الـفخـــــــــاخ

[ ٨ ] الـفخـــــــــاخ

 

            إبليس عدو خطير للغاية له طرق كثيرة ومتنوعة في خداع وتضليل البشر ، حتى أن سفر الرؤيا يصفه بأنه " الشيطان الذي يضل العالم كله " (رؤ١٢ :٩) ..

            لكن شكراً ، شكراً جزيلاً لمن أحبنا ، فقد ترك لنا معلومات كافية جداً تُعرّفنا بكل خطط إبليس

            لقد أعطانا الكتاب المقدس ، وما أثمنه عطية .. كتاب لا مثيل له ، فهو إلى جانب أنه يُعّزي ويفرّح ويشفي ويُنمّي ويُعلم ويُصحح فهو أيضاً ينبه ويحذر ..

            نعم ينبه ويحذر .. ينبهنا ويحذرنا ، فهو يقدم لنا كل ما نحتاج أن نعرفه عن طرق إبليس الخادعة وخططه المختلفة .. يقدمه لنا لكي ينبهنا وحذرنا منها حتى نأخذ حيطتنا كاملة ونستعد جيداً للمقاومة ..

            لقد كتب الرسول بولس يقول " أننا لا نجهل أفكاره " (٢كو٢ :١١) ، وكل ابن حقيقي لله مدعو أن يشارك الرسول في هذا الإمتياز .. فلنعكف على دراسة الكتاب ، لنتعلم منه ولن يجد إبليس طريقة غير معروفة لنا ليحاربنا بها ..

            آه .. كم ينبغي أن نُسبّح الله من أجل الكتاب المقدس .. ومن أجل روحه ، الروح القدس الذي يشرح الكتاب لنا ..

 

أربعـة أنـواع من الخطط

            من دراسة الكتاب المقدس يمكننا أن نتعرف على أربعة أنواع رئيسية من خطط إبليس في القتال ، أعطيناها أربعة أسماء للتمييز بينها هي :

 

·                        الفخـــاخ

·                        الإستنزاف

·                        الإعاقـة

·                        الاسـتدراج

 

            وفي هذا الفصل نُحدّثك عن الفخاخ تاركين الثلاثة الآخرين للفصلين التاليين ..

 

الفخــــاخ

            يقدم لنا الكتاب المقدس أمثلة كثيرة للفخاخ التي ينصبها لنا إبليس ، إلا ان أكثر المواضع امتلاءً بالدروس المتعلقة بها هو الجزء الخاص بتجربة الرب يسوع من إبليس .. التجربة التي واجهها الرب في البرية بعد أن صام أربعين يوماً وأربعين ليلة ..

            لقد كانت معركة من ثلاثة مواقع ، رضى الرب أن يدخلها من أجلنا .. من أجلي ومن أجلك.. رضى أن يقاتله إبليس لكي يكشف لنا خططه ويُعلّمنا كيف نهزمه حين يحاربنا بها ..

            لكن انتبه .. الرب لم يواجه إبليس بقوته اللاهوتيه .. لاحظ معي وضوح هذه الحقيقة في رده على إبليس " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان " (مت ٤:٤) .. لم يحارب الرب إبليس كإله .. لا ، لقد دخل المعركة كإنسان يقدم ذاته لنا مثالاً نتعلم منه كيف ننتصر ..

            أما المواقع الثلاثة لهذه المعركة فهي تقدم لنا الثلاثة محاور الرئيسية التي تدور حولها أكاذيب إبليس المتعددة التي يجتهد أن يخدعنا بها ..

أيها الرب الإله ..

رافق دراستنا بروحك ، روح الحكمة والفهم ..

قُد به قراءتنا للمواقع الثلاثة ..

قُدها لفضح مملكة الظلمة أمامنا ..

لإشهار عجزها وزيف قوتها ..

لكشف أكاذيبها وخداع كلماتها ..

سيـدي ..

قُد دراستنا هذه ، لتُقوّي بها إيماننا ..

لتزيد ثقتنا في النصرة ، التي لنا في شخصك ..

فنحن فيك أعظم من منتصرين ..

لك كل المجد إلى الأبد .. أمين ..

 

مواقــع ثلاثــة     

            لقد نصب إبليس للرب ثلاثة فخاخ ، هي دائماً فخاخه الخطرة التي ينصبها للبشر في كل عصر ومكان ..

