٩ لا تطرح ثقتك هو يحبك

 

"أحببتهم كما أحببتني"

هذه العبارة العظيمة هي مفتاح هذا الفصل..

لقد نطق بها الرب يسوع خلال حديثه مع أبيه السماوي المُتحد معه في مساواة تامة ووحدانية مطلقة..

والمناسبة هي ليلة الصلب، ليلة موته بديلاً عني وعنك، ليفدينا من الهلاك وليُعطينا حياة أبدية..

كم أحبنا الرب!! كم أحبنا بلا حدود!! في هذه الليلة تحدث مع أبيه بصفته وسيطنا الوحيد إليه.. كَلَمَةُ كنائب عنا وكشفيع لنا..

وخرجت من فمه هذه العبارة العظيمة "أحببتهم كما أحببتني" (يو١٧: ٢٣) لتذيع لنا هذا الخبر المذهل.. الآب السماوي، القدير (تك١٧: ١)، مالك السماء والأرض (تك١٤: ٢٢)، يُحبنا بنفس القدر الذي يحب به ابنه الوحيد يسوع المسيح (يو٣: ١٦)، ابن محبته (٢كو١: ١٣)، الذي في حضنه كل حين (يو١: ١٨)..

"أحببتهم كا أحببتني".. لولا أن الرب الأمين هو الذي قالها ما أمكنا قط أن نصدقها ولحسبناها مبالغة أبعد من تخيلنا، إذ كيف؟.. كيف تتساوى محبة الآب لابنه يسوع المسيح مع محبيته لنا، وليس من مجال للمقارنة.. نحن "تراب ورماد" (تك١٨: ٢٧)، ولسنا شيئاً.. وهو تبارك اسمه "قدوس القديسين" (دا٩: ٢٤).. "بهاء مجده [مجد الآب] ورسم جوهره" (عب١: ٣).. "الألف والياء" (رؤ١: ٨)، والذي فيه يقوم الكل" (كو١: ١٧)..

كيف؟!!

ما لم يخطر على قلب بشر، هذا أعلنه لنا الله بروحه.. في كلمته.. الآب السماوي لا يرانا أبداً بعيداً عن ابنه، بل دائماً فيه (أف١: ٤)، فيحبنا فيه، وبنفس القدر..

يرانا دائماً في ابنه يسوع المسيح

هذا التعبير العظيم "في المسيح" يذكره العهد الجديد مع مرادفاته أكثر من مئة وثلاثين مرة..

الرب يسوع بنفسه قال: "أنتم فيّ" (يو١٤: ٢٠)، هل تُصدقه؟

والرسول بولس وصف نفسه فقال: "أعرف إنساناً في المسيح" (٢كو١٢: ٢).. إذ ليس أعظم من هذه المكانة.. وعندما أرسل تحياته إلى نسيبيه قال عنهما: "قد كانا في المسيح قبلي" (رو١٦: ٧).. هذه الكلمات تبرهن على أن تعبير "في المسيح" يُطلق على الشخص المؤمن من لحظة ولادته ابناً للآب بالإيمان بالمسيح..

أنا في المسيح.. يالها من حقيقة راسخة، فهي لا تعتمد على قامتى الروحية.. الأطفال في الإيمان قال عنهم الوحي إنهم أيضاً "في المسيح" (١كو٣: ١) تماماً مثلما وصف البالغين (رو١٦: ٩، ١٠)..

أيها المؤمن، حينما وُلِدتَ من الروح (يو٣: ٨)، في التو صرت "في المسيح"..

هل تلذذ قلبك بهذه الحقيقة؟

لقد صرت في المسيح "باراً" (٢كو٥: ٢١)، و"مباركاً" (أف١: ٣)، و"مقدساً" (١كو١: ٣٠)، و"محبوباً" (رو٨: ٣٩)..

يحبنا لأننا في أبنه

يا لها من حقيقة مجيدة مُعزية جداً، نحن محبوبون من الآب لأنه يرانا في أبنه "في المسيح"..

هذا يعني أنها محبة ثابته لا تهتز لأنها "في المسيح"، وهي إلى الأبد ولا يقدر شئ أن ينتقص منها لأنها "في المسيح"..

فأعلن تصديقة لها وتمسكه بها بكلمات إيمانية عظيمة..

"لكننا في هذه جميعها [جميع الظروف] يعظم انتصارنا بالذي أحبنا، فإني مُتيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله [الآب] التي في المسيح يسوع ربنا" (رو٨: ٣٧- ٣٩)

محبة الآب لك هي محبة في المسيح ربك.. آه، بإمكانك أن تُعلن الآن مع الرسول بولس يقينك بأن المسيح يضمن ثباتها وانتصارها.. بإمكانك أن تقول الآن بملء الثقة:

"يعظم انتصاري بالذي أحبني..

لا أمور حاضرة.. ولا مستقبلة.. ولا شئ على الإطلاق يقدر أن يحرمني من هذه المحبة.. إنها في المسيح، فلن تهتز أبداً"..

يحبنا بقدر حبه لأبنه

وأدعوك أن تتوقف عن القراءة لبضعة دقائق تتأمل فيها هذه الحقيقة المذهلة التي في عبارة الرب الذهبية: "أحببتهم كما أحببتني" (يو١٧: ٢٣)

الآب السماوي يرانا في ابنه، فيحبنا بنفس قدر الحب.. حباً بلا حدود..

هللويا، فلن تقل محبته لي لحظة واحدة لأنها أبداً لن تقل ليسوع..

هللويا، ستظل محبته لي كما هي، بلا حدود.. في كل الظروف والأوقات..

الآب يحبني في ابنه.. الآب يحبني كمحبته لابنه.. هللويا..

أنا محبوب إلى الأبد.. القدير يحبني، القدير يهتم بي هللويا..

سيباركني جداً جداً لأنه يُحبني.. سيحفظني لأنه يُحبني.. سيقودني لأنه يُحبني.. وسيستخدمني استخداماً مجيداً لأنه يُحبني..

