الفصـل الثالث
اُنظر إلى العهد

 

« العهد الجديد » .. كلمتان تُعبّران غاية التعبير عن امتيازاتنا الفائقة المذهلة التى وهبها الله لنا بسبب إيماننا بالخلاص .. لذا لا عجب أن صارتا عنواناً لمجموعة أسفار الكتاب المقدس من متي إلي رؤيا يوحنا التى تُعلن تفاصيل هذا الخلاص .. والكلمتان مقتبستان من كلمات الله لإرميا النبى :

« ها أيام تأتى يقول الرب وأقطـع مع بيت إسرائيل [ العشرة أسباط ] ومع بيت يهوذا [ سبطى يهوذا وبنيامين ] عهداً جديداً »

( إر ٣١ : ٣١ )

لكن ألا تقول لنا هذه الكلمات أن العهد الجديد هو لبنى إسرائيل ويهوذا أى للأُمة اليهودية ؟ .. نعم إنه كذلك ولكن الأُمة اليهودية رفضت وسيط هذا العهد الرب يسوع بل وصلبته « إلي خاصته جاء [ الرب ] وخاصته لم تقبله » ( يو ١ : ١١ ) .. ونحن أيضاً إذ قبلناه دخلنا فى العهد ، تحدث بولس وبرنابا إلي اليهود قائلين « كان يجب أن تُكلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلي الأُمم » (أع ١٣ : ٤٦ ) .. وقال بولس فى مناسبة أُخري أيضاً لليهود « لأن قلب هذا الشعب [ أنتم اليهود ] قد غلظ وبآذانهم سمعوا ثقيلاً وأعينهم أغمضوها .. فليكن معلوماً عندكم أن خلاص الله قد أُرسِل إلي الأمم [ بقية شعوب العالم ]وهم سيسمعون » ( أع ٢٨ : ٢٧ ، ٢٨ ) .. وتُعَـلـِّق رسالة رومية بعبارة مختصرة قائلة « بزلتهم [ بزلة اليهود برفضهم الرب يسوع ] صار الخلاص للأُمم » ( رو ١١ : ١١ ) .. ولكن فى نهاية الأيام ستتوب الأُمة اليهودية وتقبل الرب وحينئذ ستتمتع بالعهد الجديد تماماً كما وعدها الله فى سفر إرميا .. تؤكد رسالة رومية هذه الحقيقة قائلة :

« القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلي أن يدخل ملؤ الأُمم وهكذا سيخلص جميع إسرائيل . كما هو مكتوب .. هذا هو العهد من قِبَلى لهم متي نزعت خطاياهم »

( رو ١١ : ٢٥ ـ ٢٧ )

نعم إننا نتمتع الآن ببركات العهد الجديد التى ستتمتع بها الأُمة اليهودية فى آخر الأيام .. ولهذا :

  • نقول الآن عن الرب يسوع إنه « وسيط العهد الجديد » لأن إيماننا به هو الذى أدخلنا فى هذا العهد العظيم .. تقول لنا الرسالة إلي العبرانيين « قد أتيتم .. إلي وسيط العهد الجديد يسوع وإلي دم رش يتكلم أفضل من هابيل» ( عب ١٢ : ٢٢ ، ٢٤ ) ..
  • كما ندعو كأس مائدة الرب التى نشرب منها كأس العهد الجديد ، قال الرب « هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى» ( لو ٢٢ : ٢٠ ) ..
  • ونُطلِق علي الخدام الذين يكرزون بالرب يسوع أنهم خدام العهد الجديد ، الرسول بولس يكتب قائلاً « كفايتنا من الله الذى جعلنا كُفاةً لأن نكون خدام عهد جديد » ( ٢ كو ٣ : ٥ ، ٦ ) ..

سر المسيح

نعم نعمة الله الغنية هى التى جعلتنا نحن المؤمنين من مختلف الشعوب نتمتع الآن ببركات العهد الجديد التى سيتمتع بها اليهود الراجعون إلي الرب فى نهاية الأيام وهذا ما ىُطلِق عليه الروح القدس « سر المسيح » ..