+ في الفخ الأول .. يحاول أن يضللك قائلاً " أولاً احتياجات الجسد " ..

+ في الفخ الثاني .. يغريك أن تُرضي ذاتك ..

+ وفي الفخ الأخير .. يفصح عن نفسه ويقدم عرضه السافر " هيا نتساوم .. وستمتلك الكثير " ..

 

 

الموقعة الأُولى " أولاً اشبع الجسد "

            إبليس عدو ماكر ينتهز الفرص .. وجد الرب يسوع في البرية ، لاحظ أنه يُعاني من جوع شديد .. لقد ظل صائماً مدة طويلة ، أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل شيئاً ..

            استغل إبليس هذا الظرف ووجه للرب سهمه الأول :

            " إن كنت أنت ابن الله فقُل أن تصير هذه الحجارة خبزاً " (مت٤ :٣) ..

            آه ، ما أخطر هذه الكلمات ..

            تأمل معي ماذا تعني ..

            إنني أتصور إبليس وكأنه يقول للرب يسوع :

            لماذا تترك نفسك لآلام الجوع ؟

            لماذا تموت قبل الوقت ؟

            ألست أنت ابن الله ؟! إنني سمعت صوتاً من السماء يقول لك أنت هو ابني الحبيب الذي به سررت .. فماذا حدث ؟

            كيف يجوع ابن الله الحبيب ؟!!

            هيا استخدم الآن قوتك

            حوّل هذه الحجارة العديمة النفع إلى خبز ينقذك من الموت ..

            ماذا في هذه الكلمات ؟ .. فخ ، فخ خطير .. كلمات إبليس هدفها خطير ، وهو أن يصبح الهدف من علاقتنا مع الله هو حياتنا على الأرض .. هو الخبز .. فإذا حُرمنا منه بعض الوقت حاربنا إبليس بالتذمر على الله ..

            إبليس يريدنا أن نتصل بالسماء لأجل أُمور الأرض .. أن أعبد الله لأجل الخبز ..

            أعبده لكي يضمن لي احتياجات الجسد ..

إبليس يريدنا أن نجعل الروح في خدمة الجسد ، وهذا تماماً عكس قصد الله ..

            فالحياة المملؤة بالفرح والسلام لا تأتي بالطعام والمادة ، الرسول بولس يقول " ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً . بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس " (رو١٤ :١٧) ..

            كثيراً ما يستخدم إبليس هذا الفخ ، وهكذا يقترب إلى كثيرين ويبدو كما لو كان الصديق الوفي الذي يسدي النصائح الغالية ..

            يقول لهم " تمسكوا بالله .. صلّوا .. صوموا .. اقرأوا في الكتاب .. افعلوا كل هذه الأُمور حتى يرضى الله عنكم فتنجح أعمالكم وتكثر أرباحكم وتقل أمراضكم وتتحسن معيشتكم " ..

            وهكذا يضلل المُخادع الأعظم الكثيرين ويجعلهم يطلبون الله لأجل أُمور كهذه وليس من أجل إحساسهم العميق بالإحتياج له ، يدفعهم لأن يطلبوا عطاياه الزمنية بدلاً من شخصه ..

            يدفعهم في هذا الطريق الذي قد يبدو للبعض أنه طريق روحي ، بينما الحقيقة أنه يتناقض مئة في المئة مع فكر الله ..

            صديقي ، أرفض بكل حزم أي فكر من هذا النوع فهو بكل تأكيد من إبليس .. أُرفض أن يكون الله في حياتك لأجل احتياجات الجسد ..

·                        لا تستجب لإبليس إن قال لك اذهب للكنيسة لكي تنجح في امتحان آخر العام .. قُل لنفسك بل سأذهب لأني أُريد أن أشبع بحياة الرب .. سأذهب لأني في احتياج إلى قوة روحية .. الإجتماعات تُمتعنى بشركة أعمق مع إخوتي ..

·                        ولا توافق إبليس إن حثّك على قراءة الإنجيل بهدف أن يكافئك الله على هذا ويعطيك شريكة حياة مناسبة ..

            قراءة الإنجيل ليست تعويذة سحرية لحل المشاكل .. كلا إنها غذاء للروح وسراج للسير وقبل كل شيء لقاء حب مع الفادي ..

