١٠ الفرس و راكبه

 

كان خلاصاً عظيماً لشعب الله من الموت حين نجا أبكاره داخل بيوتهم المحتمية بالدم ..

وكان لهم خلاص ثاني .. خلاص من الضعف والإعياء .. إذ أكلوا الخرفان المذبوحة مع الفطير تأهباً لخروجهم العظيم من أرض العبودية ..

وحظوا بخلاص ثالث .. خلاص من عبوديتهم المُرّة لفرعون التي هي في حقيقتها عبودية لإبليس  الذي كان يقف وراء فرعون .. فلقد أبغض إبليس الشعب إلي أقصي حد إذ كان يدرك أن من نسلهم سيأتي من سيسحق رأسه ( تك ٣ : ١٥ ) ولذا حاول القضاء عليهم بإيعازه إلي فرعون أن يقتل كل طفل يولد لهم من الذكور ( خر١ :٢٢ ) ..

ويضيف سفر الخروج شارحاً كيف استعبد رجال فرعون شعب الله « مرروا حياتهم بعبوديـة قاسـية » ( خر١ : ٤١ ) .. سخروهم بعنف « في كل عملٍ في الحقل » ( خر١ : ١٤ ) .. وأيضاً لبناء مدنهم ( خر١ :١١ ) دون أي مقابل مادي ..

انتبه فهذا ما يفعله دائماً إبليس وجنوده .. يستغلون ضعف الإنسان نتيجة استمراره في الخطية وانقطاع شركته مع الله ، فيذلونه ويمررون حياته ويسلبون منه كل ما يقدرون علي سلبه .. سواء كان نجاحاً أو فرحاً ، صحة أو مالاً .. علاقات أُسرية أو صداقات نافعة .. إن هدفهم أن يسلبوا من الإنسان سلامه ، وأن يدمروا معنوياته .. فكم يبغضون الإنسان جداً !!..

وأتي وقت خلاص شعب الله من فرعون ، ومن إبليس الذي يستخدم فرعون .. أتي وقت استرداد الشعب لما سُلب منه .. وكما سمع كلمات الله تطلب منه أن يذبح خراف الفصح ليحتمي بدمائها ويتقوي بلحمها المشوي بالنار ، فقد سمع منه أيضاً هذه الكلمات المفرحة :

« وأصنع أحكاماً [ دينونة ] بكل آلهة المصريين »

( خر١٢ ١٢ )

آلهـة المصـريين

تقول لنا الرسالة الأولي إلي كورنثوس إن آلهة العبادات الوثنية تقف وراءها شياطين ، أي أرواح شريرة (١ كو١٠ : ١٩ ،٢٠ ـ انظر لا ١٧ : ٧ومز ١٠٦ : ٣٧ KJV ) ..

لقد صنع الله قضاءً بشياطين آلهة المصريين التي كانت تتحكم آنذاك بأرض مصر وبفرعون ملكها .. والنتيجة لهذا القضاء هو انهيار مملكة إبليس في مصـر وفقـدان سيطرتها علي الأحداث ، فمنذ أن توالت الضربات علي فرعون وشعبه والانهيارات تتتابع في مملكة الظلمة إلي أن انهارت تماماً في الضربة الأخيرة التي صاحبت ذبح خراف الفصح ..

  • فالنيل الذي اعتبره المصريون إلهاً تحولت مياهه إلي دماء ( خر ٧ : ١٩  ـ٢١  ) ..
  • والضفادع التي كانت تٌكرم إكراماً إلهياً .. تدافعت أسراباً أسراباً إلي مطابخهم وحجرات نومهم ( خر ٨  : ٣  ) ..
  • والماشية التي كانوا يعبدونها أماتها البرد ( خر ٩ : ١٩ ) ..

لم تستطع الأرواح الشريرة  أن تحمي رموز عبادتها الوثنية .. لقد فقدت تماماً سطوتها ومجدها في أرض مصر عندما ذبح شعب الله خراف الفصح ..

فمن ناحية نجد المهلك الذي دخل البيوت التي لم تحتمِ بالدم يميت مع أبكار المصريين ، كل أبكار الحيوانات .. وبعض منها كان المصريون يقدسونه باعتباره آلهة لهم مثل عجل أبيس .. لقد ماتت جميعها في وقت واحد.. يا للخزي والعار الذي أصاب من يعبدونها .. ومن ناحية أُخري هناك من الكُتّاب  مثل أرتابانوس Artapanus من القرن الأول قبل الميلاد الذي يقول إن زلزالاً قوياً قد حدث وأسقط أكثر المعابد الفرعونية (٨).. وبالتالي فإن ما حدث يماثل ما قاله إشعياء :

""« هوذا الرب .. قادم إلي مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر داخلها » ( إش ١٩ :١ )

المهم ، إنه حدث انهيار عظيم لمملكة الشياطين في مصر ، فقد أجري الله قضاءه عليها فكان حتمياً أن ينهار فرعون وجيشه لأنهم كانوا يستمدون قوتهم من هذه المملكة ..

