٤الزوفا و الدم

 

أبلغ الله موسي أن وقت العقاب العادل قد حلّ وأنه سيرسل المهلك ليضرب بالموت كل أبكار البيوت التي في أرض مصر .. ولا فرق بين بكر فرعون وبكر الجارية المصرية أو أي بكر لأي عائلة من عائلات نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب .. فالجميع بلا استثناء أخطأوا واستحقوا عن عدل هذا العقاب ..

لكـن الله « غني في الرحمـة » ( أف٢ : ٤) « يُُسر بالرأفة » ( مي ٧: ١٨ ) .. لذا لم يتحدث مع موسي فقط عن العقاب بل أبلغه أيضاً بطريق النجاة من هذا العقاب .. قال له:

« اذبحوا [ خروف ] الفصح .

وخذوا باقة زوفا واغمسوها في الدم ..

ومسوا العتبة العليا والقائمتين [ لباب البيت ] بالدم ..

فإن الرب يجتاز ليضرب ..

فحين يري الدم علي العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا

يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب »

( خر١٢ ٢١ ـ ٢٣ )

في ذلك الوقت كان الابن البكـر هو فخـر عائلته ومحط آمالهـا والمعـد لزعامتهـا وتـولي زمام أُمورها ( تك ٤٩: ٣ ، مز ١٠٥ : ٣٦ ،٢ أي٢١ : ٣ )، وكمثال كان بكر فرعون هو الوارث لعرش مصر والمعد لرئاستها .. ولك أن تتصور كم كان موت أبكار العـائلات التي لم تمـس باب البيت بالدم موجعاً جـداً لها ، ومؤلماً للغاية ، ومحـطماً لآمالهـا ( مز ٥١:٧٨، زك١٢ :١٠ ).. لكن هذه هي دائماً نتيجة الاستمرار في الخطية .. مرارة وأفسنتينا ..

ولك أيضاً أن تتصـور كم كانت نجاة أبكار العائلات التي مست الباب بالدم مُفرحاً جداً لها .. وهذه هي دائماً نتيجة نوال الخلاص .. الفرح العظيم والسعادة البالغة ليس فقط للخـاطئ الذي نال الخـلاص ( لو ١٩ : ٦) وللمؤمنين المحيطـين بـه ( أع ١٥ : ٣ ) .. بل أيضاً يكون فرح أمام الملائكة في السماء ( لو ١٥ :١٠ ) ..

موت في كل بيت

في نصـف الليل اجتاز المهلك في كل أرض مصر ، وعـلا صـراخ عظيـم في أرجاء البلاد .. تقول كلمـة الله « لم يكن بيت ليـس فيه ميت » ( خر١٢ : ٣٠ ) .. فكل بيت لم يوضع الدم علي بابه كان بداخله الابن البكر مقتولاً .. وكل بيت رُش بابه بالدم كان أيضاً بداخله ميت لكنه لم يكن الابن البكر .. كان خروف الفصح مذبوحاً بديلاً عن هذا الابن ..

وتأمل ، لم يكن خروف الفصح في داخل البيت مذبوحاً فقط ، كان أيضاً مشوياً بالنار ، فقد منع الله طبخه بالماء .. لماذا منع الله أن تصل حرارة النار إلي لحم الخروف من خلال ماء الطبخ الذي يقلل من شدة حرارتها ؟ .. لماذا أمر أن يشوي الخروف أي أن تلمسه النار مباشرة بكل وهجها المستمر؟ ..

السبب هو أن يكون خروف الفصح رمزاً للرب يسوع في هذه النقطة .. إنه لم يمت موتـاً عادياً .. مات بعد أن شوتـه النار .. وأي نار !! نار دينونة العدل الإلهي التي يستحقها كل خاطئ .. هذه النار أتت عليه بكل قوتها !! .. تأمل عندما قدموا له خلاً ممزوجاً بمرٍ وهو معلق علي الصليب ، أبي أن يشرب منه ( مت ٢٧ : ٣٤ ) !! .. فقد كان الرومان يستخدمون هذا المزيج كمسكن قوي للألم يخففون به إحساس المصلوبين بالوجع الشديد .. أيها الحبيب ، لقد تحمل الرب يسوع نار دينونة خطاياي وخطاياك بلا أدني تخفيف ..

هللويا ، لقد تحمل عقابي كاملاً دون أن يترك لي أي شئ من العقاب لأتحمله ولو قليلاً ..

أي آلام احتمل ، وأي أهوال جاز فيها وهو معلق علي الصليب يتحمل عقابنا .. إنه حبه المدهش والقوي لي ولك قارئي العزيز ..

وتأمل لم يكن كافياً أن تذبح كل عائلة خروف الفصح حتي تنقذ ابنها البكر من الموت ، كان عليها أن تغمس باقة من نبات الزوفا في دم هذا الخروف ثم تمس بها العتبة العليا والقائمتين لبـاب بيتها من الخارج ..