·                        ولا تسمح أن يكون دافعك لعدم فعل الخطية هو التخوف من الخجل الذي ستشعر به إذا اكتشفها الناس وتحدثوا عنها .. هذه ليست حياة روحية لأجل الرب بل لأجل الذات ..

            أما الذي يحيا له فيمتنع عن الخطية لسبب وحيد ، أنها تعطل شركته الروحية مع الذي أحبه بلا حدود ..

            صديقي ، أُرفض كل أفكار من هذا النوع .. اُرفض أن تفعل أي أمر روحي لأجل هدف جسدي .. وقتي .. عالمي .. اُرفض بحزم أن تكون السماء لأجل الأرض ..

            بل افعل كل أُمورك الجسدية لأجل أُمور الروح ، لأجل نموك في الحياة مع الله ..

            صديقي ، هنك فرق شاسع بين الديانة التي يريدها الله والديانة التي يريدها إبليس .. والموقعة الأُولى في معركة البرية كانت مواجهة حاسمة بينهما ..

            قال إبليس للرب يسوع " إن كنت ابن الله فقُل أن تصير هذه الحجارة خبزاً " (مت٤ :٣) ..

            وكان رد الرب حازماً بلا أدنى تردد وقال له " مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله " (مت ٤:٤) ..

            الرب يوجه سيف الروح " كلمة الله " إلى قلب إبليس ، لقد رد عليه بإقتباس من سفر التثنية (تث ٨ :٣) .. الرب يحاربه كإنسان ليُعلّمنا ..

والآن لننظر إلى معنى كلمات الرب له ..

 

الـروح أهم من الجسد

            إقرأ إجابة الرب مرة ثانية ، فهو يريد أن يقول نعم طعام الجسد مهم ولكن الأهم هو طعام الروح .. لن يكون أبداً إشباع الجسد على حساب الروح ..

            الخضوع لمشيئة الآب أهم من التخلص من آلام الجوع ..

            الروح أهم من الجسد .. الإنقياد بروح الله أهم بكثير من توفير غذاء الجسد ..

            الثقة في حب الآب السماوي وطاعة كلماته هي الأمر الأهم في تسديد احتياجات الإنسان العميقة ..

            لقد كان من السهل جداً على الرب أن يُحوّل الحجارة إلى خبز , لكنه لن يحولها أبداً بإيعاز من إبليس .. الرب يعلن هنا وبإعتباره إنسان مثلنا أنه لا يمكن أن يفعل شيئاً قط خارج طاعة الآب السماوي .. نعم هو جائع لكنه لن يأكل إلا إذا سمح له أبوه ..

            نعم هو جائع (بإعتباره إنساناً ممثلاً للبشر) لكنه يثق في حب الآب السماوي له ، ولن يفعل شيئاً خارج إرادته .. طعامه ليس الخبز بل الطاعة ..

            هو يقول " طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله " (يو٤ :٣٤) ، فهل نستطيع أن نقول هذه الآية معه ؟ هل صار طعامك أيها القاريء أن تُتمم مشئية أبيك السماوي ؟ .. هذا هو الخبز الذي يسدد احتياجاتك الحقيقية .. لا تصدق أبداً إبليس إن أشار إلى الخبز المادي وقال لك إنه هو .. لا ، لن يقدر هذا الخبز أن يعطيك السلام والفرح ..

            أجاب الرب يسوع على إبليس لا كإله بل كإنسان ليُعلّمنا الدرس ..

وبدد الرب بإجابته كل أكاذيب عدونا .. وأعلن أن مشكلة الإنسان الأُولى ليست افتقاره إلى خبز الأرض كما يحاول إبليس أن يقنع الكثيرين بل افتقاره إلى طعام الروح .. افتقاره إلى حياة الخضوع للآب السماوي الذي يحبه .. فحين يخضعون للآب السماوي ويعطيعون كلماته ، سيتمتعون بسلامه العميق وسيهتم هو بكل أُُمورهم ولن يتركهم يعوزهم شيء .. لقد عاتب الله شعبه في القديم قائلاً " ليتك أصغيت لوصاياي فكان كنهر سلامك " (إش ٤٨ :١٨) ..

أبي السماوي ,

لن أنصت لحلول إبليس لمشاكلي حتى ولو بدت سهلة ومفيدة ..

لن أفعل شيئاً قط إلا وأنا في يدك ..

إني سأختار الحجارة معك وأرفض الخبز بدونك ..

