٦ إنسانان

 

تُري هل هناك معني رمزي لقتل البكر بالذات وليس أي فرد آخر من الأُسرة ؟ ..

البكر هو أول مَن يولد في العـائلة .. إنه الابن الأول .. ومن هنا يمكنك أن تراه رمزاً للإنسان الأول آدم الذي عصـي الله .. فالكتاب المقدس يُحـدثنا عن إنسانين ، الإنسان الأول والإنسان الثـاني .. ويقول « الإنسان الأول من الأرض ترابي . الإنسان الثاني الرب من السماء » (١ كو ١٥ : ٤٧) ..

آدم ، الإنسان الأول ، أخطأ لله وصار تحت حكمه القاضي بالموت .. ومن هذه الزاوية يرمز إليه الابن الأول ( البكر ) الذي حُكم عليه بالموت ..

لقـد حـذر اللـه آدم قائـلاً « يـوم تأكـل منها [ شـجرة معـرفـة الخـير والشـر ] موتـاً تمـوت » ( تك٢ : ١٧ ) .. لكن آدم لم يحترم وصية الله وأكل من هذه الشجرة فأتي عليه حكم الموت .. والموت لا يعني أن آدم قد تلاشي ولم يعد له وجود .. فالموت ليس معناه التلاشي بل الانفصال ..

  • فالخطية التي ارتكبها آدم فصلته في الحال عن الله ففسدت طبيعته .. هذا الانفصال يُطلق عليه الموت الروحي ( أف٢ :١ ) ..
  • وبعد فترة من الزمن انفصلت نفس آدم عن جسده ليعود الجسد إلي التراب ، وهذا هو الموت الجسدي ( تك ٥: ٥) ..
  • ولولا توبـة آدم وإيمـانه لكان قد انفصل عن الله أبدياً في عذاب أبدي .. وهو الموت الذي يُطلق عليه سفر الرؤيا المـوت الثـاني ( رؤ٢١ : ٨ ) ..

وكما يرمز الابن الأول ( البكر ) الذي طلب الله موته إلي الإنسان الأول آدم .. هكذا أيضاً يرمز إلي كل إنسان !!.. فكل إنسان توارث عن آدم الأول الموت لأنه ورث عنه طبيعته الفاسدة ( مز٥١: ٥، إش ٥٧: ٤، يو ٣ : ٦) التي فسدت نتيجة لسقوطه .. تقول رسالة رومية :

« بإنسان واحد [ آدم ] دخلت الخطية إلي العالم وبالخطيـة الموت وهكذا اجـتاز الموت إلي جميع الناس إذ أخطأ الجميع »

( رو ١٢:٥ )

أيها الحبيب ، الابن الأول ( البكر ) الذي طلب الله موته في مصر وقت ذبح خراف الفصح هو رمز لآدم الإنسان الأول .. وهو أيضاً رمز لي ولك ولكل إنسان ، فجميعنا وُلدنـا بالطبيعـة الفاسـدة لهذا الإنسـان الأول .. وجميعنا بسـبب هذه الطبيعـة ارتكبنا خطايا استحققنا عليها عقاب الله .. الموت ..

كما لا يمكنك بهذه الطبيعة الفاسدة أن ترضي الله ، يقول الرسول بولس :

« فالذين هم في الجسد [ أي يسلكون بحسب الطبيعة الفاسدة ] لا يستطيعون أن يرضوا الله »

( رو ٨ : ٣ )

كما أن هذه الطبيعة الفاسدة المتوارثة عن آدم الإنسان الأول لا تناسب ملكوت الله .. ولهذا قال الرب يسوع بكلمات قاطعة :

« إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يري ملكوت الله .. ينبغي أن تولدوا من فوق »

( يو ٣ : ٣ ، ٧)

ويا لهذا الخبر الطيب الذي يُسمّن العظام الذي تذيعه كلمة الله ، إنه بإمكان أي إنسان أن يولد من فوق بطبيعة جديدة تُناسب ملكوت الله :

« وأما كل الذين قبلوه [ قبلوا يسوع ] فأعطـاهم سـلطـاناً أن يصـيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه . الذين ولدوا ليس من دم ولا مـن مشـيئة جسـد ولا من مشـيئة رجـل بـل من اللـه »

( يو١ :١٢ ، ١٣ )

نعم ، ففي اللحظة التي يؤمن فيها الإنسان إيماناً قلبياً بالرب يسوع ، الخروف المذبوح ويضع ثقته في دمه المسفوك ، تُغفر خطاياه أي أنه ينال الخلاص من عقابها الأبدي مثلما نال البكر الخلاص من الموت بسبب احتمائه بدم خروف الفصح .. ويلده الروح القدس ميلاداً ثانياً بطبيعة جديدة تناسب ملكوت الله ..

