١
نتائج  مريرة

 

أطلق الرسول بولس تحذيراً قوياً واضحاً .. لا تبحروا إلي فينكس فالخسائر ستكون هائلة .. ليس مجرد فقدان كميات القمح الضخمة المحمولة إلي روما وجسم السفينة بل أيضاً حياتكم ذاتها ستتعرض لخطر محقق ..

كان بولس يتحدث بكل الثقة والوضوح .. فقد كان ممتلئاً بالروح القدس يحيا فى شركة حية مستمرة مع الرب ، لذا كان قادراً علي التمييز .. وتمكن من أن يري بوضوح أخطار الإبحار إلي فينكس .. لكن قائد المئة لم يعر كلمات بولس أى اهتمام ، وأمر أن تبحر السفينة لتسير خارج مشيئة الرب ..

ما أمرّ النتائج حينما تختار أن تتحرك خارج مشيئة الرب فى القرارات الكبيرة التى تحـمل فى طياتها المخاطرة .. ما أفدح الخسائر سواء كان السبب جهلك بمشيئة الله أو رفضك لها .. أيها الحبيب لا تنس أبداً هذه الحقيقة التى لا تُقدر بثمن .. إن الطريق الوحيد الآمن هو الطريق الذى يقودك فيه الرب .. والمكان الوحيد الآمن ليس سوي المكان الذى يختاره الرب لك ..

اقرأ باهتمام ما سجله لوقا فى سفر أعمال الرسل أصحاح ٧٢ عما حدث لهذه السفينة ، وستزداد يقيناً بخطورة الخروج عن مشيئة الرب فى القرارات الكبيرة .. وكلما حمل القرار مخاطرة أكبر ، كلما تطلب منك التريث وعدم الاندفاع ..

القارىء العزيز ، كتب لوقا هذا السفر وهو تحت هيمنة الروح القدس الكاملة ليقدم لنا دروساً ثمينة .. فتعال نتعلم منه هذا الدرس الأول .. بعض نتائج المخاطرة باتخاذ قرار خارج مشيئة الله ..

أولاً : فقدان السيطرة

بدأ لوقا فى وصف ما حدث قائلاً :

(( بعد قليل [من إقلاع السفينة] هاجت  عليها ريح زوبعية .. فلما خطفت السفينة ولم يمكنها أن تقابل [تقوي علي مقاومة] الريح سلمنا فصرنا نحمل )) ( أع ٢٧ : ١٤ ، ١٥ )

انظر ، بعد وقت قليل من الإبحار من ميناء الموانى الحسنة ، لم يعد البحارة قادرين علي التحكم فى مسار السفينة بعد أن هب عليها إعصار رهيب ، فسلموا أنفسهم .. لا يعنى ذلك تسليم النفس لله ، أو تسليم الإيمان .. فالواضح من سياق الحديث أن المقصود أنهم أُجبروا أن يسلموا قيادة السفينة للأمواج التى صارت تحملها وتقذفها بعنف شديد صعوداً وهبوطاً ويميناً ويساراً .. يصف لنا مزمور ١٠٧ ما يحدث للركاب فى مثل هذه الحالة :

((يصعدون إلي السموات [أى عالياً جداً] يهبطون إلي الأعماق .. ويترنحون مثل السكران وكل حكمتهم ابتُلعت ))( مز ١٠٧ : ٢٦ ، ٢٧ )

 

كل حكمتهم ابتلعت !! نعم فكل ما تعلموه عن سفر البحر ، وكل رصيدهم من خبرة سنوات طوال ، وكل إمكاناتهم الذهنية وقوتهم البدنية لم يعد لها أى فائدة الآن .. لقد فقدوا تماماً السيطرة علي السفينة ..

قارئى الحبيب ، لن أملّ بسبب محبتى لك أن أُحذرك عبر صفحات هذا الكتاب من السير بدون قيادة الرب .. آه للنتائج الوخيمة ، فقد يحدث لك ما حدث لهؤلاء البحارة .. قد يأتى وقت تفقد فيه السيطرة علي أمورك ، ولا تجد أى فائدة من كل ما تمتلكه من علم وخبرة وحكمة أو مال وعلاقات .. تتحكـم فيك الأمواج ولا تقدر أن توقف تخبُطك بها ..