ولن أعود أتذمر على أي وضع تقودني له ..

سأقبل أي الآم تسمح لي أنت بها ..

فسأثق أنها لتقوية إيماني ولتنقية حياتي ..

سأقبلها بشكر مادامت من يدك المملوءة حباً ..

وإذا لم أقدر أن أقبلها ، سآتي إليك لتزيد إيماني ولتعطني قوة أشكر بها ..

سأقبل التضحية بالخبز مادامت لأجل تنقيتي .. من أجل أن أنمو في الحياة معك ..

أبي السماوي ..

لن أتخلى أبداً عن ثقتي في حبك ..

ومهما كان الجوع قاسياً فلن أتذمر ، بل سأُصلي لأعرف ماذا تريد أن تقول لي ..
ماذا تريد أن تُعلّمنى به ..

نعم مهما كان الجوع قاسياً فسأُردد مع أيوب .. " هوذا يقتلني لا أنتظر شيئاً
[ يذبحني لكنني سأظل واثقاً به (K.J.V) ] " (أي ١٣ :١٥) ..

أبــي ، لن أشك أبداً في حبك ..

نعم ستنقيني وستسدد كل احتياجاتي .. ولن أخسر المعركة ..

إبليس تحت الأقدام ..         

 

الموقعة الثـانية

            إذ فشل إبليس في إيقاع الرب في فخه الأول ، سارع إلى نصب فخه الثاني ..

            أخذه إبليس إلى أورشليم وأوقفه على جناح الهيكل وقاله له " إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل . لأنه مكتوب أنه يُوصي ملائكته بك . فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر
رجلك " (مت٤ :٦) ..

            وكأن إبليس يقول له بكذب ومكر مثل هذه العبارات :

            تقول لي مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله .. حسناً ، إنني فرح لأن هذه هي رغبتك أن تحيا بكلمات الله .. هذا أمر جيد أُشجعك عليه .. أنا أُشجع التدين .. أُحبك أن تثق في كلمات الله ..

            اُنظر ، هذه آية من سفر المزامير .. هي أيضاً من كلمات الله التي تريد أن تحيا بها .. الآية تقول " على أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك " (مز٩١ :١٢) ..

            لاشك أنك تثق أن الله سيحقق معك هذا الوعد .. ألست ابنه ؟!

            اُنظر إلى أسفل ، نحن الآن على ارتفاع ٤٠٠ قدم (١٢٠ متر) فوق الوادي ..

هذه فرصة مواتية .. ألق نفسك إلى أسفل ..

            سيكون المنظر رائعاً جداً جداً ..

            ستحملك الملائكة ..

            وسيراك الكثيرون ..

            سيتحدثون عنك ..

            وستطبق شهرتك الآفاق ..

            سيعرفون أنك المسيا المنتظر ..

            سيسمعون كلماتك .. ستنجح خدمتك ..

            هيا .. ألقِِ بنفسك الآن ..

            ثق في الله ..

            ستصل سليماً إلى الأرض ..

            ستشهد لقوة العليّ ..

            ستعلن صدق كلماته ..

            كم هو خطير فخ إبليس الثاني , خطير جداً .. وكما يقول القديس كيرلس إلاسكندري إنه فخ المجد الباطل (vain glory) .. بذكاء خبيث يقدم إبليس اقتراحه الذي يرضي الذات بجذب الأنظار وحب الظهور , مغلفاً الإقتراح بأهداف روحية [ ستشهد لقوة الله .. ستعلن صدق كلماته .. هذا يفيد الخدمة ] .. دائماً يزرع إبليس زوانه وسط القمح الجيد ( مت ١٣: ٢٥,٢٤ ) حتى يفسد الحقل ..

           

لكن شكراً لله , لأنه بنور الروح القدس نقدر أن نُميز الزوان عن القمح ..

 

·                        هذه سيدة تقوم بأعمال بطولية في التضحية لأجل الآخرين , لكن الدافع ليس كله محبة لمن له احتياج .. هناك رغبة في القلب للتمتع بإعجاب الكثيرين والتلذذ بكلمات مديحهم .. في إحدى المرات كانت تصلي ونادت سيدها بكلمات داود النبي " اختبرني يا الله واعرف قلبي امتحني واعرف أفكاري . وانظر إن كان فيّ طريق باطل واهدني طريقاً أبدياً " (مز ١٣٩: ٢٣) .. حدث بعد ذلك أن نسب الناس أحد أفعالها الحسنة إلى شخص آخر , فاهتزت في الداخل , فعرفت خطيتها .. اعترفت بها .. طلبت من الرب أن ينقيها منها .. تنقت فامتلأت خدمتها بثمر لم يكن لها من قبل ..