استمع إلي الرسول بطرس وهو يبارك الله من أجل نوالنا هذا الميلاد الثاني هاتفاً :

« مبارك الله .. الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية »

(١ بط١ : ٣ )

سنوات لا تُحسب

لقد صاحب نجاة الأبكار من الموت تغيير في توقيت بداية العام .. فقد أمر الله أن يكون شهر أبيب الذي حدثت فيه النجاة هو الشهر الأول الذي يبدأ به العام بعد أن كان ترتيبه السابع « هذا الشهر يكون لكم رأس [ أول ] الشهور » ( خر١٢ :٢ ) .. ويا له من معني !! .. فكل الشهور التي عشتها قبل نوالك الخلاص ، لا تُحسب .. إنها تنتمي إلي الطبيعة القديمة الفاسدة الموروثة من الإنسان الأول آدم .. إنها شهور وسنوات الموت ..

أيها الحبيب ، تاريخ عمرك الحقيقي بدأ من هذه اللحظة التي قبلت فيها الرب يسوع ، الخروف المذبوح لأجلك ، ووضعت ثقتك في دمه لأجل خلاصك .. نعم عمرك الحقيقي بدأ منذ اللحظة المجيدة لحظة ميلادك الثاني التي أنهت انتسابك لآدم .. الإنسان الأول .. للموت .. لتصير منتسباً للإنسان الثاني .. للحياة ..

ومن هو الإنسان الثاني ؟ .. كلمات الرسالة الأُولي إلي كورنثـوس تقول إنه الرب يسـوع « الإنسان الثاني الرب من السماء » (١ كو ١٥ : ٤٧) ..

وهل الرب يسوع إنسان ؟

نعم وأحد ألقابه هو « ابن الإنسان » .. ولكنه ليس إنساناً فقط ، بل الإله الإنسان في ذات الوقت .. إنه أقنوم الابن الأزلي الأبدي لكنه في ملء الزمان اتخذ له إنسانية وولد بها من عذراء لنراه « في الهيئة كإنسان » ( في٢ : ٨ ) .. تقول رسالة تيموثاوس الأولي « عظيم هو سر التقوي الله ظهر في الجسد » (١ تي ٣ : ١٦ ) ..

الأول والثاني

  • كما كان آدم الإنسان الأول رأساً للإنسانية الساقطة ، فإن الرب يسوع الإنسان الثاني هو رأس للإنسانية الجديدة .. رأس للمؤمنين الحقيقيين ( كو١ : ١٨ ) .. كل الذين نالوا الميلاد الثاني ..
  • وكما أتي آدم الإنسان الأول بالخطية إلي البشرية ليجعل الجميع خطاة .. أتي الرب يسوع الإنسان الثاني لكي يجعل جميع الذين يؤمنون به أبراراً ( رو ٥: ١٩ ) .. أي مبرريـن بدمـه ( رو ٥: ٩ ) ..
  • وكما توارثنا عن آدم الإنسان الأول طبيعته الفاسدة بعد سقوطه ، فقد نلنا الطبيعة الجديدة  بإيماننا القلبي بالرب يسوع الإنسان الثاني ..

أيها القارئ الحبيب ، إن كنت مؤمناً حقيقياً بالرب يسوع فأنت وُلدت مرتين .. مرة من والديك ، انتسبت بها إلي آدم الإنسان الأول وحملت طبيعته الفاسدة فاستحققت الدينونة .. الموت .. ومرة ثانية وُلِدت من الروح فأصبحت ابناً لله مفدياً بالدم ولا شئ من الدينونة عليك ( رو ٨ :١ ) ، وانتسبت إلي الإنسان الثاني .. الرب يسوع ..

ملاحظـة جـذابـة

تُري هل جذبت انتباهك هذه الملاحظة .. إن المسيح لم يأتِ بالجسد من نسل الابن الأول لكل من آدم وابراهيم واسحق ويعقوب ويسي وداود ؟! ..

لم يأتِ الرب من نسل قايين الابن الأول ( البكر ) لآدم بل من شيث أخيه ..

ولا من نسل إسماعيل الابن الأول لإبراهيم بل من إسحق ..

ولا من عيسو الابن الأول لإسحق بل من يعقوب ..

 ولا من ألياب الابن الأول ليسي بل من داود الابن الأصغر ..

ولا من أمنون الابن الأول لداود بل من سليمان ..

ولا يمكن أن يكون بلا معني أننا لا نجد في سلسلة نسب الرب مكاناً للابن الأول [ البكر ] في كل هذه الحالات !! .. فهل تري في هذا الأمر إشارة بليغة إلي أنه بميلادنا الأول ليس لنا شركة مع الرب وليس لنا أن ندخل ملكوته أو حتي نراه ( يو٣:٣ ،٥) ..

فبسبب الطبيعة الفاسدة التي ولدنا بها في ميلادنا الأول نحن خطاة مذنبون محكوم علينا بالهلاك الأبدي .. ضعفاء أمام الخطية .. ننتسب إلي آدم الإنسان الأول ..

