ترنيمة المسافر

 

ما هي السعادة الحقيقة؟

أن تعيش على قمم الجبال

أن تكون حياتك خالية من الأزمات والمصاعب، لماذا نجتاز في الأودية؟

أين هي الطرق السهلة؟  كلها طرق خشنة.

هل تسألت يومـًا ما " إِذَا كَانَ الرَّبُّ مَعَنَا فَلِمَاذَا أَصَابَتْنَا كُلُّ هذِهِ؟ وَأَيْنَ كُلُّ عَجَائِبِهِ " (قضاة ٦: ١٣). أقُـلت للرب في ضيقك " لِمَاذَا تَخْتَفِي " (مزمور ١٠: ١) في الحقيقة اجتاز الكثير من رجال الله في مثل هذه المشاعر وتحيّر البعض منهم، وترنم فريقاً آخر بكلمات بقيت بل أبقاها وحفظها لنا الروح القدس لتصير ينبوعاً لتعزيتنا وإجابة لحيرتنا.

في المزمور الرابع والثمانون لنا وقفة سريعة مع كلمات بني قورح عن أولئك العابرين في طرق مؤلمة وصعبة، ولكنها تغطى ببركات وتعزيات " عَابِرِينَ فِي وَادِي الْبُكَاءِ، يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعًا. أَيْضًا بِبَرَكَاتٍ يُغَطُّونَ مُورَةَ " (مزمور ٨٤: ٦). وإذا فهمنا قليلا ًعن خلفية هذه الكلمات سنتشدد في عبورنا، رحلة غربتنا على الأرض.

كان هناك أمراً إلهيا يُلزم كل رجلِ يهودي أن يصعد لأورشليم ثلاث مرات في السنة على الأقل ليسجد هناك، ويُعيّد للرب (تثنية ١٦: ١٦)، ولأن أورشليم مدينة الملك العظيم، مدينة الأمجاد فهي مدينة الله (مزمور ٨٧). إلا أن خارج المدينة كان هناك وادي جاف .. غير مبهج به أشواك كثيرة والبعض قاله أنه مليء بالنفايات القذرة، بلا أي عيون للماء، وعبوره ليس أمراً سهلاً، والبعض الآخر قال أنه وادي مملوء بأشجار البكا وهي أشجار الصمغ، وللحصول عليه تُجرح الأشجار فيخرج منها الصمغ، ويسيل على هيئة قطرات تشبه الدموع ومن هنا جاءت التسمية (البكا) ولأن هذه الكلمة معناها "الحزن الشديد والبكاء المتواصل".

ولأنه لزم على كل عابر متجهاً لأورشليم أن يَمُر في هذا الوادي الكئيب المحفوف بالمخاطر .. فكان لابد من وجود مشجعات أقوى تساعد المسافر على الاحتمال، لأنه ينتظر أمراً آخر يُهوّن عليه المصاعب، فأفراح التسبيح في هيكل الرب وتقديم الذبائح، اجتماع الأخوة معاً .. أمور حين يتفكر فيها يتشجع ليُكمِل حتى لو كانت المسافة كبيرة عليه، فبداية المزمور " مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ!" (مزمور ١:٨٤)

ولهذا نحتاج نحن أيضاً أن ننتبه لدروس وادي البكا فجميعنا غرباء ونزلاء (١بطرس ٢: ١١)، "لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ" (عبرانيين ١٤:١٣)، عابرين في أودية كثيرة لنحذر لئلا نمد جذورنا في وادي البكا فتمتلئ كلماتنا بالشكوى والتذمر، والشفقة على ذواتنا .. ونفس كلمات الرسول يعقوب " اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ (امتحانات)" (يعقوب ١: ٢)

عند عبورك في وادي البكا ثبّت عينيك على يسوع رئيس الإيمان ومكمله (عبرانيين ١٢: ٢)، اطمئن ففي وادي البكاء هناك الله أبوك معك، يحملك "كَمَا يَحْمِلُ الإِنْسَانُ ابْنَهُ فِي كُلِّ الطَّرِيقِ" (تثنية ١: 31)، ولن يتركك ولن تُهمل، أنت غير منسي منه، يحملك يوماً فيوماً (مزمور ٦٨: ١٩)، أذرعه الأبدية من تحت (تثنية ٣٣: ٢٧).

لا تدع دموعك تحجب رؤيتك الصحيحة فلا ترى بئر الماء القريب منك (تكوين ٢١: 19).

ثقتك في معية الرب معك، ستغير مرارة الوادي القاسي، ولتكن وعوده الصادقة والمثبتة في السموات هي غذاؤك وطعامك وتعزيتك.