  • فهو سر لأنه لم يكن معروفاً فى زمن العهد القديم إنما أعلنه الروح القدس بعد يوم الخمسين ..
  • وهو سر المسيح لأن إيماننا بالمسيح هو الذى جعلنا شركاء المؤمنين من نسل إبراهيم فى التمتع ببركات العهد الجديد.. يقول الرسول بولس :

« سر المسيح . الذى فى أجيال أُخر [ السابقة ] لم يُعرّف به بنو البشر كما قد أُعلن الآن لرسـله القديسين وأنبيائه بالروح . أن الأُمم [ المؤمنين من كل شـعوب العالم ] شركاء فـى الميـراث والجسد ونوال موعـده [ أى شركاء فـى بركـات العهد الجديد ] فى المسـيح [ بإيمانهم بالمسيح ] » ( أف ٣ : ٤ ـ ٦ ) ..

لنقرأ مرة أُخري وبإمعان كلمات الله لإرميا عن العهد الجديد كى ندرس معاً الأُمور العظيمة التى تعهّد الله أن يقدمها لنا فى هذا العهد الجديد ..

« يقول الرب . أجعل شريعتى فى داخلهم وأكتبها علي قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً . ولا يُعلّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفوننى من صغيرهم إلي كبيرهم يقول الرب . لأنى أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد » ( إر ٣١ : ٣٣ ، ٣٤ ) ..

هذه الكلمات عظيمة للغاية تؤكد علي أهميتها الفائقة الحقائق التالية :

  • إنها أكبر مقطع اقتبسته أسفار العهد الجديد من القديم ..
  • وقد اقتبستها الرسالة إلي العبرانيين مرتين ( عب ٨: ٨ - ١٢ ؛ ١٠ : ١٦ ، ١٧ ) ..
  • كما أشارت إلي العهد موضوع حديثها آيات عديدة من الأناجيل والرسائل ( مت ٢٦ : ٢٨ ، مر ١٤ : ٢٤ ، لو ٢٢ : ٢٠ ، رو ١١ : ٢٧ ، ١كو ١١ : ٢٥ ، ٢ كو ٣ : ٦ ، عب ٩: ١٤ ، ١٥ ؛ ١٢ : ٢٤ ) ..

هذه الكلمات العظيمة تذكر أربعة وعود ثمينة جداً وَعَدَنا الرب بها والتزم بتحقيقها لأنه ارتبط معنا بهذا العهد الجديد :

  • قدرة داخلية جديدة
  • علاقة مباشرة
  • معرفة شخصية
  • لا أُُعامل كخاطىء

١ ـ قدرة داخلية جديدة

فى عهد سيناء القديم كَتَبَ الرب الوصايا العشر علي لوحين من الحجر .. هذه الوصايا قدمت للإنسان قائمة بما يجب أن يفعل ولا يفعل دون أن تمنحه القوة التى تمكّنه من طاعتها ولهذا فشل الإنسان فشلاً ذريعاً فى طاعة الله.. أما فى العهد الجديد فلم يكتب الله الوصايا خارج الإنسان بل تعهد أن يكتبها بداخله كى يكون قادراً علي تنفيذها .. وهذا هو تعهده كما ذكرته الرسالة إلي العبرانيين :

« أجعل نواميسى فى أذهانهم وأكتبها علي قلوبهم » ( عب ٨ : ١٠ ) ..

« أجعل نواميسى فى قلوبهم وأكتبها فى أذهانهم » ( عب ١٠ : ١٦ ) ..

أنت تمتنع فى العهد الجديد عن السرقة ليس بسبب وجود ناموس يأمرك أن لا تسرق ، وتتكلم بالصدق دائماً ليس لأنك تخشي ناموساً يقول لك لا تكذب بل بالحرى لأنك لا تريد من داخلك أن تسرق أو تكذب.. فما كان أمراً مسلّطاً علي المؤمن فى العهد القديم صار رغبة المؤمن المنشودة فى العهد الجديد .. فما كان الله يريده من المؤمن فى العهد القديم وكتبه علي الألواح الحجرية صار الآن مكتوباً فى ذهن وقلب المؤمن الذى يتمتع ببركات العهد الجديد ..