ولكن بميلادنا الثاني تغير كل شئ .. « لا شئ من الدينونة [ علينا ] » ( رو ٨ :١ ) ، فقد صـرنا « في المسيح » الإنسان الثاني .. متبررين من ذنوبنا بدمه ( رو٢٤:٣،٢٥) ولنا أن نتمتع بقوة الروح القدس (٢ تي١ : ٧) ..

بميلادنا الأول لا شركة لنا مع الرب ..

وبميلادنا الثاني صرنا له ، ويمكن لكل منا أن يقول « أنا لحبيبي وحبيبي لي » ( نش ٦: ٣ ) .. هللويا ، لقد أحب الرب أن يُذبح كخروف لكي ينقلنا من سلطان إبليس لنصير له ..

أيها الحبيب ، بميلادك الثاني بدأت علاقة الحب المتبادل مع الرب يسوع الخروف .. ويشبّه الوحي هذه العلاقة بعلاقة الخطيب بخطيبته .. فالرسول بولس يكتب إلي مؤمني كورنثوس قائلاً « لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدّم عذراء عفيفة للمسيح [ أي أن حبها الأول هو للمسيح ] » (٢ كو١١ :٢ ) ..

أما في سفر الرؤيا فالحديث ليس عن خطبة بل عن عُرس .. عُرس الخروف .. فيوحنا يتحدث في هذا السفر عن آخر الزمان قائلاً « لنفرح ونتهلل ونعطه المجد لأن عرس الخروف قد جاء وامرأته هيأت نفسها » ( رؤ ١٩ : ٧) ..

آه أيها القارئ العزيز ، كل المؤمنين الحقيقيين .. من نالوا الميلاد الثاني سيكونون معاً في نهايـة الزمن « العروس امرأة الخروف » ( رؤ٢١ : ٩ ) ، يقفون « أمام مجده بلا عيب في الابتهاج » ( يه ٢٤ ) ليقضوا معه الأبدية التي بلا نهاية في محبة متبادلة ووحدة عجيبة .. يقول سفر الرؤيا « الخروف .. يرعاهم ويقتادهم إلي ينابيع ماء حية » ( رؤ ٧: ١٧ ) ..

نعم بميلادك الثاني صرت للخروف ، الإنسان الثاني .. صرت له إلي الأبد ..

راعـوث

لقد تزوجـت راعـوث الموآبيـة مرتين ، الأولي من كليـون الـذي مـات دون أن تُنجـب منه ، والثانيـة من بوعـز رجـل الله الذي أنجـبت منه عوبيد الذي أتي من نسله داود ثم الرب يسوع بالجسد ( را ٢١:٤ ، مت١ : ٥) ..

تأمل ، إن اسم كليون معناه « الضعف الشديد pining » أما بوعز فيعني « القوة » (٦) .. ولهذا أُطلق هذا الاسم بوعز علي واحد من العمودين الرئيسيين في هيكل سليمان (١ مل ٢١:٧ ) ..

وهذه هي الحقيقة .. إنه بميلادك الأول كنت منتسباً للإنسان الأول حيث الضعف الشديد أما بميلادك الثاني فكان ارتباطك ببوعز الحقيقي .. الإنسان الثاني .. الخروف المذبوح القائم الذي يهبك القوة والثبات ..

والسؤال المصيري الموجه إلي كل إنسان هو : إلي من ينتسب الآن .. إلي الإنسان الأول أم إلي الثاني ؟ وبكلمات أُخري هل نال الولادة الثانية أم لا ؟ ..

إذا كنت لم تنل الولادة الثانية ولا تزال تنتسب إلي الإنسان الأول آدم ، فأنت تماماً مثل الأبناء الأبكار الذين حكم الله عليهم بالموت لأنهم لم يحتموا بالدم .. أنت محكوم عليك بالموت ومصيرك الحتمي هو البحيرة المتقدة بالنار والكبريت ..

فلتتحول عن خطاياك حالاً وتتجه بكل قلبك إلي الخروف ، يسوع .. لتؤمن به وتحتمي خلف دمه الثمين .. سيعبر عنك الموت ولن تذهب إلي الهلاك مثلما عبر الموت عن الأبكار الذين احتموا خلف دماء خراف الفصح المذبوحة .. ويا له من وعد بلا مثيل :

« لا يهلك كل من يؤمن به

بل تكون له الحياة الأبدية »

( يو ٣ : ١٦ )

هيا تحول عن خطاياك .. اقبل محبة الخروف وموته لأجلك .. لتتهلل وتفرح معي وترنم مُنشداً :

هللويا ، لقد وُلِدت من جديد .. للحياة الجديدة ..

لم أعد منتسباً لآدم الإنسان الأول ، صرت منتسباً للرب يسوع الإنسان الثاني ..

لم أعد خاطئاً محكوماً عليّ بالموت ، الهلاك الأبدي .. صرت باراً مبرراً بالدم .. لي حياة أبدية .. وأمتلك طبيعة جديدة ، أحيا بها حياة الفرح والقوة والمجد ..