أيها القارئ الحبيب، إن كنت قد فتحت قلبك للرب، ووثقت أنه مات لأجلك، وأن دمه الثمين قد كَفر عن خطاياك، وإن كنت قد سلمته حياتك، فلك أن تتهلل وتهتف أنا في المسيح، ولي أن اتمتع بنفس قدر حب الآب للمسيح..

ارتباط الإيمان بإدراك الحب

هاجت العواصف، وبدا أن السفينة التي استقلها الرب مع تلاميذه على وشك الغرق..

كان الرب نائما، "فأيقظوه وقالوا له يا معلم أما يهمك أننا نهلك" (مر٤: ٣٨)..

كم أزعجت هذه الكلمات قلب الرب الرقيق.. كيف يشكون في محبته؟.. كيف يتصورون أنه غير مهتم بهم ولا يبالي بما يحدث لهم؟.. قال لهم: "ما بالكم خائفين هكذا، كيف لا إيمان لكم" (مر٤: ٤٠)

لم يكن لهم إيمان بالنجاه لأنهم لم يؤمنوا أن الرب يحبهم محبة خاصة وعظيمة.. حينما تهتز ثقتنا في محبة الرب لنا، سيهتز سلامنا، وسريعاً سنفقد قدرتنا على الانتصار.. وسيهزمنا الخوف..

الرسول يوحنا يكتب في رسالته قائلاً:

"لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة [محبة الرب لنا] تطرح الخوف إلى خارج لأن الخوف به عذاب وأما من خاف فلم يتكمل في المحبة" (١يو٤: ١٨)

تمتع بمحبة الآب الكاملة، المحبة التي يحب بها ابنه يسوع، ولن يقدر الخوف أن يستقر داخلك..

سيهرب ليفسح المجال للإيمان، للتمسك بوعود الرب الثمينة.. اختبر الرسول بولس هذه المحبة فكتب إلى تيموثاوس قائلاً:

"أية اضطهادات احتملت. ومن الجميع أنقذني الرب" (٢تي٣: ١١)

"لست أخجل لإنني عالم بمن آمنت وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي" (٢تي١: ١٢)

عالم بمن آمنت

لم يقل بولس إنني عالم بما أؤمن به من وعود..

لا شك أن الرسول كان يعرف الوعود وكان يتمسك بها، لكنه يتحدث هنا عن السبب الذي جعل إيمانه بالوعود لا يتزعزع.. إنه عارف بما يؤمن.. إنه عارف بصاحب الوعود.. إنه عارف بمن يضمن تحقيق الوعود.. عارف بالرب وبمحبته..

إنه يعرف الرب معرفة خاصة.. ويعرف أن الرب يحبه حباً فريداً لم يحبه به أحد قط..

أدرك بولس حب الرب العجيب له.. فقد كان مُجدفاً ومُضطهداً ومُفترياً (١تي١: ١٣)، ميتاً بالذنوب، مقضياً عليه بالهلاك الأبدي وكان يعمل مشية الجسد والأفكار حينما اعترضته المحبة الإلهية، وظهر له الرب ليمحو عاره وخطاياه وليقيمه من الموت ويجعله وارثاً للسماء.. وملأه بروحه ليستخدمه بقوة "كارزاً ورسولاً ومعلماً للأمم" (٢تي١: ١١)..

أدرك بولس هذه المحبة العظيمة التي أحبه بها الرب، لذا لم يهتز إيمانه قط بأن وعداً من وعود الحماية والقيادة والاستخدام لن يتحقق.. وَثَقَ أن الذي أحبه هكذا لن يُخجله أبداً.. لقد استودعه أيامه وحياته وكل ما يمتلك، وَوَثقَ أنه سيظل حافظاً وحارسهاً لها..

وأنت أيضاً عزيزي القارئ لقد أحبك الرب بذات الحب، ولك أن تكون كبولس واثقاً أنك لن تخجل.. وإن من مات لأجلك يضمن سلامك..

هل تريد أن تكون رجلاً في الإيمان؟.. أنت أولاً في احتياج إلى معرفة عميقة بالرب، ضامن تحقيق الوعود قبل أن تعرف الوعود نفسها لتتمسك بها..

عِش في شركة يومية مع الرب.. ادخل دائماً إلى عرش نعمته لتتحدث معه.. اشعر بقربه، تمتع بمحبته باستمرار.. اقرأ في كتابه بانتظام.. الروح القدس سيُنمي إدراكك لمحبته لك.. ستدرك محبته الكاملة التي تطرد كل خوف من داخلك..

وإذ ترى محبته الكاملة في كل الظروف، سيصير سهلاً عليك أن تحيا بالإيمان.. وإذا أتى عليك بغتة يوم شرير (أف٦: ١٣) أصبحت قادراً على الصمود والتمسك بالوعود التي تناسب الاحتياج..

أيها الحبيب، أياً كان ما يحدث معك، لا تطرح أبداً ثقتك في هذه المحبة العجيبة المدهشة الثابتة.. كم كان أيوب رائعاً في إيمانه كرجل من رجال الله حين أجاب على الأهوال التي أصابته بتأكيد ثقته في محبة إلهه له.. قال:

"هوذا يذبحني.. سأظل واثقاً فيه (KJV)" (أي١٣: ١٥)

إن ثقتنا في الحب، حبه هو لنا وليس حبنا نحن له، هي التي تصنع منا أبطالاً في الإيمان..

وصفحات هذا الفصل لم تُكتَب سوى لهذا الهدف، أن تزيد من إدراكك وإنشغالك بهذه المحبة لتصير بطلاً في الإيمان..

ستُحدثك عن الثقة في محبته لنا من خلال نقاط محددة..

  • أحبنا.. لقد أعطانا مكانة عظيمة..
  • أحبنا.. عطاؤه فوق التوقعات..
  • أحبنا.. يستخدم كل شئ لأجلنا..

