٢ أنا ملك و كاهن

الخروف .. الحمل .. هذا اللقب المُعبّر جداً من ألقاب الرب يسوع والذي يحدثك عن محبته العظيمة لك يُقابلك في أسفار عديدة من الكتاب المقدس .. في أول الأسفار ، التكـوين وأيضـاً في آخرها ، الرؤيا .. وفي أسفار أُخري بينهما منها سفر إشعياء ..

السفر الأول

نتقابل مع هذا اللقب للمرة الأُولي في الأصحاح الرابع من سفر التكوين حيث نقرأ أن هابيل ذبح خروفاً وقدمه علي المذبح ذبيحة لله ، فقبله الله وحسبه باراً ( تك ٤: ٤، عب١١ : ٤) بينما قدم أخوه قايـين من ثمار عمله في زراعة الأرض ، فلم يقبله الله ( تك ٤: ٥) ..

هذا الخروف المذبوح الذي قدمه هابيل يحدثنا عن الرب يسوع ، الخروف والحمل المذبوح علي الصليب .. والمعني الذي تقدمه هذه القصة هو حق أساسي وعظيم .. فأنا مقبول من الله ، يرحب بي في عرشه ، وقد بررني [ حسبني باراً ] .. لأني لا أتقدم إليه وأقترب منه مُستنداً علي أعمال حسنة قُمت بها مثل قايين .. بل لأنني مثل هابيل أتقدم إليه معتمداً فقط علي ذبيحة الصليب .. علي موت الرب يسوع مذبوحاً كخروف علي الصليب ..

أيها القارئي الحبيب ، اسمح لي أن أدعوك أن تتأمل وتحفظ هاتين الآيتين اللتين تُظهران هذا الحق الثمين :

  • « كثـوب عدة [ قذر ] كل أعمال بـرنا [ فـي عينـي اللـه القدوس ] » ( إش٦٤ : ٦) ..
  • « لنا .. ثقـة بالدخـول إلي الأقـداس [ عــرش اللــه ] بــدم يســوع » ( عب١٠ :١٩ ) ..

ثم اعلن إيمانك بهذا الحق بأن تردد كلمات مثل هذه :

ليس بسبب أعمال فعلتها ..

بل لأجل دم الحمل ،

يقبلني الله في أقداسه ..

يرحب بي في عرشه ..

سفر إشعياء

هذا السفر النبوي هو من الأسفار التي أشارت بوضوح إلي الرب يسوع باعتباره الخروف .. ومع إنه دُوِّن قبل تاريخ الصلب بأكثر من سبعة قرون ، إلا أنه في أصحاحه الذهبي٥٣ يجيب علي السؤال الأهم .. لماذا ذُبِح الرب يسوع كخروف ؟ ..

وإجابته واضحة تماماً .. ذُبح لأجل معاصينا .. ويصف الآلام التي احتملها الرب وهو يُذبح علي الصليب كخروف ، بكلمات أُصلي أن تلمس قلبك بقوة ..

« لكن [ بكل تأكيد ] أحزاننا حملها

وأوجاعنا تحملها ..

هو مجروح لأجل معاصينا

مسحوق لأجل آثامنا ..

كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلي طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا ..

كشاة [ كخروف ] تُساق إلي الذبح ..

سكب للموت نفسه .. »

( إش٥٣ : ٤ـ ٦،١٢)

وفي سفر أعمال الرسل من أسفار العهد الجديد ، يؤكد لنا فيلبس المبشر إن هذه الكلمات النبوية هي عن الرب يسوع ( أع ٨ :٣٢ ،٣٥ ) ..

وتأمل ما تقوله .. يسوع يحمل أحزاننا .. يتحمل أوجاعنا .. آثامنا وضعت عليه .. مجروح .. مسحوق .. يُساق كخروف إلي الذبح .. يسكب للموت نفسه.. يتحمل العقاب بدلاً منا .. ألا تري معي أنها محبة عجيبة !!.. فهل قبلت هذه المحبة قارئي العزيز ؟.. وهل لمست قلبك هذه الحقيقة ، إنه جُرِح لأجل معاصيك أنت ، وسُحِق لأجل آثامك أنت ، فأخذت موقفاً معادياً لمعاصيك وآثامك وأقبلت إلي الرب الخروف لترحب به مخلصاً لك وملكاً يسود علي قلبك ؟..