·                        وهذا شخص كان يروي دائماً قصة حدثت معه وتدّخل الله فيها بصورة واضحة وقوية , ولكن لماذا يرويها للآخرين ؟ حين ترك نور الله يمتحن قلبه في المخدع وجد أن الدافع لم يكن كله رغبة في أن يُمجّد الله , ففي القلب رغبة أُخرى أن يجذب اهتمام الآخرين .. قرع صدره وطلب من الله أن يحرره من عبادته لنفسه , وتغير الدافع بالفعل وأصبحت شهادته لعمل الله تؤثر في الناس بقوة ..

·                        هذا شخص كان يخدم بنشاط ، وذات يوم ظهر في مجال خدمته خادم آخر عمل به الرب أكثر .. شعر بالغيرة منه .. ولكن في جلسة هادئة مع الكتاب قرأ كلمات يوحنا المعمدان " ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص " (يوم٣ :٣٠) .. تأثر بها جداً .. بكى واعترف بخطيته صارخاً "إلهي ليتمجد اسمك بي أو بغيري المهم أن تتمجد أنت .. لايهم بمَن" .. صلى هكذا صادقاً فأصبحت خدمته بعد هذا الموقف مؤثرة جداً وأتت بثمار كثيرة ..

·                        وهذا إنسان يعلن حب يسوع للفقراء .. يهتم باحتياجاتهم المادية لكنه يركز في خدمته على إحدى العائلات .. في إحدى خلواته الفردية حدّثه الرب بوضوح وقال له أنت تذهب إلى هذا البيت كثيراً لأجل الفتاة التي به .. في داخلك ميل غير مقدس لها .. استمر فترة يصلي ويصوم إلى أن حرره الرب منه فشعر بعد ذلك ببركة غير عادية في خدمته ..

 

            أيها القاريء ، أرجو أن لا تسيء فهم ما أُريده من هذه الأمثلة .. فلست أقصد مطلقاً من سردها أن تتردد في كل عمل تقوم به خوفاً من أن يكون الدافع له غير نقي .. لا ، الرب لا يريدنا أن نُستعبد للوساوس والتردد .. يكفي أن تتحدث مع الله في خلوتك كل يوم وتطلب منه بإيمان أن يُنقي دوافعك لتصير دائماً مقاداً بروحه ، وكل أمر تقوم به يصير بالفعل " منه وبه وله " (رو ١١ :٣٦) ..

            صلِّ يومياً من أجل أن تتنقى دوافعك .. ثق أن الله أمين وسيمد يده الحانية دائماً إليك لينقيك من كل شر لتأتي بثمر أكثر يدوم يوماً وراء يوم ..

 

كيف أجاب الرب على إبليس ؟

            قال له إبليس " إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل . لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك . فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك " (مت٤ :٦) ..

            وجاء رد الرب عليه قصيراً ولكنه قاطع للغاية .. قال له " مكتوب أيضاً لا تُجَرّب الرب
إلهك " (مت٤ :٧) .. ليس في إلقاء الشخص لنفسه من ارتفاع عالٍ أي نوع من الثقة في الله وليست هذه هي الطريقة التي تعلن صدق كلماته المسجلة في الكتاب المتعلقة بالحماية .. فهناك آية أُخرى تمنع من الإقدام على أي عمل مثل هذا ، وهي الآية التي جاءت في سفر التثنية وتقول " لا تجربوا الرب إلهكم " (تث٦ :١٦) ..

            نعم إننا لانقدر أن ندفع الله لعمل أي شيء خارج إرادته .. لا يمكن أن نجعله يعمل أعمالاً من أجل إشباع رغبات ذواتنا تحت ستار الإيمان .. يقول الرسول يعقوب " تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون ردياً لكي تنفقوا في لذاتكم " (يع٤ :٣) ..

            آه ، ما أخطر أن نفصل جزءً من كلمة الله عن بقية المكتوب .. لابد أن نتعلم كيف نفهم كل آية نقرأها في ضوء آيات أُخرى كثيرة " قارنين الروحيات بالروحيات " (١كو٢ :١٣) ، فالكتاب المقدس يفسر بعضه بعضاً ..