سيدي..

تعال الآن بندى الروح القدس العجيب..

لتنعش به نفوسنا بالحديث عن الحب..

حبك أنت لنا..

أولاً: أعطانا مكانة عظيمة

لقد جَعَلَ الرب للمؤمن مكانة عظيمة، لأنه أحبه حباً عظيماً بلا مثيل..

اقرأ هذا المقطع الذهبي من الأصحاح الثالث والخمسين من سفر إشعياء، وهو الأصحاح الذي يتحدث عن أعظم صور الحب.. موت الرب يسوع لأجلي ولأجلك..

يقول إشعياء النبي..

"بين الأعزاء ومع العظماء [أي المؤمنين] يقسم غنيمة من أجل أنه سَكَبَ للموت نفسه" (إش٥٣: ١٢)

هذا يعني أنك صرت من الأعزاء والعظماء، لقد سَكَبَ للموت نفسه لكي يفتديك من الموت، وأيضاً ليجعلك عزيزاً وعظيماً..

لقد دَحَرَ فوق الجلجثة كل أعدائك، الخطية وإبليس وعالم الإثم، ثم دعاك أن تتمتع بغنائم انتصاره العظيم، كواحد من الأعزاء والعظماء!!

أيها الحبيب، كل ما فقدته بسب الخطايا أو بسبب قسوة إبليس أو أو خبثه، استرده الرب لك أضعافاً (زك٩: ١٢، أم٦: ٣١)..

افتح أُذنك لكلماته الدافئه التي يهمس بها إليك:

"صرت عزيزاً في عيني مُكرماً وأنا قد أحببتك" (إش٤٣: ٤)

ما أقواها كلمات!!.. استقبلها داخلك.. إنها قادرة أن تُحَررك من أي صغر نفس..

هل تعلم، لقد صارت لك بسبب موت المسيح مكانة أعظم من أية مكانة بَلَغها مَلِك في العهد القديم، حتى لو كان داود نفسه.. أو كاهن حتى ولو كان هارون..

لا تندهش، فهذا ما أعلنه الرب على نحو لا يترك مجالاً للشك..

"الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه" (مت١١: ١١)

هللويا، أصغر مؤمن في العهد الجديد هو أعظم من يوحنا المعمدان الأعظم من كل رجال العهد القديم..

فمن أية زاوية اعتبُر يوحنا أعظم من كل رجال العهد القديم؟.. أليس بسبب قربه للرب ورؤيته له كحمل الله (يو١: ٢٩)؟.. أنت في هذا أعظم من يوحنا..

أنت لم تقترب من الرب فقط، أنت صرت فيه (يو١٤: ٢٠).. أصبحت عضواً من أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه" (أف٥: ٣)..

أنت لم تراه فقط ذبيحة "حمل الله".. أنت تمتعت بهذه الذبيحة.. تطهرت بدمائها (١يو١: ٧) وأكلت منها (يو٦: ٥١)..

يالمحبته العجيبة، فلولاها، لولا موته بديلاً عنا، ما صرنا أعظم من يوحنا المعمدان، وما كنا لنوجد فيه لنصبح ملوكاً مكانتنا أعظم من داود، وكهنة مكانتنا أعظم من هارون..

ألا نعظمه جداً من أجل هذه المحبة؟!.. ألا نمجده بكل كياننا؟!.. ألا نهتف له من قلوبنا؟!.. ألا نضم أصواتنا إلى الأربعة وعشرين شيخاً، نعزف مثلهم بقيثارات قلوبنا لنرنم له بنشوه وفخر:

"مستحق أنت.. لأنك ذُبِحتَ واشتريتنا لله بدمك.. وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة" (رؤ٥: ٩، ١٠)

ياللمجد، أنت في المسيح ملك عظيم..

وأنت في المسيح كاهن عظيم..

وكلتا الوظيفتين، الملك والكاهن، لهما علاقة وثيقة بحياة الإيمان والتمسك بالوعود..

أنت ملك عظيم في مواجهتك المنتصرة مع إبليس، الذي يجتهد أن يعوق تحقيق الوعود التي تؤمن بها..

وأنت كاهن عظيم في قدومك لعرش الله، لكي تطلب هذه الوعود فتنالها..

ملك عظيم "في المسيح"

كَتَبَ الرسول بولس عن قوتنا في حروبنا مع إبليس وجنوده، وشرح تفاصيل السلاح الذي ندخل به المعارك في الإصحاح السادس من رسالة أفسس.. أما في الإصحاحين الأول والثاني فَتَحدث عن مكانتنا العظيمة والتي على أساسها نحمل السلاح..

إن مكانتا هي "في المسيح"، ولأن المسيح جالس في السماويات (أف١: ٢٠) فنحن نُحسب جالسين معه في السماويات [السماء الثالثة].. أي أعلى جداً من مملكة إبليس التي تقطن عالم الهواء [السماء الأولى] (أف٦: ١٢)..

نعم نحن لا نزال نسير على الأرض التي يحيط بها الهواء، لكننا مع هذا لا نحارب كمواطنين أرضيين بل كملوك يحملون جنسية السماء.. "سيرتنا نحن [جنسيتنا (KJV) هي في السموات" (في٣: ٢٠).. إننا نحارب العدو من مكانة أعلى..

تُسجل لنا كلمة الله هذه الحقيقية المشرقة في الأصحاح الثاني من رسالة أفسس..

"بالنعمة أنتم مُخلصون. وأقامنا معه [مع المسيح] وأجلسنا معه [لاحظ زمن الماضي] في السماويات" (أف٢: ٥، ٦)

هل أدركت عظيمة هذا الامتياز؟! إنه بسبب كوننا في المسيح، نُحسب ملوكاً جالسين في السماويات؟.. لقد ارتفعنا "فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة" (أف١: ٢١)..