إن لم تكن قد أخذت هذه الخطوة بعد ، فلِمَ التمادي في احتقار محبته ؟.. ولماذا تؤذي نفسك وتحرمها من الخلاص ؟ .. هيا الآن ، توقف عن تجاهلك له وعن استسلامك للخطية ، وتعال إليه ..

السفر الأخير

مـرات عـديدة أُطـلق علي الـرب يسـوع لقب « الخـروف » في هذا السـفر الرؤيوي الذي ينتهي به الكـتاب المقـدس ،٢٧ مـرة .. فتقـرأ فيـه عن « غضب الخروف » ( رؤ ١٦:٦ ) و « دم الخروف » ( ١٤:٧ ) و « ترنيمـة الخـروف » (١٥ : ٣ ) و « عرس الخروف » (١٩ : ٧) و « امرأة الخـروف [ أي الكنيسة ] » (٢١ : ٩ ) و « عرس الخروف » (١٩ :٧ ) .. ثم في آخـر أصحـاح من هذا السفر والكتـاب المقدس نقرأ عن « عرش الخروف » (٢٢ :١ ) ..

ويوحنا تلميذ الرب هو القلم الذي استخدمه الروح القدس لكتابة هذا السفر ، وأيضاً لكتابة الإنجيل المعروف باسم إنجيل يوحنا وثلاثة من رسائل العهد الجديد .. وفي إنجيله دوّن كلمات يوحنا المعمدان القائلة « هوذا حمل الله ... » وسجل لنا قصة الصلب التي ترينا الحمل مذبوحاً بديلاً عن الخطاة ..

أما في الرؤيا فيصف لنا الحمل ممجداً ومتوجاً ، جالساً علي العرش ( رؤ ٣ :٢١ ) .. وتأمل ، في إنجيله قال يوحنا إنه عاين صلب الرب ( يو١٩ :٢٥  ) وسجل لنا هذه الملاحظة إن الرب صُـلب « في الوسط » ( يو١٩ :١٨ ) بين اثنين صُلبوا بجواره .. أما في سفر الرؤيا فيقول في الأصحاح الخامس إنه رأي الرب في صورة « خروف » .. ويخبرنا إنه رآه أيضاً « في الوسط » ( رؤ ٥: ٦) ولكن هذه المرة في مشهد مختلف تماماً.. في وسط العرش .. حوله٢٤ مرنماً بالقيثـارات مع أربعـة كائنات لها صفات الكروبيم ( حز١ ) والسرافيم ( إش ٦) ، ثم ملائكة كثيرة « ربوات ربوات وأُلوف أُلوف » يقدمون له التسبيح والتمجيد قائلين « للخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان إلي أبد الآبدين » ( رؤ ١٣:٥ ) ..

وهكذا في إنجيل يوحنا نري الخروف متألماً ومذبوحاً أما في رؤياه فنراه ممجداً ومعبوداً .. نعم ، فقد قام من الأموات ظـافراً .. لقد رآه يوحنا في الرؤيا خروفاً له سبعة قرون وسبع أعين ( رؤ ٥: ٦) .. القرون تتحدث عن قوته وقدرته ، والعيون عن بصيرته وقدرته علي التمييز .. أما رقم سبعة فهو رقم الكمال ..

لقد رآه يوحنا خروفاً ممجداً له كمال القوة والقدرة وله أيضاً كمال المعرفة والتمييز .. إنها إشارة واضحة إلي لاهوته ..

وهكذا فالرب يسوع في سفر الرؤيا هو الخروف في مجده وقوته .. هو الخروف الظافر المنتصر والأسد الغالب ( رؤ ٥: ٥) .. وهو في نفس الوقت بالنسبة للمؤمن الخروف المحبوب الوديع الذي يتفهم ضعفاته ( عب ٤: ١٥ ) ..