لقد كتبت الرسالة هذا التعهد الإلهى بطريقتين مختلفتين فذكرت :

  • الذهن قبل القلب ( الأصحاح الثامن )
  • القلب قبل الذهن ( الأصحاح العاشر )

تتحدث الرسالة فى الأصحاح الثامن عن دور الله ، عن ترتيبه فى عمله معنا ، فهو يلمس أولاً أذهاننا ثم قلوبنا .. فالذهن يعرف أولاً ثم يأتى دور القلب فيرغب فى تنفيذ ما عرفه الذهن .. أما فى الأصحاح العاشر فالحديث عن دور المؤمن ، عن تكريسه أى انفصاله عن العالم والتصاقه بالله ، لهذا أتي القلب أولاً .. لأن الذى يدفعنا للتكريس ليس معرفتنا بالحق بل رغبتنا الحارة فى التمتع به ..

لقد وهبك الله فى الميلاد الثانى الطبيعة الجديدة لكى يكون لك ذهن جديد وقلب جديد كُتبت عليهما الوصايا لتصبح جزءاً لا يتجزأ من كيانك ولهذا تصـبح قـادراً علي طاعتها ( حز ٣٦ : ٢٦ ، ٢٧ ) .. هذه الطبيعـة الجـديدة تسـميها كلمـة الله « خليقة جـديـدة » ( ٢ كو ٥ : ١٧ ) .. وتقول عنها إنها :

  • مخلوقة « بحسب الله » ( أف ٤ : ٢٤ ) أى منسجمة معه وبحسب كلمات العهد الجديد فإن الله كتب وصاياه فيها لتصير جزءاً لا يتجزأ منها ..
  • ومؤيدة بالروح القدس ( رو ٨ ) لتكون قادرة علي تنفيذ هذه الوصايا ..

لقد صار بإمكانك أن تحيا فى القداسة والمحبة وتسلك بالحق فهذا هو الأمر الطبيعى لكل من نال الميلاد الثانى بسبب طبيعته الجديدة المخلوقة بحسب الله والمؤيدة بروحه .. لا لن تقدر أن تحيا فى القداسة إذا حاولت أن تطيع الله معتمداً علي إرادتك أو متمسكاً بعهود قطعتها علي نفسك .. هذا هو طريق الفشل بكل تأكيد .. افرح بالعهد الجديد .. افرح بأنك صرت خليقة جديدة ، الرب كتب وصاياه فى قلبك وذهنك .. اعتمد علي قوة الروح القدس وستحيا حياة المجد منتصراً علي الخطية ..

ليس معني هذا أنك لن تفعل الخطية مطلقاً ( ١ يو ١ : ٨ ) .. كلا فالخليقة الجديدة لم تلاشى طبيعتك القديمة .. فهذه الطبيعة لا تزال قادرة متي أعطيتها الفرصة أن تعلن عن نفسها وتقودك إلي الخطية ، لكنك تستطيع بخليقتك( طبيعتك ) الجديدة أن تجعل عدم سقوطك فى الخطية هو الأمر السائد فى حياتك فتصبح الخطية أمراً عارضاً ومؤقتاً وسريعاً ما تقوم منه .. هذا هو ما قصدته رسالة يوحنا فى قولها :

« كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية » ( ١ يو ٣ : ٩ )

قارئى العزيز ، إن كنت لا تزال تسقط كثيراً فى خطية ما أو تسقط فيها بسهولة فلتتمسك بهذا الحق الثمين الذى أعلنه الله فى العهد الجديد العظيم ، أنه أعطاك الخلىقة الجديدة المخلوقة « بحسب الله » التى كتب وصاياه فيها كما أيدك بالروح القدس.. نعم تمسك بهذا الحق بإيمان راسخ وضع نصب عينيك باستمرار كلمات رسالة رومية :

« الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس [ عهد سيناء ] بل تحت النعمة [ العهد الجديد ] » ( رو ٦ : ١٤ )..