حينما لا تخضع لقيادة الرب ستصير عاجزاً ، تائهـاً .. لا تعرف كيف تتوقف أو إلي أين تتجه .. وكـم تتغير الأُمور تماماً حـينما تسـير خـاضعاً لقيـادته .. تصـبح قـادراً أن تغنى للرب عن اخـتبار « إنما [بكل تأكيد] خير ورحمة يتبعاننى كل أيام حياتى » ( مز ٢٣ : ٦ ) ..

ثانياً : جهد كثير بلا فائدة

نعود إلي ما جري للسفينة نتيجة خروجها عن مشيئة الرب ونقرأ كلمات لوقا « بالجهد قدرنا أن نملك القارب » ( أع ٢٧ : ١٦ ) .. ويقصد قارب النجاة الذى كانت السفينة تقطره خلفها .. لقد بذل البحارة جهداً كبيراً لرفع هذا القارب بعد أن صار يُشكل خطورة بالغة بسبب احتمال تحطم السفينة من جراء اصطدامها به بسبب الأمواج الهائجة ..

ويُكمل لوقا قائلاً « ولما رفعوه طفقوا يستعملون معونات [الأشياء التى تساعد فى الإنقاذ كالحبال والسلاسل] حازمين السفينة وإذ كانوا خائفين أن يقعوا فى السيرتس [أرضية رملية متحركة] أنزلوا القلوع » ( أع ٢٧ : ١٧ ) .. هكذا بذلوا جهداً فى رفع القارب ، وبذلوا جهداً آخر فى حزم السفينة التى تصارعها الأمواج بالحبال القوية فى محاولة لحفظها من الانشطار والتجزؤ .. وجهداً ثالثاً فى إنزال قلوعها التى كانت تلطمها الرياح العنيفة ..

لكن هل كانت هناك فائدة من جراء هذا الجهد المضنى ؟ .. يقول لوقا :

« لم تكن الشمس ولا النجوم تظهر أياماً كثيرة واشتد علينا نوء [رياح شديدة] ليس بقليل انتزع أخيراً كل رجاء فى نجاتنا » ( أع ٢٧ : ٢٠ )

أيها الحبيب .. حينما لا تسير فى مشيئة الرب سواء بعدم استشارته أو بتجاهل مشورته ، فأنت تأتى بالفشل الذريع إلي حياتك .. الجهد كثير والعائد قليل .. المشقة ضخمة والفائدة قليلة أو منعدمة .. أو كما يقول سفر التثنية « كروماً تغرس وتشتغل .. ولا تجنى لأن الدود يأكلها » ( تث ٢٨ : ٣٩ ) ..

تأمل أيضاً ما حدث لسبعة من رسل الرب يسوع حينما عادوا إلي صيد السمك بعد أن تركوه بنحو ثلاث سنوات .. لقد اتخذوا هذا القرار دون استشارة الرب ، فماذا حدث لهم ؟ .. لقد قضوا الليل كله يلقون الشباك فى الماء ولم يصطادوا ولا حتي سمكة واحدة ( يو ٢١ : ٣ ) ..

نعم سيأتى وقت لا تمسك فيه شباكك شيئاً برغم الجهد والمشقة والمحاولات الكثيرة إذا تحركت كهذه السفينة أو كهؤلاء الرسل السبعة خارج مشيئة الرب .. أما إذا تحركت فى مشيئته مستسلماً لقيادته فحتماً ستمتلىء شباكك بالسمك الكثير ، وسيري الناس بكل وضوح عمل الله معك .. سيتأكدون إنه معك ( تك ٣٩ : ٣ ) ..

ثالثاً : خسائر جسيمة

لم يتوقف الأمر عند فقدان السيطرة علي السفينة وبذل الجهد العظيم دون جدوي ، بل لحقت بهم أيضاً خسائر جسيمة .. يصف لوقا قائلاً :

« وإذ كنا فى نوء [رياح شديدة].. جعلوا [أى البحارة ومعهم الركاب] يُفرغون فى الغد . وفى اليوم الثالث رمينا بأيدينا أثاث السفينة » ( أع ٢٧ : ١٨ ، ١٩ )

انظر ، فى اليوم الثانى لإبحارهم خارج مشيئة الرب يضطرون أن يفرغوا السفينة من كل حمولتها !! كم من أطنان من القمح قذفوها فى البحر ، ورغم ذلك لم يزل الخطر .. وفى اليوم الثالث يلقون أثاث السفينة .. وأيضاً بلا جدوي .. تأمل كيف يتحدث تعبير « بأيدينا » فى كلمات لوقا السابقة عن الجهد الذى بذلوه فى التخلص من أثاث السفينة .. وما أقسي هذا علي النفس .. أن تبذل مجهوداً لا لتزيد من ممتلكاتك بل للتخلص من بعضها أو جميعها آملاً فى زوال الخطر ، ثم لا يزول .. لكن هذه هى النتيجة المرّة لرفض إرشاد الله ..