            فالذي قال " يُوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك . على الأيدى يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك " (مز٩١ :١١ ،١٢) ، قال أيضاً " لا تجربوا الرب إلهكم " (تث٦ :١٦) .. وفي ضوء الآية الثانية نفهم الأُولى .. الله يحافظ عليك دائماً ولكن لا تفتعل أنت بنفسك المواقف الخطرة ولا تستخدم الأُمور الروحية لأجل الإستعراض .. أُترك الله يرتب لك المواقف التي تشهد لمحبته الأمينة وقوته الحافظة ..

            أيها الحبيب ، احذر .. احذر جداً من استخدام أي أمر روحي لأجل الإستعراض والتباهي وجذب الأنظار ..

 

أمثلــة

·                        هذا شاب يجاهد جداً في أصوام كثيرة ، لكن للأسف ليس الهدف أن يكون أداة طيعة في يد الله ليتمجد به ، بل لكي يشعر بالبطولة .. لكي يرضي غروره ..

·                        وهذا إنسان يحزن حين يقع في الخطية .. لكن في نور الله الفاحص يجد أنه يحزن لا لأنه جرح المحبة الإلهية والعشرة مع الحبيب ، بل لأنه جرح ذاته .. يندم ولكن ليس ندماً لأجل الله بل لأجل نفسه ..

·                        وهذا خادم يفتخر ببلاغة أُسلوبه .. وهذه خادمة في مدارس الأحد تتباهى بنمو عدد أطفال فصلها .. وهذا شماس يبتهج إذا مدح أحد رخامة صوته ..

·                        وفتاة تتحدث كثيراً عن ضعفها وآلامها وتبدو كما لو كانت جادة في طلب الإرشاد والصلاة من أجلها ، ولكنها في الأعماق لا تريد أن تُشفى من ضعفها .. لماذا ؟.. لقد نصب لها إبليس فخ الموقعة الثانية .. إنها تود أن تظل كما هي لتتمتع بإهتمام البعض وعطفهم ولاسيما إذا كانوا من الأشخاص البارزين في المجتمع .. ذاتها تعمل ولكن تحت ستار الإتضاع والإحتياج الزائف ..

            سيدي ،

            نقني من كل دافع خبيث في داخلي ..

            أعطني أن أعمل كل شيء لأجلك ..

            أن أندم على خطاياي لأجلك ..

            أن أخدم لأجلك ..

            وأن يصبح كل شئ أقوم به هو فعلاً لأجلك ..

 

الموقعة الثـالثـة

            إذ فشل إبليس في الموقعة الأُولى والثانية ، عاد واستجمع معنوياته المحطمة وقرر أن يدخل موقعة أُخرى حاسمة .. لكنه في هذه المرة أعلن بوضوح عن شخصيته وطلب من المسيح أن يخضع له .. اقترب إليه مستخدماً كلا السلاحين .. الإغراء والتهديد ..

            يقدم لنا القديس متى أحداث هذه الموقعة هكذا " ثم أخذه أيضاً إبليس إلى جبلٍ عالٍ جداً وأراه جميع ممالك العالم ومجدها . وقال له أُعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي . حينئذ قال له يسوع اذهب يا شيطان . لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " (مت٤ :٨-١٠) ..

أيها القاريء ، هل يمكنك أن تتصور معي ما قصده إبليس من كلامه السابق مع الرب يسوع.. إن كلماته تحمل الكثير من المعاني ، أشعر وكأنه يريد أن يقول للرب

            إنني أعرف أنك المسيا المنتظر ..

            أعلم أنك تنتظر الوقت الذي تملك فيه العالم ..

            حسناً ، لكن ألا تعرف ما يقوله إشعياء عن الآلام التي سيتحملها المسيا حتى يملك ..

لماذا تُعَرّض نفسك لهذه الأهوال ؟ ..

            إنني أُقدم لك عرضاً..

            اُنظر ، هذا العالم كله .. ألا تراه من هنا ؟.. ألا تلمح أمجاده الكثيرة جداً ؟

هنا عروش .. هناك ممتلكات .. أنا رئيس هذا العالم ..

            لا أُريدك أن تتألم ..

            سأعطيه لك بلا أي عناء مقابل شيء بسيط أطلبه منك ..

