص شبيه للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية نقرأ هذه الصلاة :

            " لا تدع شيطاناً يختبيء في هذه المياه ولا تسمح بأي روح شرير يُحْدِث تشويشاً للأفكار أو يؤثر في العقل ينزل مع الذي سيُعَمّد الآن " ..

            ثم ينفخ فيه ثلاث مرات وهو يرشم الصليب قائلً " شتت كل القوى المضادة بعلامة صليبك الثمين " ..

            هذه النصوص تُظهر إيمان الكنيسة منذ عصورها الأُولى بإمكانية احتلال الأرواح الشريرة للأماكن ، فمن الممكن للأرواح أن تبقى في المنازل أو حولها ..

            قد يعود السبب في سُكنى الأرواح في المنازل إلى سابق استخدام هذه الأماكن لممارسات وثنية أو للمجون واللهو ، أو لأعمال السحر أو ما يُسمى بتحضير الأرواح أو لعبادة الشياطين أو لوجود أشياء مادية تتعلق بها مثل الأحجبة والتمائم وتماثيل وصور الآلهة الوثنية والكتابات السحرية .. الأُمور التي منع الرب بوضوح وجودها في منازل أولاده (تث٧ :٢٦) ..

 

أما تأثير هذه الأرواح على القائمين في هذه المساكن فيظهر في صور متعددة :

·                        فقد تخلق لهم المشاكل التي لا تتوقف ..

·                        وقد تزرع بينهم الخصومات ..

·                        وقد تثير فيهم المخاوف ..

·                        وقد تُصيب أذهانهم بالتشتيت ..

·                        وقد تصنع لهم أُموراً مزعجة غير عادية كأن يرون أشباحاً مخيفة أو يسمعون أصواتاً غريبة لا يعرفون مصدرها ..

·                        وقد يمتد تأثيرها إلى مجال اللاشعور فيحلمون أحلاماً مزعجة ويعانون من الأرق ..

            كم يكون المسكن مزعجاً ، وحين يأتي المؤمنون ليصلوا فيه يعانون من صعوبة خاصة ، قد يتعرضون لضغوط نفسية تمنع صلاتهم من أن تكون منطلقة وبحرارة كما قد يعانون من تشتيت الفكر والشعور بالسأم ..

            المكان محتل ، ويحتاج أولاً إلى جنود الله لكي يطهروه بإسم من فداهم بدمه الثمين .. يحتاج إلى تنقية من كل ما هو متعلق بمملكة الظلمة من أحجبة وتمائم وصور وتماثيل ديانات وثنية وكتب للسحر .. ثم يحتاج إلى كلمة آمره بالروح القدس تقول لكل الأراوح الشريرة التي به " اخرجوا " ..

            كما قد يواجه الكارزون بالإنجيل صعوبات ملحوظة أكثر من المعتاد عندما يخدمون بمناطق معينة .. مثلاً قد تكثر معاكسات الظروف الطبيعية كسقوط الأمطار وهبوب الرياح ، وقد تتعطل مُعِدّاتهم (عربات – أجهزة السمعيات – الكهرباء) على نحو مزعج ، وقد يشعرون بأن مكان اجتماعهم بالناس غير مُريح وأن المستمعين لهم يعانون من تشتيت غير عادي وشعور بالملل وعدم القدرة على مواصلة الترانيم ..

            مــاذا ؟

            المكان محتل بالأرواح الشريرة ، والحاجة أولاً إلى تنقيته منها ..

            هذه الظاهرة يكثر حدوثها في المناطق التي ينتشر فيها السحر أو العبادات الوثنية ..

 

مـــا العــلاج ؟

            آه ليت الخدام يتحملون مسئوليتهم .. ليعلنوا السلطان الذي لهم .. نعم الأرواح الشريرة قوية لكن هم لهم السلطان عليها ليلتفتوا لها وليأمروها أن ترحل بإسم الرب يسوع ..

            وليقضوا وقتاً قبل حديثهم مع الناس في التسبيح للحمل المنتصر وإعلان سحقه لقوات الظلمة ليعظموا دم الحمل الغالب وليمجدوا اسمه .. آه ليس مثل التسبيح قوة تُنقي المكان ، تطرد قوات الظلام وتجذب ملائكة الحماية ..

            هيا أيها القاريء نترنم بخلاص الرب " وبإسم إلهنا نرفع رايتنا " (مز٢٠ :٥) ..

            هيا نسبح ونهتف ، هيا نفتخر بمسيحنا اليوم كله (مز٤٤ :٨) لقد أعطانا اسمه لكي نستخدمه ، فلقد قال صادقاً عن كل المؤمنين به " يخرجون الشياطين بإسمي " (مر١٦ :١٧) ..

فلنفرح ونتهلل وليُسَبّح كل منا الإله العظيم مع داود ..

" أُحبك يارب يا قوتي

الرب صخرتي وحصني ومنقذي

إلهي صخرتي به أحتمي

ترسي وقرن خلاصي وملجأي

أتبع أعدائي فأُدركهم ولا أرجع حتى أفنيهم

أسحقهم فلا يستطيعون القيام

يسقطون تحت رجلي

لذلك أحمد يارب وأُرنم لاسمك " (مز١٨ :١ ، ٢ ، ٣٧ ، ٣٨ ، ٤٩)

 

هيـــا .. هيـــا

            هيا أيها الآباء وأيتها الأُمهات ، اعلنوا سلطانكم على مملكة الظلمة .. انتهروا كل رؤسائها وسلاطينها وجنودها .. انتهروها حتى تحمو أطفالكم من خطرها ..

            وأنتم أيها الخدام ، يا من أحببتم الرب يسوع وكَّرستُم حياتكم له .. هيا ليعلن كل منكم سلطانه على كل قوى مملكة الظلمة ، وليجبرها أن ترحل من النفوس التي احتلتها والأماكن التي شغلتها ، وليقل لكل منها نفس الكلمة التي قالها الرب ذات يوم لروح شرير " اُخرج " ..

            ولنقُلها دون كبرياء أو إعجاب بالنفس .. لنطرد الأرواح الشريرة دون أن نشعر أننا في ذواتنا أفضل من غيرنا .. إننا لا نخرجها بقوتنا بل باسمه المبارك ..

            فلنتضع أمامه حتى نُفسد كل حيل العدو لإسقاطنا في خطية التباهي التي غالباً ما يلجأ إلى محاربتنا بها بعد كل طرد يحدث لجنوده المظلمين ..

            نعم ليملأنا الروح القدس بملء الإتضاع وملء القوة حتى نُحرر النفوس والأماكن المحتلة بالأرواح الشريرة صارخين في كل منها .. " اُخرج " ..

آه أيها الآب السماوي ،

إله النعمة ، أبو المجد وإله كل تعزية ..

ثقِّل قلوب كثيرين من أبنائك لهذه الخدمة المجيدة ..

ليخرجوا الشياطين بإسم ابنك ..

ليحرروا الأشخاص والأماكن منها ..

ليسحقوها بأقدامهم ..

ليعلنوا نصرة الحمل ، الرب يسوع غالب .. غالب ..

آه يا أبانا السماوي ، كن لهم سور نار من حولهم ..

أيّدهم بقوتك الساحقة ..

أيّدهم بملء روحك الناري ..

مد يدك والمس أفواهم ، ضع كلامك فيها .. اجعله ناراً ..

والأرواح الشريرة حطباً فيأكلها ..

آه يا إلهنا المحب ، اصنع بهم عجباً .. ولمجدك ..