لقد عبّر سفر الرؤيا عن هذه الحقيقة بطريقة رائعة!! فلم يستخدم في الأصل اليوناني الكلمة المعتادة لكلمة الخروف بل استخدم كلمة "arnion" التي هي تصغير لكلمة خروف وتعني خروفاً صغيراً ..

هللويا .. فبرغم إنه « الأسد الغالب » .. وبرغم حديث سفر الرؤيا عن أمجاده بل وعن غضبه المروع علي الذين يرفضون نعمته ويقاومون مملكته لكنه يظل دائماً للمؤمن الخـروف الوديـع جـداً والجميل للغاية .. القريب كل القرب إلي قلبه ..

وتأمل أيضاً هذه الإشارة البديعة ، يوحنا يقول إنه رآه خروفاً قائماً كأنه مذبوح ( رؤ ٥: ٦) .. فستظل آثار الذبح.. ستبقي آثار جروح مسامير الصلب وطعنة الحربة باقية في جسده إلي الأبد شاهدة علي حبه العظيم لنا .. وكم كلّفه هذا الحب !!

آه أيها القـارئ العـزيز ، إن كنت واحداً من المؤمنين الحقيقيين الذين لهم علاقة حيّة مع الرب يسوع .. فهو بالنسـبة لك « محب ألزق من الأخ » ( أم ١٨ : ٢٤ ) ، الخروف الصغير الوديع ، القريب جداً لقلبك ، الذي ذُبِح لأجلك .. والذي يحبك حباً خاصاً وعجيباً ، يتفهم ضعفاتك ومعاناتك ، ويهبك سلامه العجيب وفرحه الكامل ..

أما بالنسبة لأعدائك ، إبليس وأعوانه ، فهو الخروف ، الأسد الغالب ، القائم من الموت ، المرعب جداً لهم ، والذي دمه المسفوك هو قوتك التي تغلبهم بها ( رؤ١٢ :١١ ) ..

وتأمل أيضاً ، لقد سمع يوحنا وهو يري هذا المشهد صوت ترنيمات المفديين يسبحون الخروف بهذه الكلمات :

« ذُبحت ..
وجعلتنا .. ملوكاً وكهنة »

( رؤ ٥: ٩-١٠ )

هللويا ، لقد ذُبح الرب كخروف لكي يتحول الخاطـئ الأثيم عندما يؤمن به إلي ملك .. وإلي كاهن ..

ملـك

في اللحظة التي يتقابل فيها الخاطئ مع الرب ويقبل منه الخلاص ، يولد من جـديد ويصـير ابناً لله له امتيـازات فائقـة تُمكّنه من أن يحيـا كملك ( رو ٥: ١٧ ، رؤ ١٠:٥ ) .. لا يعوزه شئ ولا يُستعبد لشئ ..

لقد أنهـي الرب علي الصليب سطوة كل أعدائك .. الخطية وإبليس وعالم الإثم ليجعلك حراً ، تحيا كملك ..

لا تنظر إلي نفسك طويلاً ، ولا تركز علي ضعفاتك .. انشغل بالرب ، وانشغل أيضاً بهذه الحقيقة العظيمة إنه فيك ( يو ١٧ : ٢٣ ) .. امتلئ إيماناً بأن الرب الذي أنهي سطوة الأعداء هو فيك .. أن الرب الظافر المنتصر ملك الملوك هو فيك .. الرسول بولس يُظهر هذه الحقيقة قائلاً :

« المسيح فيكم رجاء المجد »

( كو١ : ٢٧ )

ولتقل معه بثقة :

« أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ »

( غلا٢ :٢٠ )

أنت في ذاتك ضعيف .. خائر .. نعم .. لكن بالمسيح الذي فيك أنت شخص آخر .. أنت ملك .. فالمسيح الذي فيك أعظم من كل قوي الشر التي في العالم .. استمع إلي يوحنا وهو يقول لنا :

« أنتم من الله .. وقد غلبتموهم لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم »

(١ يو ٤: ٤)

هل تشعر أنك ضعيف ، استقبل الآن في قلبك كلمات الوحي القائلة :

« ليقـل الضـعيف بطـل أنــا »

( يؤ ٣ :١٠ )

« حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي »

(٢ كو١٢ :١٠ )

هيا قل بإيمان :

المسيح فيَّ لذا أنا قوي ومنتصر ..