وهل تُحارب قوى الظلمة بإحساس الملك القوي المنتصر؟.. أنت ملك عظيم في المسيح الملك الأعظم، وبهذه المكانة يجب أن تحارب..

وهل أدركت جبروت الصولجان الذي تحمله؟.. إنه اسم الرب يسوع، فقد أعطاه لك الرب لتحمله وتُلوح به للعدو متى ظهر أمامك.. ما أقوى هذا الأسم!! لن يحتمله العدو متى نطقت به بإيمان.. سيفزع، سيرتعب ويهرب..

تأمل، لقد حاول روح عرافة أن يضايق الرسول بولس، فكيف واجهه؟.. هل بتقواه؟.. كلا.. هل باسم موسى أو إيليا؟.. أيضاً كلا، مع إنهما من أعظم الأنبياء.. كان بولس يعرف جيداً الأثر المدمر للصولجان الذي يحمله ضد العدو.. كان يعرف أن اسم يسوع"فوق كل اسم" (في٢: ٩)، فاستخدمه.. لقد قال لروح العرافة: "أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (أع١٦: ١٨)..

واجه أنت أيضاً إبليس مؤمناً أنك ملك لك سلطان عليه، واستخدم الصولجان بثقة.. انتهره باسم الرب يسوع..

قُل بإيمان: "آتى بجبروت السيد الرب" (مز٧١: ١٦).. إن لنا هذا الوعد الذهبي "هذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي" (مر١٦: ١٧)..

لقد وُلِدتَ ملكاً لتغلب.. "كل من وُلِدَ من الله يغلب العالم" (١يو٥:٤).. هللويا..

كاهن عظيم في المسيح

في ذات اللحظة التي أسلم فيها الرب روحه، وَقَعَ في الهيكل حدث هائل وبلا نظير: يخبرنا إنجيل متى:

"وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل" (مت٢٧: ٥١)

ويصف إنحيل لوقا نفس الحادثة قائلاً:

"وانشق حجاب الهيكل من وسطه" (لو٢٣: ٤٥)

في ذات لحظة موت الرب تحول حجاب قدس الأقداس الذي كان مغلقاً دائماً إلى باب مفتوح لنا إلى الأبد..

الحجاب، وهو قطعة قماش معلقة على أربعة أعمدة، كان مُقاماً ليغلق الطريق إلى قدس الأقداس، وليحجب عن النظر تابوت العهد الذي في وسط قدس الأقداس والذي يشير إلى عرش الله..

يُعَبر الحجاب عن عدم استحقاق الإنسان للاقتراب المباشر إلى عرش الله.. فبسبب خطية آدم، فَقَدَ الإنسان هذا الامتياز وصار في احتياج دائم إلى الوساطة لكي يقترب إلى الله.. في احتياج إلى وساطة الطقوس والذبائح الدموية والكهنة..

بسبب الخطية لم يعد للإنسان امتياز الاقتراب المباشر إلى العرش، لذا نسمع إشعياء النبي يخاطب الله قائلاً: "حقاً أنت إله محتجب" (إش٤٥: ١٥).. وعندما طلب الله من موسى والذين معه أن يصعدوا إليه، قال لهم: "اسجدوا من بعيد" (خر٢٤: ١)..

لكن في لحظة موت الرب حدثت المعجزة، وتغير كل شئ.. لقد انشق الحجاب..

سَدَدَ الرب كل ديوننا فألغى كل الحواجز.. يا له من خبر سار!! لقد أزال دمه المسفوك قوة الخطية التي تعوق اقترابنا إلى العرش..

لقد انشق الحجاب كعلامة على أن الدخول إلى العرش صار امتيازاً لجميع المؤمنين.. وانشق طولياً، من فوق إلى أسفل وليس من أسفل إلى فوق، لأنه عمل من جانب واحد قام به الرب وليس الإنسان.. لقد قام به لأجلنا مجاناً لأنه أحبنا..

لقد انشق الحجاب من أعلى إلى أسفل بالكامل، فلم يترك الرب لنا شيئاً ولو صغيراً لنفعله للتكفير عن خطايانا..

ويقول إنجيل لوقا إنه انشق من الوسط (لو٢٣: ٤٥).. لقد كان الحجاب مثبتاً على أربعة أعمدة، فانشقاقه في الوسط من أعلى إلى أسفل يعني أن المساحة المتوسطة منه التي بين العمودين الداخليين هي التي انفتحت لتكون باباً..

يا له من مغزى عميق!! فالباب تَكون تماماً أمام تابوت العهد الذي في وسط قدس الأقداس..

لم ينشق الحجاب في الجنب، فالطريق إلى العرش الإلهي صار الآن طريقاً مباشراً.. لا توجد طرق جانبية.. لا يوجد مجال للوساطة البشرية من أي نوع..

أيها الحبيب، لقد كان من حق رئيس الكهنة في العهد القديم أن يدخل مرة واحدة في السنة إلى قدس الأقداس بترتيب معين وبطقوس كانت لابد وأن تتم بكل دقة.. أما أنت فلك امتياز أن تدخل إليه مباشرة في أي وقت تشاء، وبلا شروط طقسية محددة من أي نوع..

اقرأ معي هذه العبارات الذهبية من الرسالة إلى العبرانيين التي تنطق بهذه الحقيقة..

  • "فإذ لنا أيها الأخوة [لنا نحن مؤمنو العهد الجديد] ثقة [في اللغة اليونانية تعني أيضاً دالة وجرأة](٤٢) بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع.. لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير" (عب١٠: ١٩، ٢٢)
  • "لنتقدم بثقة [بلا خوف] إلى عرش النعمة [فلم يعد بالنسبة لنا عرش دينونة يقضي علينا] لكي ننال [وليس مجرد أن نطلب] رحمة ونجد نعمة عوناً في حينه [لن تتأخر أبداً]" (عب٤: ١٦)

هل تؤمن؟

أيها المؤمن، يا من افتُديت بالدم الثمين، هل أدركت عظمة هذا الامتياز؟.. لقد جعلك الرب كاهناً (رؤ١: ٦) ذا مكانة عظيمة.. لك الحق أن تدخل إلى عرش الله في أي وقت تشاء بلا وساطة بشرية، لكي تتحدث معه بدالة وبلا خوف، وبثقة أنه أبوك الذي يحبك بلا حدود..