لا .. لا يكفي ذبح الخروف ، لابد أن يكون دمه علي البـاب حتي لا يدخـل المهلك ويقتل الابن البكر .. لابد لهذا الابن أن يحتمي خلف دم الخروف المذبوح ..

هذا بالنسبة للرمز فماذا بالنسبة للمرموز إليه ؟

لا .. لا يكفي ذبح الرب يسوع علي الصليب كي ينجو الخاطئ من الموت .. من الهلاك .. لا ، إن علي الخاطئ دوراً لا بديل عنه ، وهو أن يحتمي خلف دم الرب المذبوح ..

كيف ؟ .. تجيبك رسالة رومية قائلة « بالإيمان بدمه [ بدم الرب ] » ( رو ٣ : ٢٥ ) .. أي أن يؤمن الخاطئ بقدرة هذا الدم الثمين علي حمايته من الهلاك .. ولا تهم في شئ تفاصيل ماضيه .. كم من سنوات أضاعها في الخطية بعيداً عن الله أو أي أنواع من الخطايا ارتكب .. فهو في كل الأحوال مذنب ويستحق عقاب الله العادل ، ولا طريقـة لإنقـاذه غير أن يحتمي بدم الرب مثلما احتمي الأبكار بدماء خراف الفصح ..

الدم ليراه الله

انتبه أيها القارئ الحبيب إلي هذه الحقيقة ، إن الدم لم يوضع علي الباب لكي يراه الشعب بل ليراه الله .. كانت كل عائلة في داخل البيت والباب مغلق عليها أما الدم فكان علي الباب من الخارج ، وكانت كلمات موسي لهم هكذا :

« فحين يري [ الله ] الدم علي العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب [ الإله ] عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب »

( خر١٢ : ٢٣ )

الله رأي الدم ، والدم قال له إن عقابه الإلهي العادل قد نُفذ بالفعل ، ولكن ليس علي الخاطئ بل علي الخروف البديل .. أيها القارئ الحبيب الله هو إله بار .. عادل .. لذا لم يسمح بالعقاب أن يُنفـذ مرتين .. لم يدع المهلك يدخل البيت الذي وُضعَ عليه الدم ليقتل الابن البكر ..

أيها الحبيب ، بإمكان كـل مؤمن حقيقي أن يقول :

الله يري دم الخروف الحقيقي ..

الله يري دم الرب يسوع الثمين ..

والدم يقول له إن يسوع مخلصي وقف مكاني وتحمل بدلاً مني العقاب ..

لذا لن يسمح الله بهلاكي ..

لأنه إله بار وعادل ، وهو لن يسمح بتنفيذ العقاب مرتين ..

هللويا ، دم يسوع سفك وأنا نجوت ..

أيها الحبيب .. الدم ، دم يسوع هو الأساس الوحيد لخلاصك من الهلاك ولتحريرك من أثقال الذنب ولقبول الله لك ..

فيا لفاعلية دم الرب !!.. لذا لا عجب أن يكون الدم هو موضوع الأغنية الجديدة التي سينشد بها كل المفديين هناك في السماء ( رؤ ٥: ٩ ) ..

نبات الزوفا

لاحظ أن الله أمر باستخدام نبات الزوفا لوضع دم الخروف علي الباب :

« اذبحوا الفصح [ الخروف ] . وخذوا باقة زوفا واغمسوها في الدم الذي في الطست ومسوا العتبة العليا والقائمتين بالدم الذي في الطست »

 ( خر١٢ ٢١ ،٢٢ )

الزوفا نبات مذكور في الكتاب المقدس يتحدث عن الضعف الشديد وانعدام القيمة .. انظر ما قاله سفر الملوك الأول في إشارة واضحة لهذا المعني :

« تكلم [ سليمان ] عن الأشجار من الأرز [ الشجر القوي العملاق والمعمر] الذي في لبنان إلي الزوفا النابت في الحائط »

(١ مل ٤: ٣٣ )

الزوفا نبات ضعيف جداً بلا قيمة فلا مكان لنموه في تربة الأرض بل كان ينمو بين فواصل الأحجار في حوائط مباني ذلك الزمان .. وبإمكاننا أن نراه نباتاً يُعبّر عن حالة الخاطئ عموماً .. إنه إنسان ضعيف للغاية ومنعدم القيمة ..

القارئ الحبيب .. ليس الخاطئ هو فقط من ارتكب القتل أو الزني .. الخاطئ هو كل شخص لم يتقابل بعد مع الرب يسوع في لقاء حقيقي نال فيه ميلاداً من فوق ..

لماذا ؟ .. لأنه حتي لو لم يرتكـب هذه الخطـايا بالفعل فقد سقط في غيرها .. ولا تنسَ إن الرب في الموعظـة علي الجبل أظهر أن الخطية ليست بالفعل  فقـط، بـل إن مجـرد وجـود اتجاه في القـلب لفعـلها هو أيضـاً خطـية « قد سـمعتم أنه قيـل للقدمـاء لا تزن . وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظـر إلي امرأة ليشـتهيها فقد زنـي بها في قلبـه » ( مت ٥: ٢٧ ، ٢٨ ) ..