المسيح فيَّ لذا أحيا حراً ومنتصراً كملك ..

كـاهـن

الكاهن في العهد القديم كان الشخص الوحيد المسموح له بدخول القدس أما رئيس الكهنة فهو الوحيد الذي يُسمح له بدخول قدس الأقداس الذي يُشير إلي عرش الله ، ولكن مرة واحدة كل عام في يوم الكفارة بشرط أن يكون حاملاً معه دم ثور الخطية المذبوح ..

هللويا .. فعندما يولد الخاطئ الميلاد الثاني يصبح « في المسيح » ( في ٢١:٤ ) .. يراه الله « في المسيح » فيراه « بلا لوم » ( أف١ : ٤) لذا يقبله فـي عرشـه « قـدس الأقـداس » .. وهكـذا يصـير « في المسيح » أعظم من رئيس الكهنة في العهد القديم ، يمتلك الحق أن يدخل إلي قدس أقداس الله ليس مرة واحدة بل في أي وقت يشاء ، وبلا وساطة بشرية .. وليس بقوة دم ثور مذبوح .. كلا بل بقوة دم الخروف الحي ، الرب يسوع ..

يدخل المؤمن إلي عرش الله ليتحدث معه بثقة كابن « في المسيح » ، وليقدم باعتبـاره كاهـن ذبائـح التسـبيح ( عب ١٣ : ١٥ ) ..

تأمـل هـذا الحـدث الفـريد الذي وقـع في الهيكل في ذات اللحظة التي مات فيها الرب علي الصليب ..

« وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلي إثنين من فوق إلي أسفل »

( مت ٢٧ :٥١)

الحجاب ، قطعة القماش الجميلة التي كانت تفصل بين القدس وقدس الأقداس لتغلق الطريق إلي الأخير .. هذا الحجاب انشق طولياً بكامله علامة علي أن الدخول إلي عرش الله الذي يشير إليه قدس الأقداس قد صار ممكناً لكل مؤمن « في المسيح ».. هنا تسطع وبنور قوي كلمات الرسالة إلي العبرانيين القائلة :

« لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلي الأقداس بدم يسوع » ( عب١٠ : ١٩ )

وهكذا أيها الحبيب بسبب موت ( الخروف ) لأجلك صرت ملكاً وكاهناً ..

لأن المسيح فيك أنت ملك ..

ولأنك في المسيح أنت كاهن ..

والآن انتبه إلي كلمات المسيح إلي تلاميذه ليلة صلبه ..

« في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم »

(يو ١٤ ٢٠ )

الرب يتحدث عن يوم حلول الروح القدس علي التلاميذ ، فالروح القدس هو الذي يعلن لقلبك هذه الحقيقة المجيدة إنك في المسيح وإن المسيح فيك .. هو الذي يجعلك تصدقها وتحيا علي أساسها .. فتردد بفرح قائلاً :

هللويا ، الخروف ذُبِح وقام ..

وأنا صرت ملكاً وكاهناً ..

هللويا .. لقد صرت ملكاً ..

هللويا .. المسيح يحيا فيَّ ..

لهذا لن تقدر الخطية أن تستعبدني ..

لهذا لن أحيا مهموماً أو فاشلاً ..

بل سأحيا حياة عظيمة منتصرة ..

هللويا .. صرت كاهناً ..

هللويا .. أنا في المسيح ..

لي ثقة أن أدخل باستمرار إلي عرش

الله .. لأتحدث معه متمتعاً بأبوته ..

ولأجد النعمة والعون الذي أحتاجه

في وقت المواجهات ..

ولأُلذذ قلبه بذبائح تسبيحاتي ،

وأيضاً بسجودي ..