وهل تؤمن بما أعلنته كلمة الله، أن الدم الثمين قد طهر قلبك من الضمير الشرير (عب١٠: ٢٢)، ضمير الخطايا المزعج (عب١٠: ٢).. الضمير الذي يُشعر صاحبه بالذنب فيُضعف من ثقته في استجابة الرب لصلواته..

هل تؤمن بأن الدم الثمين قد حررك من هذا الضمير؟.. وهل تدخل إلى حضرة الآب السماوي ككاهن مبرر في المسيح، ولا يوجد هناك ما يعوق سلامك مع الله أو يمنع تلذذك بالشركة معه كأب؟

آمن بما فعله دم المسيح.. آمن أنك كاهن في المسيح..

آمن بما فعله الدم.. آمن بأن لك ضميراً مُطهراً، مُحرراً من الإحساس بالذنب.. ثم تعال إلى العرش الإلهي، عرش النعمة..

فإن كنت تشعر بنقص في الفرح أو التعزية.. ادخل حالاً إلى العرش.. لا تؤخر فسيفيض في داخلك بأفراح حقيقية وتعزيات قوية..

وإن كانت الهموم تهاجمك، تريد أن تُطفئ لمعان إيمانك.. هيا تقدم بثقة إلى العرش.. ستنتعش وسيشجعك بقوة في نفسك..

وإذا كنت ضعيفاً عاجزاً عن الصمود أمام هجمات العدو الشرسة.. تعال أيضاً إلى حضرة القدير.. هيا استبدل ضعفك بقوة من المسيح..

"فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علي قوة المسيح.. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (٢كو١٢: ٩، ١٠)

أيها الحبيب، كم هو ضروري جداً أن نتمتع بهذا الامتياز، أن نتواجد كثيراً في أقداس السماء كي نتقوى وننتصر في مصارعتنا مع أجناد الشر الروحية.. في الأصحاح السادس من رسالته إلى أفسس بعد أن تحدث الرسول بولس عن أجزاء السلاح الذي نحارب به، أضعاف قائلاً: "مُصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح" (أف٦: ١٨)..

كل وقت، أي كلما توفرت لنا الفرصة.. لننتهز كل فرصة متاحة لندخل إلى الأقداس ونتقدم إلى عرش النعمة.. هناك يُزال تعبنا وإعياؤنا، وتُجدد قوتنا وإيماننا.. وتُسمع صلواتنا وطلباتنا..

في الأقداس وأمام العرش، نمتلئ بحرارة الروح.. وفرح الروح.. وقوة الروح..

فما سر القوة التي كانت للكنيسة الأولى، أليس لأنها كانت مشغوله بالدخول المستمر إلى الأقداس؟.. حينما تحدث الرسل عن مشغولياتهم قالوا: "أما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة" (أع٦: ٤).. لقد ذكروا الصلاة قبل خدمة الكلمة، لأنه لم تكون هناك خدمة كلمة فعالة في الكرازة أو في التعليم إن لم يسبقها دخول للأقداس..

لندخل إلى الأقداس لكي نمتلئ قوة.. ولكي ما يرتفع إيماننا.. حينما فَشَلَ التلاميذ في إخراج الأرواح الشريرة القوية التي كانت في الولد المصاب بالصرع، وَضَحَ الرب السبب، إنه قلة إيمانهم (NIV، RSV) (مت١٧: ٢٠)، وقَدَم لهم العلاج، الصلاة والصوم(مت١٧: ٢١)..

الصلاة والصوم ترفعان الإيمان.. ففي الصوم نعلن إنكارنا لذواتنا ونتخلص من اعتمادنا على قوتنا الخاصة التي تُضعفنا.. وفي الصلاة، في الدخول إلى الأقداس نتحرر من الشك ونمتلئ بالإيمان..

لقد جعلنا الرب كهنة لهم مكانة عظيمة.. فلنتمتع بهذا الامتياز، فهكذا يقوى إيماننا..

احمل الوعود إلى الأقداس

وإذ ندخل إلى الأقداس، نعلن للآب تمسكنا بالوعود التي أعطاها لنا في الكلمة.. وإذ نطالبه بتحقيقها، فهذا يعني إننا نصلي بحسب مشيئته..

وما النتيجة؟ لنقرأ بفرح هذه الآيات الثمينة..

"إن ثبتم في وثبت كلام [بما فيه من وعود] فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم" (يو١٥: ٧)

"وهذه هي الثقة التي لنا عنده أنه إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا. وإن كنا نعلم أنه مهما طلبنا يسمع لنا نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها منه" (١يو٥: ١٤، ١٥)

أيها الحبيب..

هل تصلي بحسب الكلمة، أم أن نشأتك الدينية عودتك أن تصلي بطريقة نمطية، تكرر نفس الكلمات في كل مرة؟.. رسالة يعقوب تقول لكثيرين: "لستم تمتلكون لأنكم لاتطلبون" (يع٤: ٢)..

الرب، أب عظيم في محبته، وفي تفهمه لاحتياجك ولضعفاتك وكل ظروفك.. يريدك أن تمتلك، مكتوب إنه "يهب خيرات للذين يسألونه" (مت٧: ١١)..

أتريد أن تمتلك الخيرات؟.. إسأل أبيك السماوي، ادخل إلى الأقداس لتطالبه بتحقيق وعوده..

اصغ إلى الكلمة جيداً، وانتبه كل الانتباه إلى وعودها التي لها علاقة بما يجري الآن في حياتك.. ثم احملها معك إلى الأقداس حيث عرش النعمة..