كلما أحسست بالضعف تجاه خطية ما تذكر هذه الآية واُُشكر الرب من أجلها .. وإن أدركت فى وقت ما أنك مستعبد لخطية معينة فلتعترف أولاً لله بأنك سمحت لطبيعتك القديمة أن تتسلط عليك ثم أعلِن إيمانك بأنك فى العهد الجديد حتي تقدر أن تحطم قيود الخطية .. طالب الله بثقة أن يؤيدك بعمل الروح القدس حتي تهيمن طبيعتك الجديدة علي كل تصرفاتك .. تفكر بالذهن الجديد وترغب بالقلب الجديد ..

٢ ـ علاقـة مباشـرة

« وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً » ( إر ٣١ : ٣٣ )

ليس بلا مغزي أن يكرر الرب هذه العبارة فى أماكن عدة علي صفحات الكتاب المقدس فى سفر إرميا ( ٢٤ : ٧ ؛ ٣٠ : ٢٢ ؛ ٣١ : ١ ؛ ٣١ : ٣٣ ؛ ٣٢ : ٣٨ ) وفى سفر حزقيال ( ١١ : ٢٠ ؛ ٣٧ : ٢٧ ) وفى سـفر زكريا( ١٣ : ٩ ) .. فهو تعهد يعنى الكثير والكثير ، أن الله صار قريباً جـداً منا .. كان المؤمن فى العهد القديم يتكلم مع الله من بعيد ولهذا نسمع إشـعياء النبى يقول لله « حقـاً أنت إله محتجـب » ( إش ٤٥ : ١٥ ) ، وعندما طلب الله من موسي والشيوخ السبعين أن يقتربوا منه قال لهم « اسجدوا من بعيد » ( خر ٢٤ : ١ ) ..

لم يكن فى إمكان الإنسان فى العهد القديم أن يقترب مباشرة إلي الله بل كان محتاجاً إلى وساطة الذبائح الحيوانية والكهنة ، لكن فى لحظة موت الرب يسوع على الصليب انشق حجاب الهيكل الذى كان يُعبّر عن عدم استطاعة الإنسان فى العهد القديم أن يقترب إلي الله مباشرة بلا وسطاء .. لقد انشق الحجاب ليعلن أن العلاقة فى العهد الجديد صارت مباشرة بين الله والمؤمن ، بلا حواجز أو وساطة.. نحن شعبه وهو إلهنا لا يقدر شىء ما أن يهدم علاقتنا معاً لأنها جزء من العهد الذى تأسس علي الدم ..

كان الله بالنسبة للشعب فى العهد القديم هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب فقد قال لموسي « أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب » ( خر ٣ : ٦ ) .. أما فى العهد الجديد فهو بالنسبة لنا كما قال بولس فى رسالة أفسس :

  • « إله ربنا يسوع المسيح » ( أف ١ : ١٧ ) .. هذا بالنظر إلي ناسوت ( إنسانية ) الرب يسوع باعتباره ابن الإنسان الذى صار أخاً لنا بتجسده ..
  • « .. أبى ربنا يسوع المسيح » ( أف ٣ : ١٤ ) .. هذا بالنظر إلي لاهوت الرب باعتباره ابن الله المتحد مع الآب فى الجوهر ..

ما المعني ؟ .. الله صار قريباً منا لأنه يرانا « فى المسيح » .. يقبلنا « فى المسيح » .. ويحبنا « فى المسيح » .. لهذا فالعلاقة بيننا وبينه لا تحتاج إلي وسطاء ..

والآن اُنظر كيف أعلنت أسفار العهد الجديد عن الله فى علاقته بنا :

  • إله المحبة والسلام ( ٢ كو ١٣ : ١١ ) ..
  • إله كل تعزية ( ٢ كو ١ : ٣ ) ..
  • إله كل نعمة ( ١ بط ٥ : ١٠ ) ..
  • إله الرجاء ( رو ١٥ : ١٣ ) ..