ثم غرق فرعون وجنوده  في أعماق البحر ، بينما عـبر الشعب خارجـاً من أرضهم بيـد الرب الشـديدة وذراعه الممـدودة ( تث ٥: ١٥ ) .. ويقـول المزمـور « غطـت الميـاه مضايقيهم واحـد منهم لم يبـق » ( مز ١٠٦ :١١ ) ..

قارئي العزيز .. هذه القصة ترمز إلي ما حدث في الصليب .. فهذا التدمير الذي حدث للشياطين في أرض مصر في مناسبة ذبح خراف الفصح ليس سوي صورة مصغرة للتدمير الأعظم الذي حل بمملكة إبليس يوم أن ذُبِح الخروف الحقيقي ، حمل الله يسوع ..

في هذا اليوم صنع الله أحكاماً عظيمة بمملكة إبليس .. ففقدت هيبتها وزال سلطانها وتجرد رؤساؤها من أسلحتهم .. وتسجل لنا رسالة كولوسي هذا الخبر المفرح قائلة :

« جرد [ الرب ] الرياسات والسلاطين [ أي قواد مملكة الظلمة (أف ١٢:٦ )] أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه [ أي في الصليب ] »

( كو٢ : ١٥ )

ويا للنصرة التي تعلنها لنا في هذه الآية !! .. الرب جرد قواد مملكة إبليس من ثياب زهوهم ، ومن أسلحة محاربتهم .. وأشهرهم .. أي فضح ضعفهم .. ويا لخزيهم !! لقد هزّ الرب في معركة الصليب كل عروش مملكة الظلمة هزاً عنيفاً وأعلن زوال رهبتها لتصبح عاجزة أمام كل من ينتسب له ..

ففي معركة الصليب ، تحـققت كلمـات الله إلي الحيّة « هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه » ( تك ٣ : ١٥ ) .. لقد اقتربت الحية إلي الخروف وسحقت عقبه [ صلبت جسد الرب ] فكان أن سحق الخروف رأسها .. هللويا ..

اعلـن إيمـانك

القارئ العزيز ، اعلن إيمانك أن الخروف قد سحق رأس الحية .. ترنم بهذه الحقيقة .. قُل فرحاً بكل كيانك هللويا .. هللويا ..

آه لم يعـد لك أن تخـاف مـن الحـية ، إبليـس ( رؤ١٢ : ٩ ) .. فرأسها قد سُحق .. لقد بادت قوتها .. تأمل معي كلمات رسالة العبرانيين التي تؤكد هذه الحقيقة :

« فـإذ قـد تشـارك الأولاد [ أي المؤمنين ] في اللحم والدم [ في ذات الطبيعة البشرية الواحدة ] اشترك هو أيضاً [ أي الرب يسـوع ] كـذلك فيهما [ بتجسده ] لكي يبيد [ الكلمة في أصلها اليوناني تعني يجعـل عاجـزاً ] بالموت [ الصليب ] ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس »

( عب٢ : ١٤ )

ولنعد إلي ما حدث لفرعون وجيشه في مناسبة ذبح خراف الفصح ، فهي تلقي ضوءاً ساطعاً علي ما يجري في معاركنا مع إبليس ومملكته ..

  • لقد أُصـيبت مركبات فرعون بالبطء « خلع [ الله ] بَكَرَ [ أي عجلات ] مركبـاتهم حـتي سـاقوهـا بثقـلةٍ » ( خر ١٤ : ٢٥ ) ..

اعلن إيمانك إن حـركة مملكة إبليس ضدك مُصابة هي أيضاً بالبطء الشديد .. مُصابة بالعجز .. وإن إبليس لن يحقق أبداً مبتغاه في حياتك ، وسيصاب حتماً بالفشل والخزي ..

  • اعترف شعب فرعون بضعفهم وقرروا الهروب « فقـال المصريون نهرب .. لأن الـرب يقـاتل المصـريين عنهم » ( خر ١٤ : ٢٥ ) ..

نعم .. المؤمن لا يهرب من إبليس بل إبليس هو الذي يجب عليه أن يهرب من المؤمن .. فقط علي المؤمن أن يقاومه .. تقول كلمة الله « قاوموا إبليس فيهرب منكم » ( يع ٤ : ٧ ) ..

وانطلق شعب الله إلي خارج مصر بينما غرق فرعون وكل جيشه ، فتهلل موسي وأنشد ترنيمته الرائعة التي قال فيها :

« أُرنم للرب فإنه قد تعظم .

الفرس وراكبه طرحهما في البحر

الرب قوتي ونشيدي .

وقد صار خلاصي .

هذا إلهي فأمجده ..

مركبات فرعون وجيشه ألقاهما

في البحر .. تغطيهم اللجج »

( خر ١٥ :١ ـ ٥)

واقتبست مريم أخت موسي من أخيها الكلمات الأُولي من ترنيمته هذه لتقود بها النساء مُسبحة الله بفرح عظيم .. بدفوف ورقص قائلة لهم :

« رنموا للرب فإنه قد تعظم .

