٥ تطابقات مذهلة

 

هناك فارق زمني ضخم نحو١٥٠٠ عام تفصل بين كتابة أحداث ذبح الرمز ، خروف الفصح الذي أنقذ شعب الله من الموت ، وبين تدوين أحداث صلب المرموز إليه ، الرب يسوع الذي أنقذنا من الموت الأبدي .. فأحداث ذبح خروف الفصح مسجلة في سفر الخروج المدون حوالي عام ١٤٠٠ قبل الميلاد بينما أحداث صلب الرب سجلتها الأناجيل الأربعة خلال المئة سنة الأولي بعد الميلاد ..

لكن رغم هذا الفارق الزمني الضخم فالتطابقات بينهما مُذهلة للعقل ، مما يقطع بوحي الكتاب المقدس ..

  • فهل تعتز بهذا الكتاب المعجزة ؟
  • وهل تحرص علي أن تُشبع بكلماته روحك في كل يوم ؟
  • وهل هو بالنسبة لك سراج يقودك بنوره ، ومرآة تري فيها أخطاءك لتعترف بها وتتنقي منها ؟
  • وهل تستند علي وعوده في مواجهتك للصعاب والضيقات ؟
  • وهل تفرح بكلماته باعتبارها « كل الغني » ( مز ١١٩ : ١٤ ) ؟.. وهل تهتف قائلاً لإلهك « لا أنسي كلامك » ( مز ١١٩ : ١٦ ) ؟

القارئ الحبيب ، نعم ، توجد تطابقات مُذهلة بين خروف الفصح كما تحدث عنه سفر الخروج والرب يسوع كما قدمته لنا أسفار العهد الجديد ، ومن الممتع حقاً التأمل فيها ..

التوقـيت

عن خروف الفصح كانت تعليمات الله التي سجلها سفر الخروج هي :

« في العاشر من هذا الشهر [ نيسان ] .. تكون لكم شاة [ أي خروف ] صحيحة [ بلا عيب ] .. ويكون عندكم تحـت الحـفظ إلي اليـوم الرابع عشر من هذا الشهر . ثم يذبحـه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشـية [ الترجـمة الأدق بين العشـائين أي بين الثالثـة ظهراً والسادسة مساءً ] »

( خر١٢ : ٣ ، ٥، ٦)

ويوضح سفر التثنية توقيت ذبح خروف الفصح قائلاً إنه « نحو غروب الشمس » ( تث ١٦ : ٦) .. ويري دارسو النص العبري أن المقصود هو الوقت منذ أن تبدأ الشمس في الاتجاه للهبوط نحو الأُفق .. أي ابتداءً من نحو الساعة الثالثة .. يخبرنا المؤرخ يوسيفوس إنه في أحد أعياد الفصح تم ذبح ٢٥٦٥٠٠  خروفاً ما بين الساعة الثالثة والخامسة مساءً (٣ )..

وهكذا ، فبحسب سفر الخروج ، لقد اُختير خروف الفصح في اليوم العاشر من نيسان ( مارس ـ أبريل ) وعُزِل عن بقية الخراف إلي اليوم الرابع عشر ثم ذُبح في هذا اليوم بين الساعة الثالثة ظهراً والسادسة مساءً ..

وماذا عن الرب يسوع ؟ .. ماذا قالت الأناجيل عنه ؟.. لقد أخبرتنا إنه دخل إلي أورشليم في اليوم العاشر من شهر نيسان ( يو١٢ :١ ١٢ ) ، وظل هناك إلي اليوم الـرابع عشـر ليُصـلب ثم يموت بعد وقت قليل من السـاعة التاسـعة بتوقيت آنـذاك ( يو ١٩ : ١٤) التي تقابل الثالثة مساءً بتوقيتنا المعاصر ، أي في ذات الوقت الذي ذُبح فيه خروف الفصح ..

ألا تتعجب لهذا التطابق بين توقيت ذبح خروف الفصح وتوقيت صلب الرب ؟ ..

لقد حددت كلمة الله قبل صلب الرب بنحو خمسة عشر قرناً ساعة ويوم موته مصلوباً في رمز خروف الفصح ..