وبكلمات أُخري صار الله فى علاقة مباشرة معنا ليمتعنا بحبه وسلامه وتعزيته وليعاملنا بكل نعمة وليملأ قلوبنا بالرجاء ، إننا شعبه وهو المسئول عن رعايتنا وقيادتنا وحمايتنا .. تُري هل هناك خطر يحدق بك؟ .. تذكّر ما فعلهآساف المرنم حينما أتي الخطر علي الشعب فرفع صوته إلي الرب مستغيثاً به مستنداً علي العهد :

« لا تُسلّم للوحش نفس يمامتك .. اُنظر إلي العهد »

( مز ٧٤ : ١٩ ، ٢٠ )

قُل له أنت أيضاً بثقة « اُنظر إلي العهد » وسيتمجد الرب فى إنقاذك .. فأنت من شعبه وهو إلهك وأبوك الذى ارتبط معك فى العهد الجديد ..

٣ ـ معرفة شخصية

لقد تعهد الله فى العهد الجديد بأن يُمتّع كل مؤمن بمعرفته المعرفة الشخصية الوثيقة .. يقول :

« ولا يعلّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفوننى من صغيرهم إلي كبيرهم »

( إر ٣١ : ٣٤ )

إنه لا يتحدث عن مجرد معرفة عادية به بل عن معرفة تتكون بسبب علاقة شخصية حميمة .. لقد تكلم الرب يسوع عن هؤلاء الذين سيرفضهم فقال « كثيرون سيقولون لى فى ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة . فحينئذ أُصرِّح لهم إنى لم أعرفكم قط . اذهبوا عنى يا فاعلى الإثم » ( مت ٧ : ٢٢ ، ٢٣ ) .. وبديهى أنه حين قال « لم أعرفكم قط » لم يقصد أنه لا يعرف أسماءهم أو سلوكهم ..كلا ، بل أنه لم تكن تربطه بهم علاقة شخصية مباشرة ..

لقد استخدم الوحى الكلمة العبرية «yada » للفعل « سيعرفوننى» وهى الكلمة التى استعملها الوحى لوصف العلاقة المباشرة الحميمة بين الزوج وزوجته ( تك ٤ : ١ ؛ ١٩ : ٨ ، ١ صم ١ : ١٩).. إنه من أعظم امتيازات العهد الجديد أن يعرف المؤمن الله معرفة حقيقية كأب له.. هذه المعرفة الحقيقية بالله لا يمكن مطلقاً أن تنالها نتيجة تدريبات ذهنية مضنية أو كثمرة للقسوة علي جسدك بل تحصل عليها مجاناً لأن الله تعهد بأن يمنحها لك فى بنود عهده الجديد معك ..

نعم فى اللحظة التى يولد فيها الخاطىء من فوق يصير ابناً لله ويبدأ فى معرفة الله بالروح القدس معرفة الابن لأبيه ، المعرفة الحميمة التى تجعله ينادى الله بهذه الكلمات « يا أبا [ الأب Father ] الآب » ( غل ٤ : ٦ ) حيث كلمة « أبّا » هى الكلمة الأرامية « abba » والتى كان ينادى بها الطفل أبيه (٢) .. لقد صرنا أطفال الله ، أولاده ولنا هذا الامتياز العظيم أن نتمتع بأُبوته .. أن نعرفه كأب لنا يدفئنا بمحبته الأبوية العجيبة .. وكم هى مفرحة كلمات الرسول يوحنا التى يخاطبنا بها قائلاً :

« أكتب إليكم أيها الأولاد لأنكم قد عرفتم الآب »

( ١ يو ٢ : ١٣ )

٤ ـ غفران شامل ونهائى

هذا هو تعهد الله الرابع فى عهده الجديد :

« أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد »

(إر ٣١ : ٣٤ )