انظر إلي لوط .. تقول كلمة الله إنه اختار أن يسكن فى أرض سـدوم لأنه رآهـا أرضاً جميلة وخصـبة .. وما الخطـأ فى هذا ؟..  يقول سـفر التكـوين « فاختار لوط لنفسه .. » ( ١٣ : ١١ ) ، أى لم يستشر الله ، فماذا كانت العاقبة ؟ .. لقد خسر كل شىء ، اشتعلت المدينة بالنار فاضطر أن يتركها متعجلاً تاركاً للنـار كل ما كان يمتلك .. حتي زوجته فقدها ..

لا تنس هذه الحقيقة .. توجد دائماً خسائر جسيمة فى السير خارج مشيئة الرب وبركات عظيمة فى السير فى مشيئته ..

رابعاً : تحطم الأمل

بعد أربعة عشر يوماً من عذاب السفينة وسط البحر ، فجأة وَجَدَ البحارة أنهم اقتربوا بالفعل إلي شاطئ .. فسري الأمل فى داخلهم بقوة واعتقدوا أن نجاتهم صارت وشيكة .. لكن خوفاً من أن تصطدم السفينة بصخور هذا الشاطئ فتؤذى الجميع اتفق البحارة معاً علي الهرب لكى ينجوا بأنفسهم .. أنزلوا قارب النجاة إلي البحر بحجة أنهم سيمدون مراسى من مقدم السفينة ليثبتوها فى مكانها حتي لا تقذفها الأمواج إلي صخور الشاطئ .. لكن قبل أن يلقوا بأنفسهم فى القارب ويفروا به إلي الشاطئ ، كَشَفَ الرسول بولس لقائد المئة كذبهم ، فأمر القائد بأن تُقطع فى الحال الحبال التى تربط القارب بالسفينة فقذفت الأمواج القارب بعيداً عن السفينة .. وهكذا فى دقائق قليلة تحطم أمل البحارة فى النجاة ..

ما أقسي هذا علي نفس الإنسان ، حينما تتغير الظروف بطريقة تُحيى فيه الأمل بعد أن تبدد وتؤكد له أن النجاة وشيكة ، يظل الأمل آخذاً فى الارتفاع مع تتابع الأحداث ، ثم فجأة تتغير الظروف بطريقة درامية ويكتشف الحقيقة .. إنه كان يسير وراء السراب !! .. آه أي إحباط يصيب كل من يصر علي السير خارج مشيئة الله ..

قارئى العزيز .. تُري هل أدركت من قصة هذه السفينة بعضاً من النتائج المريرة للخروج عن مشيئة الله ؟ ..

  • تفقد سيطرتك علي مجريات الأُمور .. وتصير عاجزاً ..
  • تصاب بالفشل .. جهد كثير وعائد قليل أو شبه منعدم ..
  • تتعرض لخسائر جسيمة متتالية ..
  • يتحطم أملك فى الإنقاذ ..

هل تري نفسك الآن تقاسى من نتائج خروجك عن مشيئة الله ؟ .. إن كان الأمر كذلك فلا تكن سلبياً .. بإمكانك أن تتخلص من هذه النتائج .. ألم يتحمل الرب يسوع عندما صُلب نتائج أخطائنا ، ألم تعلن لنا كلمته هذا الحق العظيم « أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها » ( إش ٥٣ : ٤ ) ..

أيها القارئ العزيز ، ثق أن الرب أمامك الآن ويريد أن يعالج ما حدث .. يقترب إليك قائلاً « لقد تحملت فى صلبى كل أوجاع نتائج أخطائك فلم لا ترحب بى » .. ثق أنه أمامك الآن ليفعل معك ما فعله مع إيليا ..

إنقاذ الرب لإيليا

لاشك فى أن إيليا رجل من رجال الله العظماء وبطل من أبطال الإيمان .. إلا أن إيمانه قد خار فى أحد المواقف وأخطأ التصرف حين أخبرته الملكة إيزابل بأنها ستقتله ..