أما العـام الذي صُلـب فيه فقـد حدده سفر دانيـال المـدون قبـل حـادثة الصـلب بسـبعة قـرون ( دا ٩ : ٢٦ ) ..

أيها القارئ الحبيب ، لا تنسَ أن إحدي معجزات الكتاب المقدس هي تحقيق نبواته العديدة .. وفي أسفار العهد القديم توجد نحو ثلاثمائة نبوة تتعلق بحياة الرب يسوع .. هذه النبوات جميعها تحققت بكل دقة في العهد الجديد لتشهد أن الكتاب المقدس هو بكل تأكيد كلمة الله ..

إنني أدعوك أن تتوقف الآن عن القراءة قليلاً لتشكر الله من أجل هذه العطية العظيمة .. الكتاب المقدس ..

كم أشكرك من أجل عطيتك

العظيمة .. الكتاب المقدس ..

كم أشكرك من أجله .. كتاباً حياً ..

وثقت فيه فغيّر كل حياتي ..

 

بـلا عـيب

نعود إلي خروف الفصح ونتسـاءل ماذا كان الهدف من عـزل الخـروف عن بقيـة القطيع وحفظـه من اليوم العاشـر إلي الرابع عشـر ؟ .. والإجـابة هي أن يظـل تحت الملاحظـة الدقيقـة للتأكد من خلوه من العيوب والأمراض ، فقد كانت تعليمات الله أن يكون خروف الفصح « صحيحاً [ أي بلا عيب KJV ] » ..

وماذا عن الرب يسـوع الذي يرمـز له هذا الخـروف ؟ .. لقد ظل هو أيضاً هذه المدة من اليوم العاشر إلي الرابع عشر في أُورشليم تحت ملاحظة دقيقة من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين .. لماذا ؟ .. آه يا لبغضتهم الشديدة للرب ، رأوه خطراً علي زعامتهم للناس ، فلاحظوه بهدف أن يجدوا فيه خطأ ولو واحداً ليدينوه به .. امتحنـوه بأسـئلة خبيثـة لكي « يصطادوه بكلمة » ( مت٢٢ : ١٥ ) آملين أن يجـيب عليـهم بإجـابات يسـتخدمونها لإدانتـه ( مت٢١ : ٢٣ ـ ٢٧ ، مت٢٢ : ١٥ ، ٢٣ ) ، لكنهم فشـلوا تمـاماً وانطبقـت عليهم كلمات المزمور القـائلة « كل حكمتهم ابتُلعت » ( مز ١٠٧  : ٢٧  ) .. فأخذوه إلي بيلاطس لكنه لم ينجح فيما فشلوا فيه ، واعترف قائلاً « إني لست أجد فيه علة واحدة » ( يو ١٩ : ٤) ..

هكذا وجد ألد أعداء الرب إنه « بلا عيب » .. تقول الرسالة إلي العبرانيين إنه جُرب في كل شئ ، فكان « بلا خطية » ( عب ٤: ١٥ ) ..

أيها الحبيب ، لم يُصـلب الرب لأنه كان به عيب .. لم يُصلب لأنه أخطأ .. كلا ، بل صُلب لأنه بلا عيب .. فلو كان به أي عيب ، لما صلُح أن يكـون ذبيحـة عن الخطـاة ( لا٢٢ :٢٠ ) .. تقول رسـالة بطـرس الأُولي « افتـديتم .. بـدم كـريم كما من حـمل بلا عـيب ولا دنـس دم المسيح » (١ بط١ : ١٨ ، ١٩ ) .. وتقول الرسـالة أيضـاً « المسيح .. تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الأثمة لكي يقربنا إلي الله » (١  بط ٣  : ١٨  ) ..

لا لم يُصلب الرب لأنه ارتكب خطية .. حاشا فهـو « لـم يفعـل خطيـة » (١ بط٢ :٢٢ ) .. و « لم يعرف خطية » (٢ كو ٢١:٥ ) .. و « ليس فيه خطية » (١ يو ٣ : ٥) ..

ببساطة ، صُلب الرب لأنه أراد أن يحمل آثامي وأن يقف مكاني ليُعـاقب بـدلاً مني ، كـي لا أُعاقب أنا .. فما أعظم حبه لي !! ..