تكلم بتحقيق هذه الوعود.. قُل له إنها مشيئتك المعلنة في كلمتك التي لا تسقط أبداً (يش٢١: ٤٥)..

طالبه باسم الرب يسوع.. في القديم كان الله يبارك وينقذ ويشفي من أجل إبراهيم (تك٢٦: ٢٤)، وداود (٢مل٢٠: ٦، إش٣٧: ٣٥).. وكانت الصلوات تُرفع له باعتباره إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب (خر٣: ٦)..

وإله داود (٢مل٢٠: ٥)..

أي امتياز لك!! أنت لست في العهد القديم.. أنت في العهد الأعظم والأسمى والأفضل، أنت في العهد الجديد.. وقد صارت لك بسبب هذا العهد مكانة أعظم من مكانة كل رجال العهد القديم.. فلن تُستجاب صلواتك من أجل أسماء بشرية، مهما كانت عظيمة كإبراهيم وداود.. بل من أجل الاسم الذي هو "فوق كل اسم" (في٢: ٩).. من أجل اسم الرب يسوع الذي قال: "الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبيتم من الآب باسمي يعطيكم" (يو١٦: ٢٣).. ولن تُشفى من أجل اسم عظيم كداود بل من أجل الاسم الأعظم، اسم الرب يسوع (يع٥: ١٤)..

وفكر معي، لم يقل أحد في العهد الجديد إنه صلى إلى إله إبراهيم أو إله داود، وها هو بولس يقول لنا: "بسبب هذا أحني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح [يسوع باعتباره ابن الله] (أف٣: ١٤) "كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح [يسوع باعتباره ابن الإنسان الإله الذي صار أخاً لنا بالتجسد]" (اف١: ١٧)..

يا له من امتياز!! نحن لا نصلي إلى إبراهيم، الله كما عرفه رجال العهد القديم.. بل إلى الإله كما عرفناه في العهد الأفضل، العهد الجديد.. ولا نطلب باسم إبراهيم أو أي اسم آخر من المؤمنين القديسين العظماء بل باسم قدوس القديسين، راع الخراف الأعظم، يسوع المسيح.. ولأننا نصلي ونطلب باسم الرب يسوع، فإن صلاتنا تطلق قوة الله لتصنع العجائب، ولا توجد دائرة لا تقدر أن تؤثر فيها..

آه يا رب ما أكرم أفكارك، وما أعظم محبتك!!

وما هذا الذي صار لي بسبب فداء ابنك..

رفعتني من المزبلة، لتجعلني لك ملكاً وكاهناً في ابنك يسوع..

ملكاً يرعب مملكة إبليس، وكاهناً يدخل أقداسك ليتحدث معك..

"جعلت سروراً في قلبي" (مز٤: ٧)..

ودائماً "تزيد عظمتي" (مز٧١: ٢١)..

ثانياً: عطاؤه فوق كل التوقعات

"أحببتهم كما أحببتني"

ومرة أخرى نقرأ هذه العبارة الذهبية التي نطق بها الرب.. كم تُفرحنا!! كم تُعزينا، كم تُشجعنا وتُطمئنا وتقوي إيماننا!.. فالآب السماوي يحبنا مثلما يحب ابنه الوحيد، لأنه يرانا فيه..

وهذا مظهر ثاني من مظاهر حبه العظيم لنا.. إن عطاؤه لنا يفوق كل توقعاتنا، وبلغة الكلمة نفسها "أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر" (أف٣: ٢٠)..

أيها الحبيب، لا تستكثر على نفسك أن يعطيك الرب هبات عظيمة فوق المتوقع فهو لن يعطيك شيئاً بسبب استحقاقك الشخصي بل بسبب حبه العظيم الذي أحبك به..

البعض حينما يقرأون وعداً من وعود الكلمة، ويجدونه بعقولهم صعب التحقيق ويتطلب إيماناً فائقاً ليس لهم، يهربون من مواجهة ضعفهم.. وبدلاً من أن يعترفوا بضعف إيمانهم، ويأتوا إلى الرب مُكمل الإيمان (عب١٢: ٢).. بدلاً من أن يلهجوا في الوعد وينشغلوا به حتى يمتلكوا الإيمان به، يهربون بمحاولة تفسير الوعد تفسيراً غير أمين ليجعلونه سهل التحقيق، مقبولاً لعقولهم الجسدية..

كم يخطئون، فالرب يحبهم ويريد لإيمانهم أن ينمو، لا تكن غير أميناً، لا تقبل أن تفهم وعد الرب بفكرك الخاص لمجرد أنك لا تجد في داخلك إيماناً كافياً..

لا تفهم وعود الرب على نحو يقلل من عظمتها، هذا أمر يعارض ثقتك في محبته التي تريدك عظيماً في الإيمان..

قصة

قضى بطرس ورفقاؤه ليلة سيئه للغاية.. بذلوا كل جهد، ووصلوا إلى نهاية قدراتهم ولم تحظ شباكهم بسمكة واحدة..

غسلوا الشباك مُعلنين اقتناعهم بفشلهم وعجزهم عن المواصلة..

وأتى الرب إليهم، فماذا حدث؟.. ذات القارب وذات المياه، لكن ما أبعد النتائج!!.. من لا شئ بعد ليل طويل مضى إلى سمك كثير جداً وبمحاولة واحدة فقط للصيد..

قال الرب لبطرس: "ابعد إلى العمق وألقوا [أي أنت ورفقاؤك] شباككم [وليس شبكة واحدة] للصيد" (لو٥: ٤)..

أجابه بطرس: "على كلمتك ألقة [أنا بمفردي] الشبكة [في المفرد]" (لو٥:٥).. لم يكن بطرس مُدققاً في قوله "على كلمتك"، فكلمه الله لم تقل له ألق بمفردك شبكة واحدة..