بل إن كل البشر الذين لم يتقابلوا بعد مع الرب يسوع ، ولم يقبلوه في قلوبهم ، ولم يؤمنوا به بعد يشتركون في هذه الخطية الرئيسية .. خطية عدم الإيمان بالرب .. هذا ما تقوله لنا بوضوح كلمات الرب يسوع القائلة :

« ومتـي جـاء ذاك [ أي الـروح القـدس ] يبكت العالــم علــي خطية .. أما علي خطية فلأنهم لا يؤمنون بي »

( يو ١٦ : ٨ ، ٩ )

هكذا يؤكد الرب بكلماته أن كل شخص يظل خاطئاً إلي أن يأتي إليه ويؤمن به من القلب .. فيولد ولادة ثانية ويتحول من خاطئ إلي شخص حي ، ابن لله له طبيعـة جديدة .. نعم كل إنسان لم ينل هذا الامتياز هو شخص خاطئ .. هو كنبات الزوفا .. ضعيف جداً وبلا قيمة .. كان شـاول الطرسـوسي ( بولس الرسول ) قبل التقائه بالرب متديناً جداً ، دارساً جيداً لأسفار العهد القديم وحريصاً علي طاعة وصاياها .. مع هذا قال عن نفسه إنه كان ضعيفاً وفاجراً ، خاطئاً وعدواً لله ( رو ٥: ٦، ٨ ١٠ ).. وبلا قيمة كالجنين الميت (١ كو١٥ : ٨ ) ..

نعم كان شاول قبل معرفته بالرب يسوع مثل نبات الزوفا .. لكن ما أعظم نعمة الله فالزوفا التي بلا قيمة غُمست في دم الخروف الذي ينجي من الموت .. وشاول الذي كان كالسقط أتي تحت دم الرب الثمين فتحول إلي بولس الرسـول العظيم .. ويا لها من حقيقة ، الدم الثمين هو لخلاص كل إنسان يري نفسه أنه كالزوفا .. لكل إنسان يعترف أنه خاطئ ضعيف .. عاجز وبلا قيمة بسبب خطاياه ..

وأتخيل شخصاً يمسك بباقة الزوفا ليغمسها في دم الخروف ثم يمس بها باب بيته في القديم .. أتخيله يقول لنفسه « كم من آثام ارتكبنا .. إننا مثل هذا النبات التافه ، لكنني أعتمد علي ما قاله الله .. إنه سيري الدم وسيمنع المهلك أن يدخل بيتي » ..

وأتخيل ابناً بكراً يرتجـف مرتعباً ثم يدنو لأبيه قائلاً « سـمعت أن الله سـيقتل الأبكار في هذه الليلة .. لقد فعلت خطايا بشعة أتذكرها الآن ..  إنني سيئ جداً جداً .. كيف أنجو ؟ » ..

وأتخيل أباه يُهدئ من روعه ويقول له بهدوء « لا تخف .. بل افرح بخلاصك .. الله أحبك ووعد إنه لن يسـمح للمهلك أن يدخـل البيت الذي رُش بالدم .. لقد صدقنا وعده .. لقد ذبحنا الخروف ومسسنا بدمه باب البيت .. لا لن تموت ، فإلهنا أمين لوعده .. نعم نحـن سيئون وبلا قيمـة بسـبب أخطائنا .. نحن مثل نبات الزوفا ولكن الدم يُغطي كل أخطائنا .. نحن في أمان .. لن يقدر المهلك أن يدخل بيتنا » ..

وتأمل أيها القارئ العزيز .. إن نبات الزوفا الضعيف الذي أتي عليه دم الخروف لم يقلل من قوة هذا الدم في حماية البكر من الموت .. وهكذا أيضاً انحطاط الخاطئ إلي أي درجة لن يقلل من كفاية دم الرب الثمين لخلاصه من الهلاك ..

فتعال أيها الخاطئ حالاً إلي الرب .. لا تنتظر حتي تتحسن حالتك ، هذا خداع من إبليس .. فلن تتحسن أبداً حالتك تحسناً حقيقياً قبل أن تنال الخلاص ..

تعال كما أنت إلي الرب معترفاً بحالتك إنك خاطئ أثيم .. قل له إنني مثل نبات الزوفا الضعيف لكنني لا أريد أن أستمر هكذا .. إنني أقبل محبتك وأُُصدق وعدك أن دمك ينجيني ..

ستنال أولاً الخلاص .. الغفران ..

وستوهب طبيعة جديدة ..

وسيتغير سلوكك  لتختلف

عن السابق تماماً ..

تعـال إلي الـرب ..

ولن تكون أبداً كما كنت من قبل ..