العظام لم تُكسر

تأمل معي تطابقاً آخر مذهلاً بين خروف الفصح ، الرمز .. والرب يسوع ، المرموز إليه ..

كانت تعليمات الله بشأن خروف الفصـح ألا يُكسر عظـم من عظـامه « عظماً لا تكسـروا منه » ( خر١٢ : ٤٦) ..

وماذا حدث للرب يسوع في موته ؟..

لقد أدان اليهود الرب يسوع بتهمـة التجـديف ، وهذه التهمة عقوبتها الرجم بحسب قانونهم اليهودي [ الناموس ] ( لا ٢٤ : ١٦ ) .. والرجم يُعرّض العظام للكسر .. أما الرومان فكانوا ينفذون الموت في المجرمين بالصلب ..

وتعجب معي فعندما طلب بيلاطـس من اليهود أن يحكموا علي الـرب يسـوع بحسـب ناموسـهم [ قانونهم ] قائـلاً لهم « خـذوه أنتم واحكمـوا عليه حسب ناموسكم » أي أن يقوموا برجمه ، امتنعـوا قائلين له « لا يجـوز لنا أن نقتـل أحـداً » ( يو ١٨ :١٣ ) ..

ولماذا امتنعوا ؟ .. يا لخبث القلب ، إنهم هنا مثال للإنسان الذي يتلون بحسب كل موقف لكي يحقق أطماعه الخاصة .. كان الأمر بالنسبة لهم لا يعدو أكثر من فرصة سانحة للتودد إلي حاكم البلاد الروماني بإظهار أنفسهم له غير متمسكين بقانونهم اليهودي، بل ومتنازلين عن حقهم في القضاء ..

وتجاوب بيلاطس مع تملقهم له .. وحكم علي الرب بأن تُنفذ فيه عقوبة الموت بحسب القانون الروماني أي بالصلب وليس بحسب القانون اليهودي .. بالرجم .. وهكذا لم يُنفذ اليهود في الرب عقوبة الرجم مع أنهم نفذوها بعد شهور قليلة في اسطفانوس ( أع ٧: ٥٨، ٥٩) ..

وتأمل كيف علق يوحنا علي امتناع اليهود عن الحكم علي الرب بالرجم قائلاً « .. ليتم القول الذي قاله [ الرب ] مُشيراً إلي أية ميتة كان مزمعاً أن يموت » .. فالرب كان قد سبق وتنبأ عن نفسه أنه لن يموت بالرجم حينما تحدث عن موته مشيراً إلي أنه سيكون بالرفع ( يو ٣  :١٤ ، ٢٨:٨، ٣٢:١٢  ، ٣٣  ) .. فالموت بالرفع لا يحدث في حالة الرجم بل الصلب ..

تأمل ، الرب لم يُقتل برجم الأحجار الذي يعرض عظامه للكسر ، بل قُتل مصلوباً بحسب القانون الروماني .. فهل كان الصلب دائماً لا يعرض عظام المصلوب للكسر ؟ .. لا ، بل أحياناً كانوا يكسرون ساقي المصلوب مستخدمين مطرقة معدنية ثقيلة إذا أرادوا أن يعجلوا بموته .. فعندما تكسر الساق لا يقدر الجسد المعلق علي مواصلة التنفس إذ لا يجـد ما يرتكز عليه ، فيموت في الحال مختنقاً ..

لكن هذا لم يحدث مع الرب يسوع ، يُخبرنا يوحنا قائلاً :

« سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم [ أي سيقان الرب واللصين المصلوبين بجواره ] ويرفعوا »

( يو ١٩ :٣١)

يصف يوحنا دافع اليهـود لهذا السـؤال هكذا : « لكـي لا تبقـي الأجسـاد علي الصـليب فـي السبت » ..

انظر كم أظهروا في هذا السؤال غيرتهم الكبيرة في طاعة الناموس من جهة حفظ يوم السبت ، فبحسب الناموس في العهد القديم كان بقاء أجساد ميتة معلقة أمراً ينجس الأرض ( تث٢١ : ٢٣ ) .. فإذا لم يعجلوا بموت الرب واللصين قبل أن يأتي الغروب ويبدأ السبت فلن يستطيعوا أن يدفنوا أجسادهم لأنه لا يجوز بحسب الناموس القيام بأي عمل في السبت ( خر ٣٥ :١ ـ ٣ ) ، هذا يعني أن الأجساد ستبقي  معلقة علي الصلبان وتنجس الأرض ..