ربما لو تُرِك لك أمر ترتيب ذكر تعهدات الله فى عهده الجديد لوضعت هذا التعهد بالغفران فى مقدمة التعهدات الثلاثة الأُخري لأن الغفران هو مدخل نوالك هذه التعهدات ، لكن الله أحكم منك بلا شك وقد اختار التعهد بغفران خطاياك بعد التعهدات الأُخري.. كم هو مناسب أن يأتى هذا التعهد فى آخر القائمة لأنه عهد يُطمئن المؤمن أنه لن يفقد أبداً تعهدات الله الثلاثة الأُولي فى أى وقت يسقط فيه فى الخطية .. فالله أبداً لن يعامله كخاطىء مذنب لم يولد من فوق .. نعم قارئى الحبيب احذر الانهيار متي حدث وسقطت، فهـذا التعهد الرابع يطمئنك كل الاطمئنان فالله قد تعهد « لا أذكر خطيتهم فيما بعد » .. لذا لن تفقد طبيعتك الجـديدة ( التعهد الأول ) أو علاقتك المباشرة مع الله ( التعهد الثانى ) كما لن تفقد معرفته كأب ( التعهد الثالث ) فستظل ابناً له ..

عندما ترجمت الرسالة إلي العبرانيين هذا التعهد إلي اللغة اليونانية فى الأصحاح الثامن صاغت عبارة « لا أذكر خطاياهم .. فى ما بعد » فى صيغة تأكيدية واضعة أداتين للنفى قبل كلمة « أذكر » ( عب ٨ : ١٢ ) (٣) ..ففى عهد سيناء كان المؤمن يتذكر خطاياه التى فعلها سنوياً فى يوم الكفارة ( عب ١٠ : ٣ ) .. أما فى زمن العهد الجديد فالخطايا تُنسي من الله نسياناً نهائياً ، فهو لا يذكرها أبداً لأن عقابها قد استوفي وديونها قد سُددت بصلبالرب يسوع .. تقارن الرسالة إلي العبرانيين بكل وضوح بين كلا العهدين عهد سيناء والعهد الجديد فى هذا الأمر فتقول :

« لأن الناموس [ عهد سيناء ] .. لا يقدر أبداً بنفس الذبائح.. التى يقدمونها علي الدوام أن يُكمّل الذين يتقدمون . وإلا أفما زالت تقدم [ أى أن تقديمها يؤكد أن ضمائرهم لم تُحرر من الإحساس بالذنب ] . من أجل أن الخادمين [ العابدين فى العهد الجديد ] وهم مُطهرون مرة [ بدم يسوع عندما قبلوه فى قلوبهم ] لا يكون لهم أيضاً ضمير خطايا » ( عب ١٠ : ١ ، ٢ ) ..

يا له من امتياز أن الله لا يذكر خطايانا وأنه لم يعد لنا ضمير خطايا يُعذّبنا بالإحساس المستمر بالذنب .. لكن ما معني أن الله لا يتذكر خطايانا ؟ .. هل من الممكن أن ينسي الله شيئاً ؟ .. بالطبع لا ، فالمقصود أنه لا يتذكر خطايانا باعتبارها تعديات عليه تجعله يحكم علينا بالهلاك الأبدى لأن هذا العقاب نُفِّذ بالكامل فى الرب يسوع بدلاً منا ..

الله لا يذكر خطايانا بمعني أنه لا يذكرها كقاضى باعتبارها تعدى عليه يتطلب معاقبتنا .. لكنه يذكرها كأب .. وكأب لا يتغاضي عن هذه الخطايا لذا يؤدبنا إذا لم نتب عنها ، فهو يحبنا ويريدنا أن نتجنب الخطية لكى لا نحصد نتائجها المرة وأيضاً لكى نحافظ علي استخدامه لنا ..