لقد رأي بطرس أنه أمر خيالي تمتلئ كل الشباك بالسمك بعد كل هذه المحاولات الفاشلة التي بذلها هو ورفقاؤه طوال الليل.. نعم، هو لم يرفض كلمة الرب تماماً إلا أنه حَرفها من أمر بإلقاء كل الشباك إلى أمر بإلقاء شبكة واحدة..

أيها القارئ، لا تَلُم بطرس، فأحياناً نرتكب نفس الخطأ.. يعطينا الرب وعداً من كتابه وإذ نراه أكثر جداً من المتوقع نتدخل بأذهاننا ونفسره تفسيراً غير أمين يجعله قريباً من الواقع.. آه لو أدركنا كم يحبنا الرب، لعرفنا إنه دائماً يفعل لنا أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر..

أخطأ بطرس وألقى شبكة واحدة فقط، فماذا حدث؟

"ولما فعلوا ذلك أمسكوا سمكاً كثيراً جداً فصارت شبكتهم [بالمفرد] تتخرق فأشاروا إلى شركائهم الذين في السفينة أن يأتوا ويساعدوهم" (لو٥: ٦، ٧)

في قصة أخرى مثيله لم يطلب الرب من بطرس أن يلقي كل الشباك بل شبكة واحدة، لقد كان الوحي حريصاً أن يسجل عن هذه الشباك أنها لم تتخرق..

"فصعد سمعان بطرس وجذب [بمفرده] الشبكة إلى الأرض ممتلئه سمكاً كبيراً.. ومع هذه الكثرة لم تتخرق الشبكة" (يو٢١: ١١)

لقد تخرقت الشبكة في القصة الأولى ولم تتخرق في القصة الثانية، لأن السمك في الأولى لم يكن لشبكة واحدة، فقد كانت كلمة الرب: "ألقوا الشباك [وليس شبكة]" لذا لم تحتمل الشبكة الواحدة وتخرقت..

إن عدم دقتنا في فهم كلمة الرب وانتقاصنا مما تخبرنا به من وعود قد يُفسد الشبكة، وقد يأتي لنا ببعض الخسائر..

خُذ كلمة الرب كما هي، ولن تتخرق لك شبكة واحدة..

حينما نحيا بالإيمان، ونأخذ كلمات الرب كما هي ونثق في حبه العظيم لنا، لن يملأ الرب فقط جميع شباكنا بل سيحافظ عليها.. لن يُسدد فقط احتياجاتنا المتنوعة بل أيضاً سيحرسنا..

أيها الحبيب، هل يستخدمك الرب كشبكة لربح أو للمساعدة في ربح النفوس؟.. ثق أن استخدام الرب لك لن يكون في اي وقت لإيذائك.. مكتوب "ولا يضركم شئ" (لو١٠: ١٩).. إن نير الرب هين وحمله خفيف، ثق إن شبكتك لن تتخرق بسبب هذه النفوس..

لا تطرح أبداً ثقتك في محبة الرب العظيمة وفي عطاء الرب العظيم وفي حماية الرب العظيمة.. سيملأ كل احتياجاتك وسيحفظك بحماية خاصة..

لا تقللي

هذه العبارة قالها إليشع إلى الأرملة التي أتت إليه صارخة، مستنجدة طالبة إنقاذاً لإبنيها.. لقد أتى المرابي ليأخذهما عبدين بسبب الديون..

قال لها أليشع: "استعيري لنفسك أوعية فارغة.. لا تقللي" (٢مل٤: ٣).. شجعها أن تأتي بأكبر عدد من الأوعية، كان له الإيمان أنه مهما كثر عددها فسوف تمتلئ كلها بالزيت.. وكلما ازداد كلما أتى بمبلغ أكبر لإنقاذ ابنيها ولمعيشتها..

الرب يقول لك: "لا تقلل أنت أيضاً أوانيك التي تحضرها إلى فارغة.. لا تقلل شباكك.. إنني أُحبك جداً، وسأملأها جميعاً"..

إن ثقتنا في محبة الرب لنا تجعلنا نثق أن عطاءه لنا عظيم يسدد كل إحتياجاتنا، أكثر مما نفتكر..

هل تؤمن بهذا؟.. تعال معي نرنم له مع داود، بفرح وابتهاج:

"أمامك [في حضورك] شبع سرور في يمينك [حيث وضعتنا بالقرب منك] نِعَم إلى الأبد" (مز١٦: ١١)

ثالثاً: يستخدم كل شئ لأجلنا

هذا مظهر ثالث من مظاهر محبته العظيمة التي أحبنا بها.. أنه يستخدم كل شئ لأجل راحتنا وحمايتنا، وتسديد احتياجاتنا.. وأيضاً لأجل نمونا في علاقتنا معه، ولكي يستخدمنا استخداماً عظيماً..

إنه مستعد أن يزلزل الدنيا، وأن يغير الأحداث بل والتاريخ من أجل أصغر مؤمن فينا (مز٢٢: ٢٤)، متى كانت هناك ضرورة لذلك..

هذا ما تعلنه الكلمة الصادقة وبكل وضوح.. على سبيل المثال اقرأ هذا المقطع من مزمور١٨، وتأمل ما فعله الرب لأجل داود..

"في ضيفي دعوت الرب.. فسمع من هيكله صوتي..

فارتجت الأرض وارتعشت أسس الجبال ارتعدت وارتجفت لأنه غضب.. طأطأ السموات ونزل.. أرعد من السموات.. أرسل سهامه فشتتهم" (مز١٨: ٦-١٤)

الرب يزلزل الجبال من أجل داود، فإن كانت الجبال الشامخة الراسخة قد تزلزلت فهذا يعني أن أي شئ آخر يتزلزل من أجل خير المؤمن..

الرب يحبنا حباً عظيماً لذا فهو يُحرك كل شئ من أجلنا.. ثق أنه يستخدم كل الظروف المحيطة بك حتى أعدائك من أجلك، فأنت ثمين جداً في عينيه.. لا تنس أنه يراك دائماً في ابنه يسوع ويحبك بنفس المحبة التي يحبه بها..