وأُذكرك بأن اليوم عند اليهود يبدأ بغروب شمس اليوم السابق لذا قال سفر التكوين « كان مساء وكان صباح يوماً واحداً » ( تك١ : ٥) ولم يقل « كان صباح وكان مساء » ..

نعم ، لقد أظهروا غيرة للناموس في هذه النقطة ، ولكن أي غيرة هذه وقد كسروا الناموس تماماً بارتكابهم أبشع الخطايا ، بقتلهم البار ، رئيس الحياة الذي أغدق حبه عليهم ، وكان يجول في شوارعهم « يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس » ( أع١٠ :٣٨ ) ..

يا للرياء !! ويا للاهتمام بطاعة وصايا إلهية من أجل المظهر أمام الناس بينما القلب خراب ، والخطايا تهيمن عليه « لهم صورة التقـوي ولكنهم منكـرون قوتها » (٢ تي ٣ : ٥) .. في مناسبة سابقة أظهر الرب لهم فساد قلوبهم وأراهم حقيقة ريائهم ، ووبخهم علهم يفيقون قائلاً :

« أيها القادة العميان ..

الذين يُصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل ..

ويل لكم .. لأنكم تُنقون خارج الكأس والصحفـة [ الصحـن ] وهما من داخل مملوآن اختطافاً [نهباً ] ودعارة »

( مت ٢٣ : ٢٤ ـ ٢٥ )

في ناموس العهد القديم كانت البعوضـة من أصغر الكائنات المعتبرة نجسة بينما كان الجمـل أكــبرها ( لا١١ : ٤،٢٣ ) ، وكأن الرب يقول لهم أنتم تحرصون كل الحرص ألا تشربوا أي سائل قبل أن تصفوه لئلا تكون قد سقطت فيه حشرة تنجسكم .. وفي ذات الوقت تبلعون الجمل ، تتغاضون عن أبشع الخطايا لتشبعوا شهواتكم ولتحققوا مآربكم .. تحرصون علي المظهر الديني الوقور أمام الناس بينما حقيقة قلوبكم هي النهب والدعارة ..

والمأساة أنهم قسّوا قلوبهم وأغمضوا عيونهم عن رؤية حقيقتهم .. أغلقوا آذانهم عن سماع كلمات الرب ، فكانت النتيجـة أن انحطـوا في ريائهم إلي هذا المستوي المتدني جداً والبالغ القبح الذي ظهر عند الصليب ..

أيها الحبيب ، إحذر شكليات التدين الفارغة .. فاحتياج قلبك الحقيقي هو إلي علاقة حيّة مع إلهك تملأ فراغك الداخلي .. تُشبع نفسك وتعطي لحياتك معني ( يو ٤: ١٤ ، ٦: ٣٣ ) .. هذه العلاقة جوهرها الحب المتبادل ودليل صدقهـا ، البغضـة للخطيـة في العلن وفي الخفاء ..

هكذا بسبب شكليات التدين طلب اليهود من بيلاطس الإسراع بكسر سيقان الرب واللصين المصلوبين بجواره حتي يُعجِّلوا من موتهم قبل أن تغرب الشمس فيبدأ يوم السبت ..

فهل أتي واحد من العسكر بمطرقته المعدنية الثقيلة علي ساقي الرب ليكسرهما ؟ ..

لا .. لا ، فالتطــابق بيـن الرمـز « خـروف الفصـح » والمرموز إليه « الرب يسـوع ، الخـروف » لابد وأن يتحـقق .. « عظمـاً لا تكسـروا منـه » ( خر١٢ : ٤٦) ..

مـات سـريعاً

يكمل لنا يوحنا القصة قائلاً « فأتي العسكر وكسروا ساقيّ الأول والآخر المصلوب معه . وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا سـاقيه لأنهم رأوه قد مات » ( يو ١٩ :٢٣ ، ٣٣ ) .. لقد مات الرب قبل اللصين .. مات سريعاً ..