الفرس وراكـبه طرحهما في البحر »

( خر ١٥ ٢١ )

لقد غرق راكب الفرس .. فرعون وجنوده ..

وغرق أيضاً الفرس .. المركبات التي كان يستخدمها فرعون وجنوده ..

قارئي العزيز .. لِمَ لا ننتقل من هذه الرموز ونأتي إلي ما ترمز إليه .. لنري :

  • راكب الفرس ، فرعون وجنوده أنهم رمز لإبليس وقواته .. لقد جردهم الرب من أسلحتهم فصاروا أمام كل مؤمن حقيقي ضعفاء كالعدم وكلا شئ ، وإن جـاز التعبير فإن مياه الصليب طمت عليهم وأغرقتهم ..
  • والفرس ، هو الذي يركبه فرعون وجنوده ليستخدمونه في الحرب وبهذا فهو يرمز لكل الأدوات والوسائل التي يستخدمها إبليس في محاربتنا .. هللويا هي أدوات ووسائل عقيمة وعاجزة عن الضرر .. هللويا ، فبإمكاننا أن نراها هي أيضاً غارقة في أعماق مياه الصليب ..

قارئي العزيز .. لماذا لا تعطي كل كيانك الآن في تسبيح الرب بهذه الأنشودة العظيمة :

« الرب قد تعظم الفرس وراكبه طرحهما في البحر »

هيا اعلن بها بفرح إيمانك بأن إبليس كلا شئ ،  وأن أدواته ووسائله هي أيضاً كلا شئ .. سيسمع جنوده صوت تسبيحك يدوي في آذانهم .. سيرتعبون ويهربون من أمامك ..

لا تقل إني ولد

رجاء لا تقل إنني لازلت صغيراً في الإيمان ، كيف يُرعِب ترنيمي جنود مملكة إبليس ؟ ..

لا لست صغيراً في عيونهم ما دمت قد نلت الولادة الثانية وصرت من أولاد الله .. استمع معي إلي كلمات من المزمور الثامن الذي تحدث به داود إلي الرب :

« من أفواه الأطفال والرضع أسست حمداً [ تسبيحاً ] .. لتسكيت عدو ومنتقم »

( مز ٨ :٢ )

انظر .. هذه الكلمات العظيمة تقول إن الذين يسبحون هم أطفال ورضع ، أي صغار روحياً ، لم يمض وقت طويل علي نوالهم الميلاد الثاني ، كما تقول مؤكدة إن تسبيحهم يصمت العدو والمنتقم .. أي إبليس ..

فيا لقوة تسبيـح الإيمان !! حتي لو انطلق من أفواه الصغار .. لا تنس أن التسـبيح يُسـقط أية أسـوار بنـاها إبليـس ليمنـع بها التمـتع بالبركـات ( يش ٢٠:٦ ) ، كما يفك قيود الأسر ويفتح أبواب الحرية ( أع ١٦ : ٢٥ ، ٢٦ ) ..

ليس معني هذا أن يكون هدف تسبيحك هو الانتصار علي إبليس .. هذا الانتصار هو نتيجة من نتائج التسـبيح للرب .. أما الهدف من التسبيح فهو أن تقدم لإلهك الذي أحبـك عبادتك القلبية .. ذبائـح التسـبيح « ثمـر شـفاه معتـرفـة باسـمه » (١ بط٢ : ٥، عب ١٣ : ١٥ ) ..

اكـرز بالحـرية

قارئي الحبيب ، لماذا لا تطلب أن تمتلئ بالروح القدس .. أليس هذا ما تطالبك به كلمة الله القائلة « امتلئوا بالروح » ( أف ٥: ١٨ ) ؟ ..

حين تمتلئ بقوته ، سيقودك الروح لتخبر كـثيرين ممن أسرتهم الحية ، إبليس ، في سجون الخوف أو الفشل أو الإدمان أو الجنس أو خلف أسوار السحر العالية بأن الخروف قد سحق رأس الحية وجرد رؤساء مملكتها .. وبأنه قد حان وقت التحرير ..

سيقودك الروح القدس لتقول لهم :

  • آمنوا بالرب يسوع .. آمنوا أنه الخروف الذي ذبح لأجلكم حاملاً كل دينونتكم ..
  • احتمـوا بدمـه الثمـين .. ثقـوا فـي أنه يطهركم من كل خطية (١يو١: ٩) فلا تأتي الدينونة عليكم ..
  • وثقوا أنه المحرر الأعظم .. مكتوب « إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً » ( يو ٨ : ٣٦ ) ..

بكل تأكيد سيُطلق الرب النفوس التي تلجأ إليه بإيمان .. سيُخرِجها من سجونها مثلما أخرج الشعب قديماً من قبضة فرعون .. سيخرجهم « بيد شديدة وذراع ممدودة » ( تث ٥: ١٥ ) ..

أيها الحبيب ، هيا نرنم مع موسي ومريم بفرح عظيم قائلين :

« الفرس وراكبه طرحهما في البحر »