عهد الموت

كما أضاءت كلمة الله أمامنا حقائق العهد الجديد وأظهرت بركاته المجيدة فقد حذرتنا أيضاً بقوة من عهد الموت .. لقد سقط كثيرون سقوطاً مدمراً بدخولهم فى هذا العهد .. فبدلاً من أن يتمتعوا بقوة العهد الجديد وحمايته ومجده ، لجأوا إلي إبليس طلباً فى مساعدته أو تجنباً لشروره !! .. ذهبوا إليه من خلال استعانتهم بوسائله الخطرة مثل السحر الأسود والأبيض والعرافة وعن طريق قراءة الأبراج والكف والفنجان أو جلسات تحضير الأرواح واستعمال الأحجبة والتعاويذ وما يعتقدون أنه مضاد للحسد ( كالخرزة الزرقاء وحدوة الحصان وغمس كف اليد فى دم الحيوان ثم طبع صورتها الملوثة بالدم علي الحوائط والأبواب).. لقـد منعـت كلمـة الله كل هـذه الأُمـور بـآيـات صريحـة واضحـة ( تث١٨ : ١٠ ، ١١ ) .. ليس فقط لأنها أُمور خادعة تقدم مساعدة مؤذية بل أيضاً لأنها تعطى الحق لإبليس فى أن يُقيد الإنسان ويدمره ..

وبعض من هؤلاء انزلقوا إلي قاع هذه الهاوية الرهيبة بدخولهم فى عهد صريح مع إبليس بكتابة تعهداتهم بالولاء له بدمائهم ظانين أنهم هكذا سيسعدون ويحققون كل رغباتهم كما سيتجنبون إيذاءه .. لكن هيهات ، فهذا عهد للهلاك« لا ينجى الشر أصحابه» ( جا ٨ : ٨ ) .. لقد فعلوا مثل الذين دخلوا فى عهد مع عدوهم أيام إشعياء النبى فقال الله لهم « لأنكم قلتم قد عقدنا عهداً مع الموت وصنعنا ميثاقاً مع الهاوية . [ قائلين ] السوط الجارف إذا عبر لا يأتينا .. [ والنتيجة ] السوط الجارف إذا عبر تكونون له للدّوس » ( إش ٢٨ : ١٥ ، ١٨ ) ..

أيها الحبيب ، إن كنت قد لجأت إلي إبليس ليساعدك عبر وسائله السابقة أو دخلت فى عهد الموت معه فأنت بكل تأكيد قد ارتكبت خطية عظيمة جداً ذات نتائج وخيمة للغاية ووضعت نفسك بنفسك تحت سيطرته المدمرة .. هيا لا تتواني ، بإمكانك الآن أن توقف هذا التدمير .. ارفض بقلبك ما فعلت ، اعترف به لإلهك نادماً ثم استند علي قدرة دم الرب الثمين فى محوه التام لهذه الخطية.. ثم واجه إبليس بإيمان قائلاً له إننى أنقض عهدى معك بقوة الدم الثمين .. إنه دم العهد الجديد ، لقد فصلنى عنك إلي الأبد وأدخلنى فى عهد الله الجديد ..

هيا اتجه إلي إلهك وقل له إننى أُؤمن بالدم الثمين الذى سُفِك لأجلى.. إننى أُؤمن أنك مرتبط معى بالعهد الجديد ، ومع آساف أقول لك :

« اُنظر إلي العهد .. » ( مز ٧٤ : ٢٠ ) ..

بكل تأكيد ستعالج كل ما فعله إبليس معى ، وستعوضنى عنه أضعاف..

الآن وقد أتينا إلي نهاية هذا الفصل فلتسمح لى أن أدعوك أن تشكر من قلبك ربك ومخلصك من أحبك بلا حدود يسوع وسيط العهد الجديد الذى ذهب إلي الصليب ليسفك دمه كى ىدخلك فى هذا العهد الجديد ..

  • ليكتب الله وصاياه فى قلبك وذهنك حتي لا تفشل فى طاعته
  • وليصير الله قريباً منك فيمتعك بحضوره المُشبع والمفرح ويقوم برعايتك وحمايتك وتسديد احتياجاتك وقيادتك لتكون دائماً فى الارتفاع ..
  • ولتعرف الله معرفة اختبارية كأب لك ..
  • ولكى لا يذكر الله أبداً خطاياك ، فلا تفقد فى أى وقت بنوتك له .. ولا يكون لك ضمير خطايا يعذبك ..

حقاً ما أعظم الحياة حين تقضيها مستنداً علي هذا العهد ..