وجد العسكر أن الرب قد مات ، إذ رأوا جسمه ساكناً ورأسه مُنكسة ، فلم يكسروا ساقيه لأنه لم تعد هناك حاجة إلي ذلك .. لكن ألم يكن هناك احتمال أن يأتي العسكر علي ساقيه ويهشموها بالمطرقة الثقيلة التي كسروا بها ساقي كل من اللصين ؟ .. ألم يكن هناك احتمال أن يفعلوا هذا ليؤكدوا موته أو ليشبعوا رغبة شريرة في قلوبهم ؟ ..

لا لم يكن هذا ممكناً ، ببساطة لأن خروف الفصح الرمز « عظم لا يكسر منه » .. انظر وتعجب لقد أكدوا موته بطريقة أُخري « لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة » ( يو ١٩ : ٣٤ ) ..

ولماذا مات سريعاً ؟

الصلب هو عقوبة الموت البطئ عند الرومان ، والهدف منه هو إطالة وقت تعذيب المجرمين وهم يُقتلون ليكونوا عبرة لغيرهم .. لكن الرب مات سريعاً حتي أن بيلاطس تعجب « فتعجب بيلاطس أنه مات كذا سريعاً » ( مر ١٥ : ٤٤) ..

فلماذا مات سريعاً عكس المتوقع ؟ .. ولماذا سبق موته موت اللذين صلبا بجواره ؟

الإجابة نجدها في هذه الكلمات التي دوّنها يوحنا في إنجيله :

« قال [ الرب ] قد أُكمل . ونكس رأسه وأسلم الروح »

( يو ١٩ :٣٠ )

انتبه إلي عبارة « وأسلم الروح » ففي الأصل اليوناني كلمة « أسلم » تدل علي عمل إرادي ، وهي نفس الكلمة المستخدمة في عدد ١٦ من ذات الأصحاح « فحينئذ أسلمه [ أسلم بيلاطس الرب ] إليهم ليُصلب » ..

والمعني ، أن الرب هو الذي أسلم روحه .. أي أنه هو الذي حدد لحظة موته !! ..

هو الذي أسلم روحه وليس أحـد أخـذها منه ، فعل تماماً ما قاله من قبل « أضـع نفسـي لآخـذها أيضـاً . ليس أحـد يأخـذها مني بـل أضـعها أنـا من ذاتـي . لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً » ( يو١٠ : ١٧ ، ١٨ ) ..

لقد حـدد هو لحظـة موته !! انظر لقد أسلم روحـه مباشرة بعد أن قال « قد أُكمل » .. أي بعد أن أكمـل هدف صلبه .. بعد أن تحمل عقـوبة خطايانا كاملة ..

لقد أسلم الرب روحه بعد ما لم يكن هناك ضرورة لبقائه مُعذباً علي الصليب .. وهذا هو سبب موته السريع قبل اللصين ..

تأمل هذه الحقيقة التي تؤكد إنه هو الذي حدد وقت موته .. إنه لم يقل هذه العبارة « قد أُكمل » بصوت هامس متقطع كما كان متوقعاً نتيجة لإعياء جسده الشـديد .. كلا .. كلا بل قالها بصرخة عظيمة .. يقول إنجيل مرقس :

« فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح »

( مر ١٥ : ٣٧ )

بهذه الصرخة المدوية أعلن الرب انتصاره العظيم ، إنه أبطل قوة الخطية وحطم مملكة إبليس .. لقد أسلم الروح وصيحة النصرة علي شفتيه ..

يقول إنجيل يوحنا إنه « نكّس رأسه وأسلم الروح » ( يو ١٩  :٣٠  ) .. لقد أسلم الرب الروح وهو في ملء الراحة !! .. فعبارة « نكّس رأسه » باللغة اليونانية التي دُونت بها أسفار العهد الجديد كانت تُستخدم وقتذاك للذهاب إلي النوم .. للراحة (٥)..

وفي إنجيليّ متي ولوقا نري بوضوح استخدام هذه العبارة بهذا المعني ، وذلك في كلمات الرب يسوع التي تحدث بها عن نفسه قائلاً :

« ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه »

( مت ٨ :٢٠ ، لو ٩ : ٥٨)

ففي الأصل اليوناني عبارة « يسند رأسه » هي نفسها عبارة « نكس رأسه » التي وصف بها يوحنا الرب يسوع في اللحظات الأخيرة التي سبقت موته ..