            فكّر ملياً فيما أقول ..

            إنني لا أطلب منك تنازلات كثيرة عن مبادئك .. إنما هو تنازل واحد فقط لمرة واحدة ..
        للحظات .. إنني أُحبك ولا أُريدك أن تتألم ..

            اُنظر لا أحد يرانا الآن .. تنازل واحد ستربح به الكثير جداً ..

            خطية واحدة ستُجَنّبك كل الآلام ..

فكّر في الأمر ..

            اُسجد لي .. اُسجد لي مرة واحدة لا أكثر .. وأعطيك هذا العالم كله الذي أمتلكه ..

            ستصير المسيا (الملك) وبلا آلام ..

            سأتركك تأخذ مملكتي بسهولة ..

            اُسجد لي وأنا أعطيها لك ..

            لا ترفض ..

            الطريق الآخر صعب ..

            إذا لم تسجد فإن قسوتي تنتظرك ..

            سأُسخّر أعنف الناس وأشرهم لإضطهادك ..

ألا تخشى الألم ؟!

            إن نفس هذه الكلمات يعيدها إبليس اليوم بشكل أو بآخر على مسامع الكثيرين ..

·                        لا تطع الله في هذه الوصية .. سأُعطيك الكثير .. هل تختار الخضوع لله ؟ ستشتد آلامك جداً..

·                        نعم إن أباك ليس مريضاً ، لكنهم لن يوفقوا أبداً على أن تنتقل إلى بلدتك بدون شهادة طبية تثبت أنه مريض .. إنها كذبة بيضاء لا تضر أحداً .. إنها كذبة واحدة فقط وستوفر عليك آلام الغربة لسنوات طويلة ..

·                        كيف لا يكون هناك رقص وغناء في حفل زواجك ؟!.. هل أنتِ أقل من صديقاتك ؟.. يقولون لكِ كيف تبدأين حياة جديدة من مكان حيث الشيطان يسكن ؟ .. كيف تُعَرّضين نفسك لأخطار الأرواح الشريرة ؟.. صديقتي ، انسِ كل ما يقولونه لكِ .. لماذا هذا التزمت ؟.. إنها ليلة واحدة لن تتكرر ، لابد أن تكون ليلة مفرحة .. لا تخشِ شيئاً .. أنتِ لستِ راهبة .. لن يحدث شيء يضرك ، وستبتهجين جداً أنت وكل معارفك ..

·                        الإجهاض خطية .. نعم ولكن ألا نقع في خطايا كثيرة بين الحين والآخر .. لماذا لا تعتبرينها واحدة منها ؟ هل لك قدرة على تربية طفل جديد ؟.. من أين الطاقة ؟ من أين المال ؟.. لا تترددي .. عملية جراحية بسيطة وينتهي كل قلقك .. لماذا المتاعب ؟ ..

·                        لقد تأخرتِ في الإرتباط ، وهذا الشخص كله ميزات حسنة .. هل ترفضينه لأن ليس له علاقة مع المسيح ؟.. هل هذا سبب ؟.. تستطيعين أن تجذبينه فيما بعد .. لا ، لا تضيعي هذه الفرصة الذهبية .. إنه غني وله مركز اجتماعي مرموق .. ويحبك ..

·                        لا أحد تقدم إلى الآن ليتزوج ابنتك .. قد صليت من أجلها طويلاً لكن بلا نتيجة .. يبدو أن أحداً قد فعل لها سحراً .. إنني أقترح عليك أن تذهب إلى شخص متخصص في إبطال هذه الأسحار .. لن يكلفك كثيراً فهو لا يطلب سوى مبلغ قليل .. وستتزوج ابنتك بكل تأكيد ..

 

أيها الحبيب ، لا تصدق إبليس ، فطريقته التي تبدو سهلة في حل المشاكل لن تأتِ أبداً بالسلام إلى داخل قلب الإنسان أو إلى بيته ..

            اُرفض الطريق السهل الذي يغريك به إبليس .. اُرفض أن تحل مشاكلك بالكذب .. بالتملق .. تذكر كيف قضى يعقوب عشرين سنة من عمره عبداً بعد أن كان ابناً غنياً لأنه اختار طريق الكذب السهل ..