فى جبل الكرمل تمجد الله مع إيليا علي نحو غير عادى حيث سقطت النار من السماء علي الذبيحة التى قدمها .. ثم صلي لأجل المطر فأتي غزيراً بعد أن كان متوقفاً ثلاث سنوات ونصف .. فانطلق إلي مدينة يزرعيل حيث قصر الملك مستغلاً تأثر الشعب بما حدث ليقوده إلي نهضة فى علاقته مع الله ..

غضبت الملكة إيزابل لأنها كانت تعبد الوثن ، وأرادت أن تُبعد إيليا من المدينة فأرسلت له رسالة تؤكد له فيها إنها ستقتله فى الغد .. وبالطبع لم تكن جادة فى كلامها وإلا لقتلته فى ذات اليوم ، لكنها خشت من ثورة جموع الناس عليها فاكتفت بالرسالة علي أمـل أن تنجـح فى إخافة إيليا فيترك المدينة ويهرب ..

لم يفطـن إيليا إلي أن الملكة غير جـادة فى كـلامها ، وأنها لا تقدر أن تقتله .. استسلم كما أرادت للخوف من هذا الخطر الوهمي .. آه كم من نفوس تعذبت بسبب مخاوف من أخطار وهمية لا وجود لها أو من أخطار فى حقيقتها صغيرة ولكن نجح إبليس فى أن يضخمها فى عيون هذه النفوس ..

استسلم إيليا للخوف فتحرك بسرعة قاصداً مكاناً آمناً بعيداً ليختبىء فيه .. وآسفاه ، لم يستشر الله فخرج عن مشيئته .. وفى الطريق إلي المكان البعيد الذى اعتقد أنه سيحفظه آمناً سقط من الإعياء ونام تحت شـجرة ، فظهـر له ملاك الرب مقدماً له الطعام وهـو يقـول « قم وكُل لأن المسافة كثيرة عليك » ( ١ مل ١٩ : ٧ ) ..

حتماً سيحدث لك مثل إيليا حينما تسير خارج مشيئة الله .. ستجد أن المسافة إلي الهدف الذى تبتغيه سواء النجاح أو الأمان قد صارت كثيرة عليك ، ستشعـر بالعجز والإعياء .. لكـن يا لأمانة الـرب !! يا لحبه المذهل ونعمته المصححة للأخطاء !! سيتقابل معك كى يزيل منك الإعياء ويعـالج آثار ما حدث نتيجة تحركك خـارج مشيئته .. وسيقول لك « إذهب راجعاً .. » ( ١ مل ١٩ : ١٥ ) .. عُد إلي التحرك فى مشيئتى ..

هكذا إن كنت تقاسى من نتائج خروجك عن مشيئة الله ، فليس من قبيل الصدفة أن تقرأ هذه الكلمات الآن .. فلا توجد صدف علي الإطلاق فى كل ما يرتبط بعلاقتنا مع الرب .. إنه يحبك جداً ويريد أن يعالج كل ما حدث .. تعال إلي لقاء معه الآن .. اعترف له بخطئك .. لا ، لا تأتى إليه طالباً الإنقاذ من نتائج خروجك عن مشيئته معتمداً علي تقواك ومحاسنك .. بل مستنداً فقط علي إنه حمل أحزانك وتحمل أوجاعك لكى يريحك منها ..

أيها الحبيب ، الرب سيعالج كل نتائج خروجك عن مشيئته .. إنه يحبك جداً .. سيفعل أيضاً أكثر من هذا ، سيعوضك عن هذه الأيام الموجعة وسيجعلك أفضل مما كنت قبل أن تخطىء .. وسيقودك لتكون دائماً فى الارتفاع ( يؤ ٢ : ٢٥ ، تث ٢٨ : ١٣ )..

تذكر وعد الرب لشعبه فى العهد القديم حين دُمر الهيكل بسبب خروج الشعب عن مشيئته .. هل كان وعـده أن يعيـد الهيكـل إلي ما كان عليـه قبل تدميره ؟ .. كلا ، بل أن يصبح أعظم مما كان « مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد [البيت] الأول » ( حج ٢ : ٩ ) ..

أيها الحبيب ، كفي استمرار فى الأوجاع .. تعال إلي الرب معترفاً بأخطائك معلناً رغبتك أن تسير فى مشيئته .. ثق إنه سيعالج كل ما حدث لتعود أعظم مما كنت قبل أن تخطىء ..

لا تنـس إنـه يحـبك بلا حـدود .. وإنـه يريـد أن يقـودك ليُشبع نفسـك فتصـير « كجـنة رَيَّـا » ( إش ٥٨ : ١١ ) ..