يا له من معني !! الرأس التي لم تجد مكاناً لتستريح فيه علي أرضنا ، أخيراً وجدته .. علي الصليب ..

صرخ الرب « قد أُكمـل » وأسند رأسه مثل المتعب الذي يسند رأسـه ليستريح مع نهاية رحلة شاقة ..

قديماً قرر داود ألا يعطي جسده راحة حتي يقيم مسكناً لتابوت العهد الذي يرمز إلي حضور الله.. استمع إليه وهو يقول « لا أدخل خيمة بيتي لا أصعد علي سرير فراشي . لا أعطي وسناً [ نعاساً ] لعينيَّ ولا نوماً لأجفاني .. [ إلي أن ] أجد مقاماً للرب » ( مز١٣٢ : ٣ ـ ٥) ..

فهل نقارن بين داود والأعظم من داود ، الرب يسوع ؟

داود قرر ألا يعطي جسده راحة إلي أن يُكمل إقامة مسكن تابوت العهد .. قرر هذا من أجل الله الذي يستحق منه كل بذل .. أما الرب يسوع فقرر ألا يعطي نفسه راحة إلي أن يُكمل فداءه للخاطئ الذي لا يستحق أي شئ .. فيا للنعمة الغنية !! ثم ما أبعد الفرق بين بذل داود من أجل إقامة المسكن لتابوت العهد ، والأهوال التي تحملها الرب من أجل فداء الخاطئ .. فلم يسترح الرب إلا بعد أن تحمّل وهو علي الصليب عقاب الخاطئ كاملاً .. في النبوات التي سبقت صلبه بنحو ألف عام نستمع إليه وهو يصف جزءاً من هذه الأهوال :

« صار قلبي كالشمع .

قد ذاب في وسط أمعائي ..

ثقبوا يديَّ ورجليَّ ..

العار قد كسر قلبي ..

شروراً لا تُحصي قد اكتنفتني »

( مز٢٢ : ١٤ ، ١٦ ؛ ٢٠:٦٩ ؛١٢:٤٠ )

أيها القارئ العزيز ، إنه حبه المدهش العظيم الذي جعله لا يستريح إلا بعد أن سدد كل ديوننا علي الصليب ..

سدد ديوننا كاملة ثم أسند رأسه أخيراً للراحة قبل أن يسلم روحه ليموت قبل أن يأتي العسكر ليكسروا ساقيه ..

الملخـص

دعني عزيزي القارئ أُلخص لك ما سبق في سطور قليلة :

  • لم يُرجم الرب .. والسبب الظاهر تودد اليهود لبيلاطس ..
  • ولم تُكسر عظام ساقيه وهو علي الصليب .. والسبب الظاهر ، قناعة العسكر بعدم ضرورة هذا لأنهم رأوه ميتاً ثم لجوءهم إلي طعنه بالحربة لتأكيد موته بدلاً من كسر ساقيه ..

أما السبب الحقيقي فهو هيمنة الله علي الأحـداث حتي يكـون هذا التطابق المذهل بين ذبح خروف الفصح وصلب الرب يسوع .. في الإثنين عظم لا ينكسر ..

لكن هل في هذا التطابق ما يحرك قلبي ويبني إيماني ؟ .. نعم .. نعم ، فالرسول بولس يتحدث عنا [ كل المؤمنين ] قائلاً :

« لأننا أعضاء جسمه

من لحمه ومن عظامه »

(أف ٣٠:٥ )

نعم كل مؤمن حقيقـي هو عظـم في جسم الرب ، وله أن يهتف قائلاً :

سأظل عظماً في جسده .. عظماً لا ينكسر ..

لن يقدر إبليس أن يفصلني عن الرب ..

لا لن يقـدر أن يحـرمني ، ولو للحظـة واحدة ، من حبه أو رعايته أو حمايته ..

كما لن يقدر أن يفصلني عن بقية عظامه .. عن المؤمنين إخوتي .. فعظم الرب غير قابل للكسر ولا للتجزئة ..

هللويــــا ..