            أيها الحبيب ، أحبب الصليب جداً .. أحبب الحياة المسيحية المكلّفة .. حياة القداسة .. حياة الأمانة .. حياة الخضوع للإنجيل مهما كانت الآلام والتضحيات .. هذا هو طريق الحب .. والحب الذي لا يعلن عن وجوده عملياً بالتضحيات ليس بحب ..

            لا تخف من تهديدات إبليس ، فالرب يحذرنا " أما خوفهم فلا تخافوه " (١بط٣ :١٤) .. وها وعد الكتاب المقدس يتلألأ أمامنا ويُشجعنا جداً " إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه " (رو٨ :١٧) " خفة ضيقتنا الوقتية [ بسبب تمسُّكنا بوصايا يسوع ] تُنشيء لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً "
(٢كو٤ :١٧) ..

 

كيف ردّ الرب على إبليس ؟

            هنا كان رد الرب حاسماً والكلمات غاضبة قوية .. أمره قائلاً " اذهب يا شيطان . لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " (مت٤ :١٠) ..

            أيها القاريء الحبيب ، قد لا تكفي الصلاة وحدها في حروبنا مع العدو .. قد تأتي مواقف تحتاج منا أن نتجه إلى إبليس ونأمره أن يذهب بعيداً .. الصلاة تعطينا القوة ، ولكن القوة تبقى بلا فائدة حتى نستخدمها ..

            تأمل الرب يسوع وهو يطرد إبليس مستخدماً سيف الكلمة القاطع .. لا تهاون إطلاقاً مع العدو .. لا تردد .. إبليس لن يحتمل كلمة لها سلطان تأمره بالرحيل .. ونحن لنا سلطان الرب يسوع لأنه أعطانا اسمه ، أعظم عطية للقوة .. اسم الرب يعلن حضوره ، وعندما نأمر قوات الظلمة أن تذهب من أمامنا بإسم الرب يسوع فلن تقدر أن تعاند .. ثق أنها ستهرب فوعد الله الذهبي يلمع أمامنا " قاموا إبليس فيهرب منكم " (يع٤ :٧) ..

 

انتصـر الـرب لحسـابنا

            لم يدخل الرب هذه المعركة ليُعلّمنا فقط دروساً في قتال الأعداء بل لينتصر لحسابنا .. ليضيف نصرته لي ولك .. تأمل معي الكلمات التي قالها القديس كيرلس (القرن الخامس) ..

            " لقد ربحنا النصرة في المسيح ..

            ها هو الشيطان الذي هزم آدم يهرب الآن في خزي وعار ..

            لقد صارت لنا القدرة على أن نضعه تحت الأقدام ..

            انتصر المسيح فأعطانا نصرته .. أعطانا القدرة أن ننتصر .. لقد قال لنا [ ها أنا أُعطيكم سلطاناً لتدسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء ] " ..

            تأمل أيضاً ما قاله القديس الأنبا أنطونيوس ذو الخبرة الطويلة في قتال الأرواح الشريرة ..
لقد قال : " لايريدنا الرب أن نعاني من خداع إبليس ، لقد انتهره الرب وقال [ اذهب يا شيطان ] (مت٤: ١٠) .. لذا ، فلنزدرِ به أكثر وأكثر .. فما قاله الرب له إنما قاله لأجلنا نحن .. حتى إذا ما سمعت منا الأرواح الشريرة نفس العبارة التي قالها الرب للشيطان ، هربت من أمامنا وكأنها تسمعها من فمه المبارك " ..

            صديقي ، هل تخشى مكر إبليس ودهائه الشديد ؟ .. لو أن الرب لم يهب نصرته في معركة البرية إليك لكان لك العذر في أن تخاف .. اطمئن جداً فلقد فشلت فخاخ إبليس الثلاثة ..

 

لقـد فشلت أخطـر فخـاخ لـه ..

            فخ أن تكون الحياة من أجل الجسد ..

            وفى التباهى وحب الظهور ..

            وفخ المساومة ..

            كلها فشلت أمام الرب ، وبالتالي ستفشل حتماً أمام كل من يتمسك بالرب ..

            أيها الحبيب ، افرح جداً .. نصرة الرب هي لكل مؤمن .. ثق في هذه الحقيقة ولن تقدر أي من هذه الفخاخ أن توقع بك ..

            لقد انتصر الرب لكي تنتصر أنت ..

            لكي تفرح .. وتتعزى .. وتمتع برؤية مملكة الظلمة تحت الأقدام ..