يستخدم الكل لأجلك

من أجل أن يعلم الرب يونان أعظم الدروس استخدم الدودة الصغيرة مع الحوت الضخم (يو٤: ٦، ١: ٤).. إنه يستخدم لأجلك أصغر الأشياء وأكبرها.. أضعف الأمور وأقواها.. تأمل معي..

  • كيف استخدم دموع موسى الرضيع، وهي تعبير عن منتهى الضعف والعجز، لينقذه بها من الموت غرقاً في البحر.. لقد حركت الدموع أحشاء ابنه فرعون (خر٢: ٦) فرقت له وتبنته، وفي الحال تحول قصر العدو القاسي الذي كان يُطالب بقتل موسى إلى مكان آمن لحمايته ورعايته..
  • وكيف استخدم الرب الأحلام.. أحلام كل من فرعون وساقيه، لكي في قفزة واحدة يُصعد يوسف من السجن إلى العرش ومن المذله إلى المجد..
  • وكيف استخدم من أجل مردخاي أمرين مدهشين جداً.. النسيان والأرق من النوم، ليكون سبباً في تكريمه وتبجيله.. ومتى؟ في وقت دبرت فيه قوى الظلمة كل شئ من أجل إهانته وإذلاله..

ففي ليلة نفس اليوم الذي عمل فيه هامان الوزير الأول الخشبة ليصلب عليها مردخاي، طار النوم من أحشويرش الملك فطلب أن يشغل وقته بالاستماع إلى أخباره السابقة المدونة.. وقاده الاستماع إلى تذكر ما فعله مردخاي من أجله..

تذكر الملك أن مردخاي هو الذي أبلغ في وقت سابق عن مؤامؤة دُبرت لقتله.. وسأل الملك وعَرَفَ أحداً لم يتذكر أن يكافئ مردخاي، فأمر بإكرامه فوراً.. أمر أن يلبسوه الثياب السلطاني ويضعوا التاج الملوكي على رأسه، ويركبوه على الفرس ويسيروا به في ساحة المدينة منادين قدامه بكرامته (استير٦)..

ما أعظم حب الرب!!.. يستخدم كل شئ لأجل أولاده.. بل إنه يستخدم أيضاً الأحداث السياسية من أجلهم.. وإليك مثال على ذلك..

أصدر حاكم رومية أمراً بترحيل اليهود من مدينته، فتسبب هذا في انتقال أكيلا وبريسكيلا إلى كورنثوس.. تأمل، لقد ذهبا إليها في الوقت المناسب تماماً ليكونا في استقبال الرسول بولس، ليستضيفاه في بيتهما.. ليكونا لحمايته وليضعا عنقيهما من أجل حياته(رو١٦: ٣)..

لقد استخدم الرب قرار حاكم رومية ليريح بولس وليحميه.. وبكل تأكيد سيفعل هذا الأمر معك، ما دمت تؤمن، سيستخدم من أجلك قرارات من لهم سلطة لأجل راحتك وحمايتك..

أيها الحبيب، ثق إن قلوب الملوك وجميع اللذين لهم منصب هي في يد إلهك يحركها بذات السهولة التي يُحرك بها المياه (أم٢١: ١).. إنه يحركها من أجل خيرك.. لسلامتك ولاستمرار استخدامه لك لإتمام مقاصده..

لقد آمن الرسول بولس بهذه الحقيقة، لهذا طَلَبَ من المؤمنين أن يُصلوا من أجل حكامهم..

"فأطلب أول كل شئ أن تقام طلبات [صلوات لأمور محددة] وصلوات [صلوات لأمور عامة] وابتهالات [تشفعات] وتشكرات لأجل الملوك [الرؤساء] وجميع الذين هم في منصب لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار. لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (١تي٢: ١-٤)

الرسول بولس يطالبنا بالصلاة من أجل الحكام حتى يستخدمهم الرب لتوفير حياة مطمئنة هادئة تسمح لنا بالعمل لخلاص جميع الناس..

ولم يكن الرسول بولس ليطالبنا بذلك لو لم تكن هذه هي مشيئة الرب..

يخبرنا سفر دانيال عن الثلاث فتية الذين كانوا مسبيين في بابل أنهم "غيروا كلمة الملك" (دا٣: ٢٨)..

هل اتخذ الذين في السلطة قرارات لا تعمل لخيرك، لا تساعد على حياة مطمئنة هادئة أو تعطل استخدام الرب لك في الخدمة؟.. بإمكانك، نعم بإمكانك أن تُغير كلام الملك..

تمسك بالإيمان بأن الرب يستخدم الملوك من أجلك، واقرأ معي هذه الآيات القوية التي ختم بها الرسول بولس الأصحاح الثالث من رسالته الأولى إلى كورنثوس..

"فإن كل شئ لكم.

أبولس أم أبلوس أم صفا [جميع نوعيات الخدام] أم العالم [الخليقة]

أم الحياة [بكل ظروفها المتنوعة]

أم الموت [هو أيضاً لك لأنه معبرك إلى حياة أعظم]

أم الأشياء الحاضرة أم المستقبلة

كل شئ لكم.

وأما أنتم فللمسيح" (١كو٣: ٢١، ٢٢)

هل لاحظت أن يكرر عبارة "كل شئ لكم".. التكرار للتأكيد.. الرب أحبك جداً جداً وجعل كل شئ لك.. لا يوجد شئ ضدك.. ثق أنه يستخدم كل شئ لخيرك..تذكر أنه يحبك مثلما يحب ابنه لأنه يراك دائماً فيه..

  • أعطاك مكانة عظيمة.. صرت ملكاً وكاهناً في المسيح..
  • وعطاؤه لك فوق كل التوقعات..
  • ويستخدم كل شئ لأجلك..

حقاً، أي امتياز هذا..

لنؤمن.. ولنحيا ما نؤمن به!!